أن تصرخ بدون صوت

  • Beghjij

تخنقنا الكلمات في لحظات، تتراكم علينا مآسي الحياة حتى تخنقنا هي الأخرى. ضغط نفسي متراكم، حجر على قلب، و عقل أرهقه التفكير. أو ربما سعادة لا توصف، تملأ القلب، تعطل العقل و ترتب الحروف أمامك أن الحياة على هذه الأرض لا تزال ممكنة.

و ها هي ذي الكلمات تتراكم مرة أخرى، تدغدغ حبالك الصوتية حتى تطل على الوجود، لكن و إن كانت كلمات فلا تجد كلمات تعبر عنها، تَرتبك فتخرج في صوت عجيب يسمى: صرخة.

ليس غريبا ذلك المشهد الذي نراه في الأفلام حين يصعد الشخص إلى مكان مرتفع (جبل مثلا)، فيطلق لصوته العنان في صراخ يعبر عن حزن دفين أو فرحة قصوى.

و لعلك شاهدت تلك اللوحة الشهيرة ''الصرخة''، فكما عودنا الفن تعبر هذه اللوحة أيما تعبير عن عمق الشخصية الإنسانية في أشد حالتها (جنونا). تلك بدت لي بالأحرى صرخة رعب و ذهول مفزع.

و لتصرخ فأنت بلا شك تحتاج لصوت، لن أقول صوت قوي، فلا تهم قوته ما دام خارجا من أعماق القلب يترجم خلجاته.

لكن أن تصرخ بلا صوت؟ أن تصرخ بأعلى صوتك دون صوت؟؟ و ما يدهش أكثر أن يسمع العالم صراخك.

أعرف أن ما أقوله لا يهمك و تجده تافها، أأحتاج الآن لمن يعرّف لي الصرخة؟ إنها تأتي في وقتها و تُعرّف نفسها بنفسها. أعرف أن كلامي لن يضيف لك شيئا، لا فائدة فيما ستقرؤه. أليس كذلك؟ حسنا يمكنك الآن الذهاب. هذا الكلام لي أنا أزعجني به فلا تهتم.

أوه، كنت أتحدث عن الصراخ بدون صوت:

أن تجعل أعمالك تتحدث عنك، فسيرى الكل صرختك (أجل، أجل، أقول سيرى و ليس سيسمع، أليست صرخة دون صوت؟)

هناك من يتحدث كثيرا، مثلي، ثم تصدم بأنه لا شيء، كلام فارغ. و هنالك ذلك الصامت، الذي لم تنتبه لوجوده حتى فتفاجأ به، أعماله تتحدث بدلا عنه. و تقف مبهورا، من أين خرج؟

تعال أيها التاريخ، لا تخف، اقترب مني، فأنا أريد أن أضمك حجة- أثقل مني- لما أقول. إن هذا التاريخ نفسه الذي تعرفونه لا يخلد سوى أسماء أولائك الذين صرخوا بدون صوت، فتحدثت عنهم أعمالهم في صفحاتك أيا تاريخ.

أعرف ما تقوله الآن (أنا لا أعرف أي شيء، لا تصدقني):

لكن هذا التاريخ نفسه سجل أقوال العظماء.

توقف، توقف هناك. لقد سجل أقوال العظماء. متى آخر مرة طالعت فيها قواعد النحو؟ دعني أذكرك. ''العظماء'' هنا مضاف إليه جاءت خصيصا لتعرف لنا ''أقوال''. فالتاريخ سجل أقوال العظماء و ليس ''أقوال'' كنكرة. و هنا السؤال يطرح نفسه، كيف صاروا عظماء؟

عندما صرخوا بدون صوت، سُمعت كلماتهم.

فإن كان الصراخ، إفلاتة لشعور لم تستطع كبته، ضغط عليك و أثبت نفسه فخرج صوتا مبهما يعني الكثير، صراخ يخفف عليك و يعيد توازنك. فإن الصراخ بدون صوت . .

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

خاطرة جميلة ومؤثرة

أنا شخصيا عندما تخنقني العبرات والعبارات أصرخ على الورق "بلا صوت"

استمري في الكتابة أسلوبك جميل عزيزتي فردوس

تخنقني العبرات والعبارات

أعجبتني هذه العبارة

شكرا نهى

لا شكر على واجب فردوس💗

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

حفظ الله لك من تحبين

شكرا داليا

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

نعجز أحياناً عن التعبير عن ما نشعر به ، فأقع في حيرة من أمري ، أهو عجز اللغة عن إيصال ما بنا ، أم أنه عجزنا عن البوح بتراكمات مشاعر نفهمها و لا نفهمها ؟

لماذا نلجأ في أحيان كثيرة للصمت كإجابة عن سؤال "بماذا تحس" ، و نتخفى بخجل عند سؤالنا "كيف حالك" بإجابات روتينية مهترئة ك"بخير ، لا بأس، على ما يرام" و نعي في قرارة أنفسنا سذاجة هذه الكذبة التي ألقيناها بلا تفكير .

