إذا امتلأَ الكِيْسُ انقطعَ الوِتاقُ، وإذا تشبَّعَتِ البَطْنُ أغمضَتْ عينَ الفِطْنَةِ.

أترى الجِسْمَ يُثْقِلُهُ الطَّعَامُ؟ بلِ العقلُ يُحَجَّرُ في سُجونِ اللُّحومِ!

إنَّ الشَّبَعَ المُتْرَفَ سِحْرٌ أبكمُ يُلْبِسُ الذِّهْنَ ثوبَ غَفْلَةٍ، ويُذِيبُ صَقِيلَ الذَّكاءِ.

ألمْ تَرَ أنَّ الدماغَ إذا نازعَهُ الهَضمُ خانَتْهُ أنوارُ الحِجَى، وطارتْ منه أسرارُ اللَّبِّ؟

إنَّ الخَلِيَّ مِنَ التُّخَمَةِ أرقُّ خَطْراً، وأصفى فِكْراً، كالطَّيْرِ يحلِّقُ في مَمْلَكَةِ الفُؤَادِ.

أمَّا المُتخمُ فكالثَّقيلِ يزحفُ على أرضِ الغباءِ، قد أَطْبَقَتْ عليهِ شهوتُهُ سجناً.

لذلكَ قيلَ: "البِطَانَةُ سِرَاجٌ يُطْفِئُ مَصَابِيحَ النُّهَى".

يا صاحبَ العقلِ! لا تُذِبْ ذهبَ فِطْنَتِكَ في أتونِ المِعَدَةِ، فالجوعُ صَائِغُ الأفكارِ.

اقرأْ كتابَ الوجودِ بَعْدَ ألْفِ غُصَّةٍ لا بَعْدَ ألْفِ لُقْمَةٍ،

فإنَّ مَطَايَا الرُّوحِ تُسرِجُهَا المَجاهِدَةُ لا الموائدُ.

خُذْ مِنَ الطَّعَامِ قَدْرَ ما يُقِيمُ ظَهْرَكَ، ودعِ الفُضولَ تَذْهَبْ بِالرَّحِيقِ العقليِّ رِيْحاً!

فَمَنْ أَخَذَ الحياةَ بزِمامِ الشَّهْوَةِ أضاعَها،

ومَنْ رَبَطَ جَائِحَةَ الجَوْعِ بِعِنَانِ الحِكْمَةِ أدركَها.

تلكَ حِكْمَةٌ تَنْحَتْهَا تجاربُ الحُكَمَاءِ في صَخْرِ الزَّمَنِ:

"بَطْنٌ خَفِيفٌ.. وَعَقْلٌ شَرِيفٌ.