تراودنا العديد من الأفكار بصورة متكررة، فمنا من يرى أنه شخص سيء وآخر غير محبوب من الناس وغير ذلك من أفكار قد لا يكون لها أي أساس من الصحة. فهل خطر ببالك من قبل أنك شخص غير محبوب أو مرغوب فيه من الآخرين، وكيف نتجاوز هذا الشعور؟
هل فكرت يومًا في أنك غير محبوب من الآخرين، وكيف نتجاوز هذا الشعور؟
يرى أنه شخص سيء
كنت مشغولة بذلك أثناء ممارستي لمهنة المحاماة كموظفة في شركة، فهي مهنة الدليل فيها أقوى من الضمير! و كان علي في كثير من الأحيان أن أدافع عن ما هو باطل في رأيي لكن كان أستاذي يقول أن رأيي ليس مهمًا؛ المهم هو الأوراق والمستندات و مصلحة الموكل حتى وإن كان ظالمًا.. كنت أتلكأ كثيرًا في ذلك و ذات مرة قررت أن أتخذ سلوكًا إيجابيًا من وجهة نظري وأنصح الخصم بما يمليه علي ضميري، لكن الأمر بات أسوء فأنا هنا أسأت للشركة التي أعمل بها على الرغم من أنها تتحصل على أتعابها مهما كانت النتائج؛ لذا قدمت استقالتي وكنت حاسمة لأمري، وأفصحت عن السبب بكل شجاعة، و لكنها رفضت فطلبت أن أعمل بالعقود فقط لا غير.
آخر غير محبوب من الناس
على ما أذكر فإن آخر مرة تبادر إلى ذهني هذا التساؤل كان بعد ميلاد أخي الاصغر واهتمام العائلة به على حسابي كما كنت أعتقد و تجاوزت الأمر كأي طفل أما بعد ذلك فلم أنشغل يومًا بهذا الأمر ربما لأننني من الشخصيات المحبوبة في محيطي لا أدري لو كان الأمر خلاف ذلك هل كنت سأنشغل به أم لا؟ ولكني أعتقد أن هذا ليس مهم فأنا أساساً لا أعترف بلغة المجاملات والمحبة وما يهمني في العلاقات هو الاحترام المتبادل فقط .. فإذا كان هناك من يكرهني ويتعامل باحترام وأصول سيكون الأمر أفضل من التعامل مع محب لا يقدر ولا يحترم العلاقة.
أزعم أن الإنسان إذا أيقن أن الله خلقه ليعيش مكرمًا وفضله على سائر خلقه فلا يجب أن يصرب بذلك عرض الحائط ويحط من قدره ويبقى يتساءل عن قيمته بين الناس وهل هو محبوب أم لا أو أنه سيء أم لا فهذه لا تقدم بل تؤخر وتجعله دائما ينظر إلى نفسه نظرة نقص، يمكنه تجاوزها بتعزيز ثقته بنفسه والبحث عن القيم التي يمتلأ بها كالقراءة، البحث، المعرفة، العمل المفيد، الابتعاد عن المنكر .. فهذه التراكمات الإيجابية ستجعله يشعر باستحقاقات أعلى وتبدل أفكاره السلبية بمضاداتها.
أعتقد أن لا أحد منا لم يمر بهذا الشعور في وقتٍ ما، المهم ألا يعوق مسيرتنا بالحياة، وأن نتعامل معه بشكل إيجابي لمعرفة السبب وراء ذلك وهل يمكننا تجاوزه أم لا؟
منذ فترة شعرت هذا الشعور وكان صعبا جدا علي، لأني أحسب من الشخصيات المحبوبة كما يقال لي، والغريب أن هؤلاء الأشخاص كنت أحسن إليهم بالمعاملة بطريقة مبالغ بها، وأبرر لهم، وعندما تأكدت من عدم حبهم لي، وعلمت الأسباب، استغربت لأن حتى الأسباب كانت من نسج خيالهم، وظظلت فترة أعمل على محاولات تجعلهم يفهمون شخصيتي بالصورة الصحيحة، لكن نظرا لنوع العلاقة ونظرا لعقلية هؤلاء الاشخاص أيقنت أن المشكلة بهم وليس بي، فلم أكن الوحيدة التي يتم التعامل معها هكذا من طرفهم، وأيضا قلت لنفسي لا يوجد شخص يجمع عليه كل البشر المهم أن يكون الشخص محب لنفسه ومتيقن أن بتعاملاته مع الآخرين لا يوجد ما يمكن أن يُبغض بسببه.
