أَوَمَا تَرَى مَا حَلَّ بِالأَغْصَانِ؟ ... أَمْسَى رَبِيعِي سَاحَةَ الأَحْزَانِ
كَانَتْ لَنَا دَارٌ يُظَلِّلُ سَقْفُهَا ... أَهْلِيهِ مِثْلَ الرَّأْفَةِ، بِحَنَانِ
حَتَّى تَسَلَّلَ سَارِقُ الْأَرْوَاحِ فِي ... رَأْسِ الشَّقِيقِ فَأُضْرِمَتْ نِيرَانِي
فَغَدَا غَرِيمًا يَشْتَهِي إِيذَاءَنَا ... وَكَأَنَّنَا فِي عُرْفِهِ، عُدْوَانِ
وَامْتَدَّ مِنْهُ النَّصْلُ يَوْمًا لِلْأَبِ ... لَكِنَّ صَدْرِي كَانَ دَوْمًا حَانِي
فَإِذَا تَهَاوَى فَوْقَ أُمِّي كَفُّهُ ... أَغْدُو لَهُ كَالصَّارِمِ الرَّنَّانِ
دَارِي غَدَتْ حَلْبَةَ حَرْبٍ، لَيْلُهَا ... أَنَّاتُ مَوْجُوعٍ وَصَوْتُ مُعَانِ
وَأَبِي رَأَى هَوْلَ الْمَصَائِبِ جَاثِمًا ... فَاخْتَارَ دَرْبَ الْهَارِبِ الْجَبَانِ
خَلَعَ الرِّدَاءَ وَفَرَّ مِنْ طُوفَانِهِ ... مَا ضَرَّنِي، فَلَسْتُ بِالْمُسْتَانِ
وَالصَّحْبُ أَدْبَرَتِ الْوُجُوهُ بِشِدَّتِي ... لَمْ آسَ، فَاللَّيْثُ الْعَرِينُ مَكَانِي
أَقْوَى وَحِيدًا، شَامِخًا، فِي مِحْنَتِي ... لَا أَرْتَجِي إِلَّا رِضَى الرَّحْمَنِ
وَالأُمُّ مِنْ فَرْطِ الأَسَى قَدْ أُغْلِقَتْ ... أَسْتَارُ عَقْلٍ ذَابِلِ الأَفْنَانِ
تَنْسَى أَسَامِينَا، وَتَنْطِقُ حِيرَةً ... صَارَتْ كَطِفْلٍ فِي يَدِ النِّسْيَانِ
هَذِي حَيَاتِي، حَارِسٌ فِي غُرْبَةٍ ... بَيْنَ الْوُجُوهِ وَقَسْوَةِ الْجُدْرَانِ
وَمَضَتْ سِنُونُ الْقَهْرِ ثُمَّ رَمَى بِهِ ... شَلَلٌ عَلَى أَعْتَابِنَا مِنْ ثَانِ
عَادَ الَّذِي هَرَبَ اسْتَجَارَ بِظِلِّنَا ... لَمَّا رَمَتْهُ الدَّهْرُ بِالْحَدَثَانِ
فَحَمَلْتُ وَحْدِي مَا تَنُوءُ بِحِمْلِهِ ... قَوْمٌ، فَكَيْفَ بِوَاحِدٍ وَلْهَانِ؟
أَرْعَى ثَلَاثًا، أَسْهَرُ اللَّيْلَ الَّذِي ... يَمْتَدُّ كَالْأَكْفَانِ فَوْقَ مَكَانِي
حَتَّى أَتَيْتِ، يَا شُعَاعًا شَقَّ لِي ... قَلْبَ الظَّلَامِ كَبَارِقٍ رَبَّانِي
أَنْتِ الَّتِي مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّهَا ... سَتَكُونُ مَرْفَأَ اطْمِئْنَانِي
جَاءَتْ وَلَمْ تَسْأَلْ عَنِ الْجُرْحِ الَّذِي ... أَدْمَى، وَلَكِنْ أَطْفَأَتْ أَحْزَانِي
سَافَرْتُ فِيكِ إِلَى حَيَاةٍ لَمْ تَكُنْ ... إِلَّا كَحُلْمٍ بَاهِتِ الْأَلْوَانِ
فَجَعَلْتِ لِي فِي الْأَرْضِ مَعْنًى ثَانِيًا ... غَيْرَ الثَّبَاتِ بِوَاجِبٍ قَدْ آنَى
قُلْ لِي أَيَا "أَشْرَفْ" وَأَنْتَ بِـ"وَارْزَازَاتَ" ابْنُهَا ... هَلْ تَسْتَكِينُ لِقَسْوَةِ السَّجَّانِ؟
أَتَظَلُّ فِي "حَيِّ الْمَسِيرَةِ" سَادِرًا ... تَرْعَى ثَلَاثًا فِي قَسَا الْأَزْمَانِ؟
أَمْ تَنْتَقِي دَرْبَ الْحَبِيبَةِ مُبْحِرًا ... وَتَكُونُ فِي تَرْكِ الْأُلَى كَالْجَانِي؟
أَتَرُدُّ مَنْ جَاءَتْ كَغَيْثٍ هَاطِلٍ ... أَمْ تَرْتَضِي بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ؟
أَأُقِيمُ فِي صَرْحِ الْوَفَاءِ مُعَذَّبًا؟ ... أَمْ أَهْدِمُ الْأَسْوَارَ كَالطُّوفَانِ؟
أَجِبِ الْفُؤَادَ، فَأَيُّ دَرْبٍ مُنْصِفِي؟ ... دَرْبُ الْبَقَاءِ، أَمْ دُرُوبُ الْأَمَانِ؟