من المتعارف عليه انتقال أهل الريف للحضر لوفرة الخدمات وقربها من محل سكنهم في المدينة لكن ما هو غريب أن يضطر أهل الحضر للانتقال إلى الريف كحال من تزوجت من ريفي وأسكنها معه بالريف.
قرأت شكوى أحد فتيات المدينة التي انتقلت للريف مع زوجها ومعاناتها الناتجة من صعوبة التكيف هناك، فلم تتوافر حولها أماكن للترفيه كالمقاهي والنوادي التي اعتادت عليها في مدينتها، ناهيك عن مشكلتها في الحفاظ على خصوصيتها هناك وأن تعيش باستقلالية دون أن يتدخل أحد في حياتها أو يحاول معرفة تفاصيلها، غير القيل والقال المنتشرة بين سكان الريف ومن يجلسون في الطرقات ولا يتركون أحد في حاله.
كما أن المعتاد في أهل الريف أن الزوجة تسكن في منزل عائلة الزوج وتخدم والدته وتقضي غالب وقتها عندها وإن لم تفعل ذلك ربما يقال عليها الكثير من وراء ظهرها.
لذلك إما أن يسكنها زوجها في مدينة أو لا يتزوج من مدنية من الأساس طالما ينوي البقاء في الريف.
التعليقات
لكن ألا يمتلك الريف ميزات يفتقدها أهل المدينة؟ في الريف، لا تسكن الزوجة وحدها، وإنما تسكن في بيت العائلة. وإذا مرضت أو احتاجت مساعدة، تجد عشرات الأيدي.
الريف لا يتغير لأجل فرد، وعلى الفرد أن يحاول هو هضم ثقافة المكان أو يرحل، لأن محاولة فرض قيم المدينة في الريف هي معركة خاسرة.
أنا لا أدعوا لتغيير الريف أو فرض قيم المدينة عليه، وإنما أذكر واقعاً يحدث ممن يريدون من فتاة المدينة أن تسكن في الريف والمشاكل التي تتبعها...
نعم السكن في بيت العائلة مفيد في حالات طارئة كما ذكرت...لكن هنا الفتاة توازن بين كفتين، كفة الأيدي المحيطة بها عند الحاجة، وكفة المشاكل والتدخلات تلك.
فإن كثرت المشاكل والخلافات بين الفتاة وعائلة الزوج التي تسكن معهم في نفس المنزل، هل ستقدر على طلب المساعدة منهم اصلا إذا احتاجتها؟... وربما قد تحتاج المساعدة أصلا لكي تخلص نفسها من هذه المشاكل بينها وبينهم.
تلك المشكلة متكررة بشكل عام.
فالذي يترك إفريقيا ويذهب إلى أوربا يجد صعوبة في التأقلم .. والعكس
والذي ينتقل للعمل في المدينة تقابله نفس المشكلة وهي التأقلم.
أذكر كم كانت حالتي يرثى لها حين انتقلت إلى المدينة، لي الكثير من الذكريات البائسة التي تدعوا للضحك في المدينة، رجعت إلى قريتي وكأنني الأرنب الذي رجع إلى أمه "وعيونه مليانه دموع"
ما أريد قوله أن المشكلة ليست في الريف بل في التأقلم، بل أنا أرى أن حياة الريف هي مناسبة لمعظم النساء لما فيها من حياة هادئة وعادات تحفظ للمرأة وقارها واستقرارها وتكافل اجتماعي وأسري يصنع جو من المحبة العميقة الغائبة في معظم المدن.
بل أنا أرى أن حياة الريف هي مناسبة لمعظم النساء لما فيها من حياة هادئة وعادات تحفظ للمرأة وقارها واستقرارها وتكافل اجتماعي وأسري يصنع جو من المحبة العميقة
صديقاتي من الريف أنفسهن لا يردن الزواج فيها...
نعم كنت أظن كذلك وأرى أن ما يميز الريف التكافل بين أفراد الأسرة ومن يسكنون نفس المنزل وهكذا...
لكن فعلياً ماكنت أسمعه هو شكوى من التدخل في الحياة الشخصية وغياب الحدود بل ومشاكل من أفراد الأسرة نفسها وتدخلات وإساءة ظنون وغيره وسرعة انتقال الأخبار بين سكان الريف نظراً لصغرها مقارنة بالمدينة فقد تجد أنك حديث اليوم بينهم أو أن الكل يعلم اخبارك...
هذا ما جعلني أتفهم رغبة صديقاتي الريفيات في عدم البقاء فيها...مابالك بفتاة المدينة إن سكنت هناك.