فهل خطر ببالك من قبل أنك شخص غير محبوب أو مرغوب فيه من الآخرين، وكيف نتجاوز هذا الشعور؟
جميعنا نمرّ أحياناً بمواقف وضغوطات تجعلنا فريسة سهلة لمثل هذه الأفكار نتيجة الهبوط المعنوي الذي قد يتملكنا أحياناً، أنا أيضاً أمرّ بهذه الأفكار وعلى الرغم من أنه لا أساس لها من الصحة إلا أن عقلي بشكل أو بآخر يدفعني لتصديقها بالأخص عندما أكون في أوج حزني، ولكن بعد العودة إلى الطبيعة والهدوء قليلاً تتلاشى كل تلك الأفكار تلقائياً حيث أبدأ بتحليلها منطقياً في عقلي عبر عدة أسئلة تكفيني الإجابة عليها لأتخلص منها، فما هي إلا استغلال من الشيطان في لحظة حزن وضعف، فسوء التفاهم الذي يحدث بيني وبين الأشخاص من حولي لا يعني بالضرورة أنهم يكرهونني وهذه الحقيقة، ليس لأنني اختلفت مع والدتي فهذا دليل على عدم محبتها لي بالطبع .
عندما تواجهك هذه الأفكار لابد أن تعود إلى منشئها وستجد أنها قبل ذلك الموقف لم يكن لها وجود، ففي الأمس عندما تناولت وجبة العشاء مع العائلة لم تكن هذه الفكرة موجودة، فهل كنت محبوبة بالأمس وأصبحت مكروهة اليوم فجأة ؟ بالطبع لا !
لذا من المهم محاورة الفكرة حتى تهزمها وعدم الإنجراف وراءها فلن يأتي منها سوى الإرهاق النفسي بينما هي لا وجود لها على أرض الواقع من الأساس، والأهم هو الإستعاذة من الشيطان وأن لا تفسح له المجال وتهده فرصة على طبق من ذهب لإحزانك وأذيتك فهذا ما يريده .
على الرغم من أنني عانيتُ المشاعر نفسها يا تقوى، فأنا لم أجد طريقة التعايش مع الفكرة ومهاجمتها طيلة الوقت فعّالة معي على الإطلاق، فقد نظرت للأمر من زاوية الإهمال، حيث بدأتُ في المعاناة مع تدريب نفسي على تجاهل هذه الزوايا، حيث أنني كنت أسعى دائمًا خلال تلك الفترة إلى تجاهل أي أفكار أو ذكريات حول أي أشخاص لم يحبوني أو لم تتوافق شخصياتهم معي، وبدأت في تفريغ ذلك في الكتابة على الأقل، ومن خلال هذه الآلية التفريغية الحادة، عانيتُ للكثير من الوقت مع الأفكار لكنني في نهاية المطاف استطعتُ تجاوز الأمر من خلالها، وأصبحت فعلًا لا أهتم بهذه التفاصيل، لا لأنني أكره الأشخاص الذي يبادلوني ذلك، بل لأنني تفهّمتُ مدى كون الأمر عاديًا وممكنًا بين جميع الأصناف المختلفة من البشر، حيث أن إقناع أنفسنا بأننا غير مطالبين بأن نكون محبوبين من الجميع شيء ضروري جدًّا.
الصحيح العلاج بالمواجهة أو بالتجاهل طريقتان فعالتان جداً للتعامل مثل هذه الأفكار المقلقة، وقد تنفع إحداهما ولا تنفع الأخرى، فقد بدت لي مواجهة الفكرة وإخضاعها للمساءلة مقنعة جداً بالنسبة لي حتى أتخلص منها ولكن يبدو أن الأمر مختلف معك .
اللافت هنا أنني وصلت إلى نفس النتيجة النهائية التي وصلت أنت إليها : أنا غير مطالبة بأن أكون محبوبة من الجميع ولن تنتهي حياتي بسبب أن أحدهم لا يتفق معي ولا يحبني !
التعليقات