حين يُثقِل الوضوح القلب

قد لا تنتبهون لي كثيرا لكنكم تلقون التحية على كل صباح، وتقابلونني بأول وجه بعد الاستيقاظ مباشرة.مصباح صغير معلّقٌ فوق مرآة. وأعتقد أيضا أنكم تعرفون المرآة صديقتي الأقرب...

دائما ما أعطيها وأنا أتحدث عن رفيقتي المرآة جزءا من نوري فلا يوجد أحد أصدق منها، صدق متأصل في طبيعتها، رغم ما تقابل به من جحود إلا أنها تُظهر كل شيء بصدق. كلما تمرون بنا، نضيء معًا ذاك الركن البسيط، نراقب وجوهكم، ابتساماتهم، دموعهم… وبكل احترام خادعكم.

اشتكت لي مقدار الإرهاق الذي تمر به كونها ترى أكثر مما ينبغي. فطمأنتها بأنني أريها فقط… ما كانت ستجهله في الظلمة، وحديثٌ يتكئ على سَلفِه، حتى لم يبقى إلَّا التكرار، ما أوصلنا إلى حالة أكثر صمتًا. حديث بهمس العيون.

وفي ليلٍ ثقيلٍ بالصمت، لم...، لم يعد لنوري انعكاس عليها. نعم… كنتُ مضاءً، صورتي لم تعد تظهر على سطحها.

ولأكسر ذاك الصمت بسؤال عن حالها، فأجابت بانكسار أنَّني كنت أنا، الضوء الذي كشف كل شقوقها… حتى ما تمنّيتُ نسيانه. ثم غابت… لم تُكسر، لم تُنزع، لكنها توقفت عن عكس أي شيء. لا وجوه، لا ملامح… ولا أنا. وبقيتُ أنا… معلّقًا، مضاءً، أنتظر مرآةً لا تراني.

هل كان ضيائي نعمةً أم عبئًا؟ وهل كل من يكشف الحقيقة… يُفترض أن يبقى؟ ربما كانت تفهمني أكثر من اللازم…وربما لهذا السبب، رغبت في فرارقي.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أتعلم الجملة الشهيرة "جحيم المعرفة أم نعيم الجهل"؟ أظنها جائزة على كل علاقاتنا.. وصديقنا @Mohamed_hosny تحدث في مشاركة البارحة عن فكرة "التسطيح في العلاقات حتى تدوم.." وعلى أنني لا أحبذ التسطيح، ولكن العمق في العلاقات له ضريبة ايضًا، وهي ضرورة التعامل مع حقيقة الآخر وتغييراته. ولكن ما ذكرته يا محمد لا أظنه سبب تغيّر حالة المرآة، بل تقريبًا "معرفة" الواقع هي ما آلمتها، وعودةً للعلاقات، قد نحتاج فعلًا وقتًا للتريث ومعرفة نوعية الضرائب التي نحتاج إلى دفعها في كل علاقة؟ هل المقابل منها يستحق الضريبة المدفوعة، أم استنزاف بلا هدف؟

ولكن صديقتي العزيزة الإشكالية أن الجميع يقول أنه يجب أن نخلق وزنية بين هذا وذاك ، ولا أحد يقول كيف تحديداً لأن صعوبة الأمر في أن المشاعر هي أمر نسبي لا يمكن تحجيمه أو السيطرة عليه ، وفي حالة أن فعلنا شيء معاكس لطبيعتنا البشرية أو مشاعرنا سينعكس سلباً علينا عاجلاً أو آجلاً ( العمق الشديد له ضريبته - والبعد الشديد له ضريبته) والوزنية لا يمكن كتابة وصفة سحرية لتنفيذها على ما أظن ..

العلاقة بين الضوء والمرآة كأنها تمثّل العلاقة بين من يكشف الحقيقة ومن يراها أحيانًا كشف الحقيقة لا يكون مريحًا ليس لأن الضوء قاسٍ ولكن لأن من يرى قد لا يكون مستعدًا لما يظهر أمامه أيضًا بعض الناس لا ترفض الحقيقة لأنها لا تهمهم بل لأنهم مرهقون منها أو لأنها تذكّرهم بأشياء يتمنون نسيانها وهنا يظهر السؤال الصعب هل من يكشف الحقيقة يجب أن يظل موجودًا حتى لو تسبب في ألم يمكن التوازن هو الحل أن نحاول أن نكون صادقين دون أن نكسر وأن نكشف دون أن نُرهق وأن نكون ضوءًا لا يحرق بل يدفئ

وكأنك التقطتِ الخيط الذي أراد المصباح أن يمرّره خلسة دون أن يُفزع أحدًا. نعم، أحيانًا لا تكون المشكلة في الحقيقة نفسها، بل في لحظة ظهورها… وفي الاستعداد النفسي لرؤيتها. فالضوء لا يعاقب، لكنه لا يجامل. والمرآة لا تخون، لكنها تُجهدأحيانًا حين تصرّ على الصدق كل يوم.

سؤالك الصعب يبقى حاضرًا: هل يجب على من يكشف أن يبقى؟ ربما أحيانًا الرحيل هو الصدق، أو الصمت هو الضوء… وربما، كما قلتِ، التوازن أن نضيء دون أن نُحرق… أن نُريكِ دون أن نُجهدكِ.

ربما فعلاً يا @ErinyNabil ، ليست المرآة من تغيّرت، بل الألم كان في مواجهة واقعٍ لم يعد يُحتمل، كأن الضوء حين أضاء شقوقها، لم يخلقها… بل كشف ما حاولت إنكاره. وحين يُصبح الصدق ثقيلاً، قد تغلق النفس بوابتها. وكأنها تقول: "لا مزيد، أرجوك."

أما ما ذكرته يا @Mohamed_hosny فصحيح تمامًا، "الوزنية" كما تُسمّى، لا تُكتب في وصفات ولا تُعلّب في نصائح، هي أشبه بمحاولة المشي على حبل مشدود وسط رياح. نحاول... وقد نسقط، أو نبالغ في التوازن فنتخشب.

المسافة بين الجهل والوعي ليست دائمًا نعيمًا أو جحيمًا… بل أحيانًا سؤالًا حائرًا معلقًا فوق مرآة لا تعكس، ومصباح لا يُطفأ.