الخيال... واحة الروح في صحراء المحن

حين يشتد البلاء على الإنسان، وتُطبق المحن على صدره حتى يكاد يختنق، ينبعث في داخله سرّ خفي اسمه الخيال. إنه ليس مجرد لعبة عقلية عابرة، بل نافذة تُفتح في جدار مظلم، تُطل منها الروح على فضاءات واسعة لا يحدها واقع ولا يقيدها ألم.

الخيال في تلك اللحظات يشبه واحة في صحراء جرداء؛ قد تكون أشجارها وهمية ومياهها سراباً، لكنها تمنح العابر العطشان وهماً يبعث فيه الحياة. وهو أيضاً زورق صغير ينقذ المرء من الغرق في بحر العزلة، حتى لو كان البحر نفسه ما زال هائجاً.

صور الخيال في وجه الشدة

عندما يطرق الحزن أبواب القلب، يرسم الخيال صورة غدٍ مشرق، كأن الفجر على وشك أن يولد ولو كان الليل حالكاً. وحين يثقل الواقع على الكاهل، يتسرب الخيال كنسيم خفيف، يحمل المرء إلى عوالم موازية، حيث تتحقق الأمنيات بلا قيود، وحيث تُشفى الجراح بلا دواء.

هو في جوهره عزلة داخلية عامرة؛ قد يظنها الناس انسحاباً من الحياة، لكنها في الحقيقة محاولة من العقل لتمديد الأمل، وإبقاء شعلة الرجاء متقدة في العتمة.

لمحة سيكولوجية

علم النفس ينظر إلى الخيال في الشدائد كـ آلية دفاع تحفظ للإنسان اتزانه. يسميه البعض التفكير الرغائبي (Wishful Thinking)، وهو ميل النفس إلى خلق سيناريوهات تتمنى لو أنها تتحقق. وعلى الرغم من أنه وهم، إلا أن هذا الوهم في لحظات الانكسار ليس خطيئة، بل دواء يخفف قسوة الحقيقة.

فالخيال يمنع العزلة من أن تتحول إلى جدار خانق، إذ يخلق أبطالاً وأحداثاً ورفاقاً في ذهن صاحبه، فيحيا المرء بين عالمين: عالم الواقع حيث الألم قائم، وعالم الوهم حيث الأمل مقيم.

بين الدواء والفخ

غير أن الخطورة تكمن في أن يتحول الخيال إلى إقامة دائمة، لا مجرد محطة استراحة. فالعقل إذا اعتاد الهروب إلى أوهامه، فقد يفقد القدرة على مواجهة الحقيقة، فيغدو أسيراً لعالم من السراب. وهنا يصبح الخيال قيداً جديداً لا يختلف كثيراً عن المحنة ذاتها.

الخيال إذن، هو حيلة الروح في أوقات الانكسار، وسرّ قدرتها على النجاة. قد يكون وهماً في وهم، لكنه الوهم الوحيد الذي يعيد للإنسان شجاعة مواجهة واقعه، ويمنحه القدرة على الانتظار حتى تشرق شمس الغد من وراء غيوم الحاضر.

فهل جربت أنت، في لحظة ضعف أو وحدة، أن تجعل من خيالك مركباً تمخر به عباب المحنة؟ وكيف كان أثر ذلك على روحك؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أنا طول الوقت بلجأ لهذه الحيلة، اول لما بحس أني في أزمة، خيالي بيشتغل ، أظل احلم أن كل مشاكلي اتحليت، في حلمين طول الوقت بتخيلهم السفر في الزمن وأني عدت للماضي وأصلحت الأخطاء التي حدثت في حياتي أو أنني وجدت المصباح السحري لأتحرر من كل مشاكلي، اعرف أن هذه الأحلام لن تحدث في الحقيقة ولكن أشعر بارتياح بعدها

رائع هذا ما يسمى مراجعة الذات من خلال الرجوع للماضي ولو بالحلم لتبني عليه المستقبل وهذا ما يجعلك تشعرين بالراحة .