يقول سعود السنعوسي في روايته ساق البامبو "بعض المشاعر تضيق بها الكلمات، فتعانق الصمت" ، و تحل الدموع أحياناً محل الكلمات ، هي لا تشرح حالنا بقدر ما تمنحنا جرعة مواساة ضئيلة .

و أحياناً نصمت و لكن أقلامنا تتكلم و تصرخ و تشتكي ، فنصب جلّ ما بنا على الورق حتى نستعيد شيئاً من أنفاسنا .

و أحياناً نود أن نصرخ بأعلى صوت نستطيع الوصول إليه ، و لكننا نخاف أن نطرد من المنزل أو ننعت بالجنون أو ما شابه ، فنعود أدراجنا لاجئين إلى بر الصمت ، و نصرخ صامتين ، بلا صوت ، ضجيج في أعماقنا ، و هدوء في هيئتنا ، و ليس الخارج كالداخل و لن يكون ، لا نريد أن نكون عظماء ، نريد فقط أن نعيش بسطاء .

يقولون (الأفعال لا الأقوال) .. فكثيرة هي الصرخات مثل الألعاب البهلوانية مجرد قفزات في الهواء .. وكثيرة هي الأفعال التي لا يبوح بها فاعليها ولكن أثرها تحدث عنها وبقيت خالدة في أذهان الناس.

ليس المهم ان يرتبط الصوت بالصرخة كما تفضلت، بل الأهم هو أن يكون للصرخة صوت غيرنا لكي يسمعوها ويعبروا عنها ويتفاعلوا معها وبل يتأثروا فيها.

سأنقل لك اقتباسا قرأته ذات يوم واتمنى ان يتناسب مع ما نتحدث فيه:

(في خضم الظروف التي سادت العصور الوسطى، ظهر تطور فكر مارتن لوثر الذي بدا في دعم حركته الإصلاحية التي قبلها البعض ورفضها البعض الأخر، كانت هذه السنوات من أخطر السنوات في التاريخ. وكان لوثر صوتها المدوي الذي يأخذ بمجامع القلوب، وكانت أخطاؤه عديدة، فقد كان يفتقر إلى تقدير الدور التاريخي، الذي لعبته الكنيسة في نشر المدنية في أوروبا، وكان ينقصه فهم تعطش البشرية إلى أساطير رمزية، تجد فيها العزاء والسلوى، وكان يعوزه البر والإحسان، ليعدل في معاملته مع خصومه من الكاثوليك والبروتستانت، ولقد حرر اتباعه من بابا معصوم من الخطأ، ولكن في الوقت نفسه أخضعهم لكتاب منزه من الخطأ وتشبث بأكثر العقائد تشدداً في ديانة القرون الوسطى.)

أصل الصرخة هنا أن مارتن لوثر تغيرت حياته بعد حادثة تعرض لها وتحول إلى راهب، إلا أن الفساد الذي رآه في الكنيسة الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسته اللاهوت، أوصلته لينكر سلطة البابا المطلقة وهو ما اعتُبر هرطقة. ونجح لوثر في التخفي وتأسيس الكنيسة اللوثرية الإصلاحية والتي انتشرت بمساعدة من بعض الأمراء الألمان.

Beghjij أضف ردا
يقولون (الأفعال لا الأقوال) 

ماذا تقصد؟

ليس المهم ان يرتبط الصوت بالصرخة كما تفضلت، بل الأهم هو أن يكون للصرخة صوت غيرنا لكي يسمعوها ويعبروا عنها ويتفاعلوا معها وبل يتأثروا فيها.

أنت لم تفهم كلماتي و ربما قرأت نصفها فقط، و الدليل أن العنوان هو ''أن تصرخ بدون صوت''

لقد قلت أن الصرخة كما نعرفها تحتاج لصوت حسب التعريف اللغوي لها، و هذا لا يمكن إنكاره.

و مثال لوثر الذي أدرجته يعتبر جزءا من مساهمتي حينما جعلت التاريخ شاهدا على ما قلت.

لذا لم أفهم حقا ما الذي حاولت إيصاله في هذا التعليق.

لم ابتعد في تعليقي عن فكرتك .. حين ربطت الصوت بالصرخة فانا قصدت صوت الصرخة التي تغني عن الكلام المتعارف عليه.

وحين ادرجت مثال مارتن لوثر ذهبت الى مفهوم اخر وهو ان صوتنا وصرختنا هي الفعل .. لذا بدات وكتبت الافعال لا الاقول اي ان صرختنا في وجه الظلم والعنصرية تكون اقوى من الدبابات ومن الاف الكلمات الانشائية.

لذا اعتبرالصرخة كيان اعتباري معنوي ما ان يتم تعزيزه فانه قوة لا يستهان بها وقوة تهزم حتى صوت الباطل مهما علا.

اتمنى ان يكون المفهوم واضح لحضرتك .. وسعدت بالحوار الراقي.