يوجد بعض العلاج - لأمراض العقل والروح- في اليأس الواعي، لكن ككل دواء، يحمل هذا النوع من اليأس أعراضا جانبية في جوهره: ينتشل الإنسان من سعادة الأوهام، وغالبا يحوله إلى إنسان واقعي مفرط في واقعيته. واليأس الواعي يختلف عن اليأس الانفعالي، إذ يفترض فيه أن يكون اختياربا، وليس رد فعل على فشل اجتماعي أو تجربة حادة، حيث يكون اليائس واعيا بيأسه (الفلسفي) قبل طروء الأحداث وليس بعدها، ولا يشترط اليأس الواعي انفصالا جسديا عن العالم، لكنه يشترط انفصالا نفسيا وعقليا كامنا لا يستحب التصريح به، حيث يجهز المرء نفسه بالتدريب المستمر على ثلاثة تمارين أساسية لبلوغ حالة السعادة في عالم الفناء، أقصد سعادة الحكمة، والتي لا تنفصل عن سعادة البدن، لكن يفترض أن توجهها، وهذه التمارين هي :
- تربية القدرة على التخلي: حيث لا يشترط المرء دلالة لوجوده في غير ذاته، ما دامت لا توجد حتى في ذاته! ، فإحدى أهم مهالك الوعي، إسقاط مصير الذات على متعلقات الحياة من أشياء وبشر ووظائف ومتطلبات. ولا يقصد بالتخلي "الزهد الصوفي" أو "الميزونتروبيا" أو الحصر النفسي، فتلك حالات تدخل في باب ردود فعل اليائس المنفعل لا اليائس الواعي، بل التخلي الذي يأتي ردة فعل على استعصاء الشيء أو بعد مناله أو فتور تجاهه بسبب بساطته أو الملل، وليس هو تخلي الاستسلام، لكنه تخلي يفترض ألا يترك في النفس حسرة ما دام نتيجة وعي بتشابه الأهداف وفناء ما يصل إليه البشر ما دامت الديمومة منتفية في كل حال. ويشترط في التخلي أن يكون إراديا دون انفعال، وأن يبدأ كمرحلة أولى بالتخلي عن الصورة المكتسبة عن الذات وعن كل ما يعلق بالعقل من متخيلات عن العالم . فالامتلاك لا يشمل الأشياء المحسوسة فقط، بل يطال الرؤية والشعور.
- صقل قدرة الحياد: يتطلب بلوغ نقطة الحياد، ليس فقط القدرة عن التخلي عما هو مكتسب، لكن تطوير القدرة على عدم الرغبة في كل ما هو ثانوي، وما يحدد ما هو ثانوي هو رؤيتنا الجمالية للكون، بحيث لا يختصر ما هو إستيطيقي في ما هو متناسق (فيتاغوراس) أو ما هو فعال فقط، أو ما هو روحي فقط، فالجمالي قد يكون ما هو عابر وغامض وغير جلي، أو ما يثير الريبة والقلق واللذة والخرق لكل ما هو سائد وقد يكون عكس ذلك لدى البعض، وعدم الانفعال أساسي جدا في الاقتراب من نقطة الحياد حتى إن لم يمكن بلوغها بشكل مطلق ما دامت "مثالا"، إذ يرتبط رهان التدرب على الحياد بالتقليل من الانفعالات ليكون لدى النادر الذي يتبقى منها جمالية وخصوصية، و هذا مما يرتبط بسعادة الحكمة، حيث يفهم بالتجربة أن الإفراط يفقد الجوهر.
- التدرب على العزلة: وهي الفضيلة التي لا يمكن للعين أن تخطئها لعدة دواع نفسية واجتماعية، فهي تربي الذات على ثقافة المراجعة النقدية لنفسها، كما تصفي الذهن، وفضيلتها الأسمى أنها تعطي للنزر القليل من العلاقات الاجتماعية (ليس المعنى) لكن الجمالية إن أمكن، والعزلة شرط أساسي للنماء الروحي، فالعقل والروح يفسدان بكثرة الاختلاط من خلال آلية التماثل مع الآخرين والتأثر غير الواعي بمدارات وجودهم، والانخراط المذموم والمحموم في بوثقة الجماعة، إذ يفترض أن تظل العلاقة بالنسيج العام حذرة متوجسة كي لا تضيع الذات وتعجز عن بلوغ حالة اليأس الواعي الذي يوصل لسعادة الحكيم. والعزلة في هذه الحال لا يفترض أن تكون مطابقة للانطوائية أو النكوص، فليس المقصود عزلة المكلوم أو المتأثر بتجربة اجتماعية، لكن عزلة اختيارية هدفها تعميق المعرفة بالذات والكون والناس، لذلك يشترط فيها أن تكون انكبابا على المعرفة والتأمل بعيدا عن استهجان الذوق العام للثقافة والسخرية من مضانها.
ولا يمكن الوصول لحالة اليأس الواعي إلا بنسب متفاوتة حسب تركيبة النسب التي يبلغها المرء في كل من هذه التمارين العقلية والنفسية والجسدية أيضا، بشرط أن يكون المشترك بينها عدم جعلها ردود فعل عن فشل اجتماعي وعدم اعتبارها مدعاة للزهد في التجارب والملذات، فغايتها النهائية ليست بيوريتانية الجسد، لكن صفاء الذهن الذي يوجه الالتذاذ بوعي وواقعية، وليس من طريق للاستفاذة من الوجود-هنا سوى تطوير هذه الأساليب بحذر شديد، بحيث يكون المطلوب هو خلق توازن عقلي نتيجة يأس واقعي، أي الوصول إلى تجريد الرؤية الذاتية للعالم من الخرافة والوهم الناتجين عن الرؤى الرومانسية وسلطة الأعراف الاجتماعية وما هو مكتب كتاريخ وتراث لسلوك الجماعة البشرية
التعليقات