شكرا لحضرتك انك وجهت نظري لهذه الزاوية من الأمر، لأني دائما عندما استيقظ من هذه الأحلام ألوم نفسي، واقول أن من الأفضل توجيه طاقتي الحاضر بدلا من إضاعة طاقتي ووقتي في أحلام لا طائل منها

وانا أيضًا الخيال في أوقات الشدة يمنحنا لحظات راحة مؤقتة ويخفف الضغط النفسي هو يشبه نافذة صغيرة نطل منها على عالم بلا قيود فيه تتحقق الأمنيات يمكن النظر للخيال كأداة لتدريب العقل حين نتخيل أنفسنا نحل مشاكلنا أو نعود بالماضي نطور مهاراتنا في التفكير وحل المشكلات ونستعد لمواجهة الواقع بشكل أفضل مع التأكد أن هذه اللحظات تبقى محطة استراحة وليست هروب دائم

نعم كما تفضلتي راحة مؤقتة لشحن الهمم وتصحيح مسار لا ان نغرق في أحلام وردية تخرجنا عن الواقع .

وأنا أقرأ كلماتك تذكرت المشاهد من سجن صيدنايا بعد اقتحام وإخلاء سبيل المعتقلين حيث كان هناك الكثير من الرسومات على الجدران بعضها لأماكن ربما رسمها صاحبها لتذكره بها أو ليتخيل رؤيتها والعيش فيها للهروب من واقع السجن، أمثال هؤلاء يكون الخيال منقذًا لهم.

لا يمكن لي مجرد تخيل فكرة السجن انها تجربة مريرة وخاصة معتقل صاحب الرأي لان ذلك يعرفنا معنى الظلم الحقيقي وافضل الموت على السجن صراحة .

بعيد الشر عنك أ. أيمن.

لكن لو استسلم كل صاحب رأي يتم سجنه فسينتصر الظلم ويصبح متفشيًا في المجتمع حيث لا معارض ولا مراجع له.

علم النفس ينظر إلى الخيال في الشدائد كـ آلية دفاع تحفظ للإنسان اتزانه. يسميه البعض التفكير الرغائبي (Wishful Thinking)، وهو ميل النفس إلى خلق سيناريوهات تتمنى لو أنها تتحقق. وعلى الرغم من أنه وهم، إلا أن هذا الوهم في لحظات الانكسار ليس خطيئة، بل دواء يخفف قسوة الحقيقة.

بعض أصحاب علم النفس أو الأنثروبولوجيين يذهبون إلى أننا أصحاب الديانات أصحاب تفكير رغائبي. فالدين كله عندهم مجرد تفكير رغائبي فالمحنة الشديدة تكاد تفقدنا اتزاننا وتقضي علينا فتأتي هنا آلية من آليات الحفاظ على النفس وهو هنا ذلك الخيال في عالم أرحب آخر حيث نتخلص من تلك المحن أو تتبدل إلى منح ونلقى جزاءنا بالحسنى. هم يرونه وهمًا أما أصحاب الديانات فلا يرونه أبدًا بالوهم بل حقيقة متجسدة موقوفة التنفيذ إلى حين. أما الوهم الذي يقصدونه فإنه لن يخفف عنهم إلا أن يفقدوا عقولهم كتلك المرأة التي ترفض موت ابنها الوحيد العزيز فيخيل لها عقلها أنه راجع وأنها تراه وتتحدث معه وترفض الواقع.....

هم يرونه وهمًا أما أصحاب الديانات فلا يرونه أبدًا بالوهم بل حقيقة متجسدة موقوفة التنفيذ إلى حين

لا يمكن فصل الدين عن الإيمان بالغيب ابدا

ولا يمكن تصنيفه وهم كما ادعى أصحاب علم النفس لان الدين رسم معالم الغيب بدقة مقنعة ولا بديل لرؤى ثانية أو تصورات مختلفة فلو سألت أحدهم عن العالم الاخر يتلعثم لسانه ويقول لا اعلم فلا يمكن لارواحنا التي تسكن اجسادنا الان ان تفنى بفناءه بل ستنتقل إلى عالم آخر ،هذا العالم الاخر لا يعلم عنه شيئا" الا كما ورد على لسان الأنبياء .