الوِحدة

لماذا لا تقف معهم؟ لماذا أنت وحدك هناك؟

سألني أبي هذا السؤال حين جاء ليأخذني من المدرسة الابتدائية منتصف اليوم الدراسي بينما كنت متكئًا على أحد الجدران في الفسحة، في الحقيقة الوحدة لا تؤرقني، أكثر الأحيان أني شعرت بالدفء هناك، وعلى الجانب الآخر تعسرت إذ طلبت الانتماء، وبصرف النظر عن تجارب الرفض، كان لدي تجارب قبول رائعة شكلت الكثير من شخصيتي، لكن لطالما وخذني هذا الشعور الذي يقول: ماذا تفعل هنا بينهم؟ وما هذا الذي يفعلونه؟ إنهم رائعين، وودودين، يمارسون طبيعتهم، ولكنك لا تشبههم، بينما هم متشابهين جدًا.

لدي شوارع أحس فيها صوت السكون، المكان الذي بإمكاني أن أسمع فيه صوت النسيم هو الأنسب، أضواء المدينة حين تلتقي مع الغسق، بعض القطع العابرة من حيوات الناس، أو طريق ممتد في وسيلة مواصلات ظفرت فيها بالمقعد المجاور للنافذة، تكون الأمور على ما يرام طالما أني لازلت العب دور المراقب من بعيد، لكن حين اقترب تظهر تحديات من نوع ما.

ولما كنت أستخدم المعدة في بعض شئوني العاطفية كنشاط جانبي للهضم، فإني لا أعثر على الجانب الحزين من الوحدة إلا حين أجتمع بوجبة لذيذة على طاولة في مكانٍ عام، وحدي، وربما لو كنت تناولتها وأنا أسير في الطريق لما كان سيصل الحزن لهذه الدرجة.

غير أنه لا بأس، لا بأس أبدًا، الوحدة هي طريقي لكل شيء، إذ أحتاجها لأعمل عبر الإنترنت، وأكتب الروايات، وأنتج الموسيقى، كافة الأمور التي أبرع فيها تستدعي أن يكون الإنسان وحده، خاصةً وأن الناس لديهم ميل كبير للاستنزاف، وقدرة عجيبة على إضاعة الوقت.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

رد الفعل تجاه الوحدة مختلف، ووفق طبيعة كل فرد منا، أنا لا أحب الوحدة أبدًا، وأجد سعادتي مع التواجد وسط أحبائي وأصدقائي، وهذا لا يتعارض مع احتياجي للوحدة من أجل التركيز والعمل، يعني لكل منهما جانب مضيء وجانب مظلم، ولو سيطرت الوحدة على الحياة بأكملها ولم يعد لك خيارا للتواجد مع أحد وقتها ستدرك مساوئها وستميل للقاء من تحبهم، ففي الجمع الأنس والألفة والدفء، وفي الوحدة السكينة والاستقرار النفسي، والجميل أن يكون متاح لنا اختيار أي منهما وفق احتياجاتنا

فعلًا الكتابة والعمل عبر الانترنت يطلبون التركيز والانفراد بالذات أعلم ذلك تمامًا لأن بيتي أشبه بسيرك لا يغلق أبوابه أبدًا أمام الزوار، ولكن الوحدة قد تخلق عمل رائع مرة واثنين وثلاثة، ولكن الانخراط مع البشر له مميزاته أيضًا، أنت كاتب للروايات أليس كذلك؟ لهذا السبب يجب أن تتعمق أكثر في دراسة النفس البشرية ولا تكتفي بخيالك وإبداعك فحسب، مراقبتك للناس من بعيد سيجعلك مبدع، ولكن لو تواصلت معهم وفهمت كيف يحارب كل واحد منهم في معركته الخاصة ستجد نفسك تحولت لكاتب من نوع أخر، نوع لا يعتمد على موهبته ومهاراته اللغوية بقدر اهتمامه بمناقشة الأفكار والتعبير عن المشاعر.

الوحدة لا بأس بها على الإطلاق؛ فالعزلة تصنع المبدعين، ولكن الكتابة تحتاج لكاتب ينفرد بقلمه ليكتب ما تعلمه بالفعل من معمعة الحياة.

هناك فعلًا يا هبة العديد من الوظائف التي لا تتطلب الاختلاط الكبير بالبشر أو العمل في مجموعة ولها تأثيرها على شخصية الإنسان والكتابة الأدبية واحدة من تلك الوظائف. لكن ألا تعتقدين أنها على المدى البعيد قد تؤذي الشخص إن لم يكن مركزًا جدًا في المحافظة على حياة إجتماعية قوية؟

بالنسبة لي لمست ذلك في الاختلافات الحاصلة قبل وبعد فترة كورونا. حيث أن انتقال الأعمال للمنزل جعل أي عمل لا يتطلب فريقًا يتحول إلى جحيم من العزلة. وهي قد تكون مفيدة أحيانًا وهادئة لكن الإنسان كائن إجتماعي شئنا أم أبينا ذلك. في رأيك كيف يمكننا معالجة هذه المشكلة؟

أخر فقرة ناقشتها في تعليقي السابق أن حتى لو كان الكاتب مبدع في عزلته إلا أن انخراطه مع البشر سيجعله أكثر ابداعًا، ولكن خير الأمور الوسط فلا يجب أن تعزل نفسك حد التوحد مع ذاتك، ولا يجب أن تنخرط مع البشر لدرجة تفقدك التركيز على أهدافك وما تريد انجازه... هذا هو الحل يا أمنية.

أحيانا لا يكون حبك للوحدة مضادا لأن يكون لديك أصدقاء ، فمثلا قد تحب الوحدة و تفضل قضاء أغلب وقتك وحدك ، ولكنك ستحب أيضا البقاء مع أصدقائك و سماع حكاياتهم ، أن تحتويهم و تساعدهم ، كما لم يفعل لك أحد ، تحب الوحدة وترى نفسك وحيدا ، و لكن ينتهي بك المطاف صديقا للجميع