رغبة الفتيات في العيش في المدن ليس بسبب مسألة الخصوصية .. ولكن المرأة بشكل عام مفتونة بحب الأشياء الجديدة والحديثة والترفية والتغيير والأسواق والمقاهي والنوادي والترفيه .. بخلاف الرجل خصوصًا إذا كبر قليلاً يميل للهدوء والبساطة ..
لكن فعلياً ماكنت أسمعه هو شكوى من التدخل في الحياة الشخصية وغياب الحدود بل ومشاكل من أفراد الأسرة نفسها وتدخلات وإساءة ظنون وغيره
قضيت في الريف سنوات عديدة، هذه المشكلة يمكن تلافيها بسهولة، عن طريق اشتراط الزوجة أن يكون لها مسكنها الخاص بعيداً عن مسكن العائلة وهذا حقها، وهذا ما تفعله معظم الزوجات في الريف.
كما أن الريف لم يعد ذلك الريف القديم الممتلئ بالجهل، هناك عادات مختلفة منها السيء وهذا لا شك فيه لكن الأمر ليس بهذا السوء. أصبح هناك وعي ودين أكثر من ذي قبل
مهما وضعت حدود لن تتمكن من منع من حولك من التعليق والتدخل، على عكس المدينة قد تسكن ولا تعرف حتى جارك، بجانب بالريف أنت على مرأى ومسمع من الجميع لو مشيت بالشارع الكل ينظر ويتفحص قد يستكثروا عليك أي شيء، لكن هذا غير موجود بالمدينة بسبب عدم معرفة الناس ببعضهم، فلقد عشت في الريف والمدينة وأكلمك من واقع سنين هنا وهنا
أوافقك الرأي بشأن التدخل في الشئون الشخصية في القرية، ولكن هذا ليس دائماً شيئاً سيئاً، ليس في كل الأحيان يكون الغرض التطفل والحسد.
عندي أقارب من القرية يهتمون بأخباري فقط ليقولوا لي: "الله يعينك ويوفقك"
وهناك من يتحسس لأن أمري يهمه.
وبإمكان الإنسان أن يحمي نفسه بوضع حدود في التعامل، أعرف أناس يعيشون في القرية ولكن بمزايا المدينة.
أما المدينة فهي مليئة بالمميزات، ولكنها أحيانا تفرض عليك الوحدة.
هناك قصص مؤثرة سمعتها عن أشخاص في المدينة علموا بوفاتهم بعد أيام بسبب الرائحة!
هذا نادر الحدوث في القرية بسبب الترابط الأسري والاجتماعي
هذا النص يعبّر عن صدام أنماط حياة أكثر مما هو صراع بين الريف والمدينة. فالانتقال من المدينة إلى الريف ليس مجرد تغيير مكان، بل دخول في منظومة اجتماعية مختلفة من حيث الخصوصية والرقابة والعلاقات العائلية والأدوار المتوقعة.
المشكلة لا تكمن في الريف بحد ذاته، بل في فرض نمط عيش غير متوافق دون تفاهم مسبق. فالسكن مع عائلة الزوج وخدمة والدته أعراف اجتماعية قابلة للنقاش، وعندما تُفرض تتحول إلى عبء نفسي لا إلى استقرار.
وفي المقابل، ليس كل أبناء المدينة يرفضون الريف. أعرف شخصيًا فتاة روسية كانت تعيش في قلب موسكو، تزوجت شابًا يسكن الريف وانتقلت للعيش معه هناك، واستطاعت التأقلم إلى حد أن أهل القرية يقولون لها إنها “أكثر أصالة منهم”. حياتهم اليوم هادئة ومستقرة وجيدة.
النجاح في أي مكان يعتمد على الاختيار الواعي والتفاهم الواضح بين الطرفين، وليس على المدينة أو الريف فقط.
بالضبط...
أنا كنت من الناس التي تظن أن الريف أهدأ وأفضل وأكثر ترابطاً بين أهلها من المدينة وصخبها وأن (كل واحد في حاله)...
لكن بعد ما سمعته من بعض أنماط العيش ممن يسكنونها هناك ومشاكلها الناتجة تأثرت نظرتي تلك لأنني لن أستطيع تحملها...
هذا لا يعني بالضرورة أن المدينة أفضل من الريف أو العكس فكل له مميزاته ومساوئه... وإنما حسب طبيعة نشأة كل فرد وطبيعة المكان الذي سينتقل له هل سيتمكن من التكيف معه أم ستكثر مشاكله فيه.