لا أحد يُصغي

الماوس ولوحة المفاتيح

في عزّ العمل، فوق مكتب مزدحم، كان الماوس ينزلق بسرعة يمينًا ويسارًا، نقراته متلاحقة، بلا استراحة. بجانبه، لوحة المفاتيح تضربها الأصابع بسرعة، كأن هناك سباقًا لم يُعلن عنه.  لكن لا أحد كان يفكر فيما يُكتب، ولا حتى يقرأ ما يُضغط.

قال الماوس وهو يلهث تقريبًا: "هل تعرفين ما نفعل؟" أجابته لوحة المفاتيح دون أن ترفع رأسها: "ننقذهم من بطء التفكير." ضحك الماوس بمرارة: "بل نغرقهم في السرعة… حتى لا يفكروا." صمتت لوحة المفاتيح. في السابق، كانت كل ضغطة تُحسب، كل كلمة تُفكَّر، كل رسالة تُراجَع. أما الآن؟ أصبحت مجرد أصوات بلا معنى، تسابق الزمن لتملأ فراغًا لا يُملأ. قالت لوحة المفاتيح، وهي تلاحظ كيف أصبحت المفاتيح تُستبدل بسرعة دون أن تُمسح: "الكتابة كانت تأمّلًا… صارت تفريغًا." ردّ الماوس: "والنقر كان قرارًا… صار عادة." وفي تلك اللحظة، تجمّد المؤشر.

ليس لانقطاع الاتصال… بل لأن صاحب اليد توقف، نظر إلى الشاشة مطوّلًا، ولم يحرّك شيئًا.

همس الماوس لنفسه: "هل… بدأ يُفكر؟"

التكنولوجيا قد تساعدك على السرعة، لكنها لا تُفكّر عنك. وإذا لم تتوقف لحظة… قد تمرّ حياتك كلّها وأنت تُضغط، دون أن تكتب ما يُشبهك.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أنت محق، التكنولوچيا يجب أن تكون عاملًا مساعدًا لنا أي تساعدنا لا أن تستبدل تفكيرنا وعقلنا وروحنا، لذلك يجب علينا أن نتوقف لحظة ونفكر ونتأمل ونختار هل نجعلها عاملًا مساعدًا أم نتركها تستبدلنا كلية.

النص لمس نقطة خطيرة جدًا، إحنا عايشين في زمن السرعة لدرجة إن الضغطة بقت عادة والكتابة بقت مجرد "تفريغ"، مش فعل واعي.

السؤال اللي بيطرح نفسه: هل السرعة دي سرقت منا متعة "التفكير المتأني؟ هل لسه فينا حد بيعرف يكتب جملة ويقف قدامها يفكر قبل ما يكمّل؟

أحيانًا مجرد لحظة توقف قد تغيّر كل حاجة… زي ما حصل مع صاحب اليد لما تجمّد المؤشر.

يمكن المعنى الحقيقي مش في عدد الكلمات اللي نكتبها… لكن في كلمة واحدة نتوقف عندها ونفكر

أفكر في ذلك أحياناً أخي العزيز، وكلامك فيه جزء كبير من الصحة فالتكنولوجيا تجعلنا نسرع كأننا نجري في سباق ولا وقت للتريث..

لكن أعتقد أن حتى من سبقونا كانت حياتهم تجري بنفس الطريقة، لو عدنا 100 سنة للوراء، سنجد الفلاح يستيقظ مبكراً يذهب لحقله ويعمل حتى المغيب، ثم يرجع بيته ويقضي المساء مع أصدقائه تحت إضاءة خافتة يشربون الشاي أمام بيت أحدهم، وقد يتسامرون وقد يتشاجرون حسب اختلاف طباعهم، ثم بعدها يتفرقون ويذهب كل واحد إلى بيته حتى يكررون غداً ما يفعلون كأن حياتهم شريط كاسيت يعاد كل يوم وهكذا تجري بهم الأيام كما تجري بنا.