في زمن الصخب والكلام ؛
في عصر تسوده الضوضاء المعلوماتية وتتسابق فيه الألسن على الكلام، يغدو الإنصات فنًا منسيًا وأخلاقية نادرة. لقد تحولت حياتنا إلى ساحات حوارية يهيمن عليها قانون "المتكلم الأقوى"، بينما غابت قيمة "المستمع الحكيم". فالإنصات ليس مجرد صمت سلبي، بل هو فن تفاعلي راقٍ يجمع بين التواضع الفكري والذكاء العاطفي، وهو مفتاح الحكمة كما قال الحسن البصري: "إن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم، وإن في إنصاتك للعلماء زيادة في العلم" .
لماذا نحتاج الإنصات اليوم؟
بناء الثقة وإذابة العزلة:
الإنصات يعيد دفء العلاقات في عصر الاتصال الرقمي البارد. فحسب دراسة نفسية: "الإصغاء فعل غير أناني يسمح بالتخلص من العزولة والدخول إلى دائرة الصداقة" .
حل المشكلات الزوجية والاجتماعية:
يشير الباحثون إلى أن 70% من الخلافات الزوجية تنشأ من غياب الإنصات، حيث تقول الداعية فاطمة أوكريس: "عندما نبحث في عمق مشاكل الطلاق نجد السبب يعود إلى غياب الإنصات" .
اكتساب الحكمة:
المستمع الجيد يحمي نفسه من الفلتات، ويكسب معرفةً بلا ثمن، كما قال الشاعر:
"إن بعض القول فـنٌّ ... فاجعل الإصغاءَ فناً" .
الإنصات في مواجهة التحديات المعاصرة
1. غزو الصورة:
حذرت الدراسات من أن الثقافة البصرية (التلفزيون، السوشيال ميديا) تقتل حاسة السمع، وتقلص مساحة الإنصات في التواصل
2. أزمة الإنصات المؤسسي:
في المجالس الحديثة يسود "خلل كبير" حسب النقاد:
"الناس ما بين متحدث، ومستعد للحديث، ومزوِّر للرد، ومجادل ومقاطع" .
3. الإنصات كعلاج مجتمعي:
الغرب - رغم اختلاف منظوره - حول الإنصات إلى مهارة قابلة للتدريب في دورات التواصل، بينما نحن "أحق بإتقانه لأنه دين قبل أن يكون مهارة" .
إعادة اكتشاف فضيلة "السماع"
لن يعود التوازن لمجتمعاتنا إلا بإحياء "فضيلة الأذن الواعية". فالإنصات ليس تنازلًا عن الكلام، بل هو ارتقاء بالإنسانية. كما قال الحكيم:
"من لي بإنسان إذا خاصمته ...وجهلت كان الحلم ردَّ جوابهِ
وتراه يصغي للحديث بسمعه ... وبقلبه ولعله أدرى بهِ" .
فليكن شعارنا في الحياة: "أنصت.. يحبك الناس" ، ولكن الأهم: أنصت لتفهم، وأنصت لتبني، وأنصت لترتقي.
التعليقات