هل نحن بحاجة إلى أعداء خارجيين؟ يكفي ما نفعله بأنفسنا

  • demane

نيران الداخل

كنتُ هناك، في الزاوية، أستند على مدفأة حجرية أكل الدهر عليها وشرب. أنا عود ثقاب قصير العمر، أحدّق في كومة فحم تتوسط المكان وكأنها وحش نائم. وفي السقف ، مروحة تهوية تتأرجح بكسل، تراقب المشهد كقاضٍ فاسد يعرف أن الحقيقة لن تُقال أبدًا.

التفتُّ إلى الفحم وقلت باستهجان:

– "قالوا لي إنك عدوي… إنك ستلتهمني حتى آخر شرارة."

قهقه الفحم قهقهة خشنة، وقال:

– "عجيب! أنا لا أشتعل من تلقاء نفسي… أنت من يقترب ويشعلني، ثم تصرخ: النار! النار!"

تدخلت المروحة وهي تدور ببطء متعمد، كمن يستمتع بإشعال المشاكل:

– "وأنا؟ كلما اشتعلتما أكثر، دُرت أسرع، ثم ترفعان أصابع الاتهام نحوي وكأنني السبب في الفوضى."

حلّ الصمت، لكنّه كان صمتًا ثقيلاً، كأنه ينتظر الشرارة التالية. في تلك اللحظة، كان المشهد أشبه بعقدة لا يمكن فكها.

الأعين تلتقي ثم تهرب، والقلوب تضطرب كأنها تعرف أن الحقيقة تقترب لكن أحدًا لا يريد استقبالها.

كل طرف يظن أن الآخر هو من أشعل الشرارة، وكل واحد يتشبث بموقفه وكأن الاعتراف بالخطأ هزيمة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أن الجميع مشارك في النار، فعود الثقاب لن يشعل نار فترة طويلة بدون فحم، والفحم لن يشتعل من ذاته، والمروحة تزيد الاشتعال..

الإنسان في المجتمع لا يحيا وحده، بل يؤثر ويتأثر، يمكن لإنسان أن ينمو بأشكال مختلفة لو اختلف المجتمع الذي نشأ فيه..

في القصة لم يتم ذكر السبب الرئيسي، أو البحث عنه بموضوعية، فليكملوا الجدال أين هناك طرف أخر يستفيد من تلك النار.

يعجبني في مساهماتك أنها كثيرًا ما تدفعني لإسقاط المشهد على الواقع.

فمثلًا، نصك ذكّرني بمشاهد الخلافات في البيوت أو أماكن العمل، حين يقسم كل طرف أن الآخر هو من أشعلها، بينما الحقيقة أن النار ما كانت لتشتعل لولا أننا جميعًا وفرنا لها ما تحتاجه من وقود.

وفي الواقع، كل خصومة هي كومة تنتظر عود ثقاب، وأحيانًا يكون العود في يدنا نحن، لكننا نصر على إنكار وجوده.

في بيئة العمل، قد يكون الاعتراف بالخطأ أسوأ من الخطأ نفسه، خصوصًا إذا كان العُرف بين الزملاء قائمًا على تصيّد الأخطاء لاستخدامها لاحقًا كورقة ضغط. فقد تواجه إنكارًا علنيًا أو كذبًا يصدمك، فقط من أجل نقل الخطأ من ساحة شخصٍ ما إلى ساحة غيره، حتى ولو ثبت بالدليل.

إن الأخطاء أو التجاوزات، عندما تتجمع بطريقة ما وتترابط من حيث السياق ووقت الحدوث، قد تؤدي إلى آثار غير مرغوبة. ودون البحث الموضوعي عن السبب الجذري، نجد أنفسنا نعالج الأعراض بدل معالجة أصل المشكلة.

المشاكل لا تنشأ من طرف واحد فقط بل هي نتيجة تفاعل معقد.ومع ذلك بين اللهب والرياح هناك ماء هادئ ينتظر أن يُروى به ويُطهر جروح الخلافات.ولا بدّ من الماء ليهدئ لهيبها ويطفئها جميعًا.

قد نقدّم تنازلات عند إلحاح الضرورة للوصول إلى حلٍّ أفضل، مع البحث عن السبب الحقيقي لا من باب الإدانة، بل بهدف الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، أو على الأقل يقدّم تفسيرًا يسهّل فهم الحالة الراهنة.

نعم اتفق معك.

النص لمس مشاعري بصدق، لأنه يعكس كيف نغلط أحيانًا ونلوم الظروف أو الآخرين على ما يحدث لنا، بينما نحن في الأصل من يضيء النار التي نخشاها. تجربة صعبة لكن مهمة أن نواجهها بصدق لنقدر نغير واقعنا