الجلسة الشعرية (9): غريبٌ حيثما كانا

Taqwa_Mubarak

مرحبًا يا رفاق الشعر، أما بعد..

جِسمي مَعي غَيرَ أَن الروحَ عِندَكُمُ
فَالجِسمُ في عزبَةٍ وَالروحُ في وَطَنِ

الغربة تجربة روحية متكاملة الأركان، وهي التي تعيد تشكيل ما يبدو عليه المرء أكثر من غيرها من أحداث العمر، هذه التجربة التي كانت أقسى وقعًا على الشعراء والأدباء دون غيرهم من الناس، تلك التي سُمّي بها ضرب كامل من الأدب، كما جعل لها أبو الفرج الأصبهاني "أدب الغرباء".

يتعلق الإنسان بالأرض بملء كيانه، وما إن يفصل عنها، يضحي كجذع يتيم فاقد لجذره، يتخبط للتموضع والإستقرار في بقعة ما، ولكنه يغفل عن روحه التي خلّفها في الوطن، فيبقى يصارع لإبقاء جسده حيًا بينما تحيا روحه بمنأىً عنه.

...

الغربة لا تقتصر على المكان وحسب، يمكن أن تتسلل الغربة إليك بينما أنت مستقر في مأواك، بين أهلك ورفاقك، من تتشارك معهم النسب وربما سلك اللسان، ولكن ما يجمعكم لا يتجاوز ذلك، لا يشبهونك فكرًا وقلبًا، تكون معهم وأنت مغيّب عن حقيقتك، بعيد كل البعد عنهم، تحلق وحيدًا إلى جانب سربٍ متسق، لا تنتمي إلى أيٍّ منهم!

وَما غُربَة الإِنسانِ في بُعدِ دارِهِ
وَلَكِنَّها في قُرب مَن لا يُشاكلُ

*الحكم بن أبي الصلت

...

ربما يكون خير من عبّر عن هذه التجربة الشعورية الموحشة هو المتنبي، وكعادته -رفيقنا الذي لا يشبهه أحد- زاوج بين هذه المشاعر بثقلها على الروح، ورغبته في إبراز نفسه بفخر وتعالٍ مألوف عنه، لتتولد لنا أبيات لا مثيل لها، لنتشارك هذه اللذة الأدبية معًا:

وَهَكَذا كُنتُ في أَهلي وَفي وَطَني
إِنَّ النَفيسَ غَريبٌ حَيثُما كانا

تجاوز وصف نفسه بالغريب، ليصبغها بصبغة تجعل مرارتها أكثر استساغة، ويبرر هذه الغربة بكونه نفيسًا، والنفيس غريب.. هذا المتنبي يا سادة!

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم
وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

وهو في هذه الصورة ذهب مستخلص من بين كثبان التراب وبواطنه!

وإن كان المتنبي حالة استثنائية بذاته في تناول هذا الشعور، حيث استطاع تحويله بشكل بديع إلى موضع اعتزاز، إلّا أنه لا يلغي حقيقته العسيرة على النفس، ففي الغربة وحدة، وفي الوحدة وحشة، وفي وجودها بين الحشود لوعة، وها هو أبو فراس الحمداني يشارك رفيقه في هذه التجربة الشعورية حيث يقول:

 غَرِيبٌ وَأهْلي حَيْثُ مَا كانَ ناظِري
وَحِـيدٌ وَحَوْلي مِن رِجالي عَصَائِبُ

ويختم بهذا البيت الذي يستدعي التوقف عنده من صدق تعبيره:

وَما أُنسُ دارٍ لَيسَ فيها مُؤانِسٌ
وَما قُربُ دارٍ لَيسَ فيها مُقارِبُ

...

وتظلّ رحلة البحث عن المكان، أو الشخص، أو شكل الحياة التي يمكن أن يطلق عليها "الوطن"، هناك حيث يقدر أن يكون المرء ذاته ولو لمرة، هناك حيث تشعر أن كل شيء ينتمي إليك وتنتمي إليه، البقعة الصحيحة لقضاء ما تبقى من العمر، ويبقى الطائر محلقًا حتى يجد عشّه المنشود.

يقول مظفر النواب:
«وقنعتُ بأن يكونَ نصِيبي في الدُّنيا كَنصِيب الطّيرِ، ولكن سُبحانكَ؛ كلُّ الطّيورِ لها أوطانٌ وتعود إليها، وأنا.. ما زِلتُ أطِير!» 

المساحة لكم الآن، اطمسوا غربتكم أو دغدغوها ببعض الشعر!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

يا لهذا الحديث الذي يعانق القلب! الغربة كما وصفتها ليست مجرد بُعدٍ جغرافي، بل شعورٌ يثقل الروح، سواء أكنتَ في وطنك أو على بعد آلاف الأميال. كأنها قدرٌ يتلبس الأرواح التي تبحث عن معنى أبعد من المألوف، عن أرض تحتضنها لا مجرد أرض تسكنها.

أما عن الشعر، فدعني أشاركك بيتًا يبث في الغربة مرارة لا تهدأ:

إذا لم أجد في بلدةٍ ما أريدهُ

فعندي لأوطانِ الغُربةِ ألسنة

وكأن الحلّ الوحيد حين تفتقد "الوطن" في أهله ومكانه، أن تصنع أوطانك بألفاظك، بلغتك، وبكل ما يختلج في صدرك من مشاعر.

أما عن المتنبي، فله بيت آخر يصوّر غربته بحدّة:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرُومِ

فلا تقنعْ بما دونَ النّجومِ

وهو هنا لا ينظر للغربة كمعاناة، بل كضريبةٍ لا بد منها لكل من يسعى إلى العلو والاختلاف.

والآن، أيّها الرفيق، هل الغربة في نظرك مصيرٌ لا مهرب منه، أم محطة مؤقتة في طريق البحث عن الذات؟

هل الغربة في نظرك مصيرٌ لا مهرب منه، أم محطة مؤقتة في طريق البحث عن الذات؟

الغربة ضريبة من اختار طريقًا مغايرًا لقومه، من اختلف فتم نفيه، من تجاهل التسيير وقرر الاختيار وفق ما يتماشى مع نفسه ومبادئه، من اختار أن يكون نفسه، لا نسخة من شخص آخر، أو لوحة شارك في تلوينها الجميع، من أعمل الفكر ولم يملي عليه، هذا هو الغريب بين أناسه، فإما أن يخضع أو يتجاوز، أو أن يتعلم كيف يكون وطنًا لنفسه عندما يشيح الجميع بأنظارهم عنه.

 ربما خير مثال على قسوة هذه الضريبة، هو أبو حيان التوحيدي، ففي قصته ونصوصه ومؤلفاته تلمس تجلّيات هذه الغربة الروحية القاحلة التي تملكته، وهو الذي عبر عنه الشاعر وليد سيف في إحدى قصائده:

وهنا أبو حيان يوغل في اغتراب الروح..
لا الدنيا تراوده، ولا الصحراء تعرفه..
ولا بغداد تمنحه يديها
أواه ما أقسى اغتراب الروح في زمن..
يرى الشعراء والحكماء نافلة وحاشية
يريح التاجر العنين ركبته عليها
فاحرق كتابك أيها العقل النبيل
وادفن سؤالك في المدى..
ولينتحر فيك النخيل
وانصب لشمس الله وجهك، قد دعاك له الرحيل

ويروي التوحيدي عن حاله بنص بالغ الشجن، فيقول:

"فقد أمسيت غريب الحال، غريب النِحلة، غريب الخلق، مستأنسًا بالوحشة، قانعًا بالوحدة، معتادًا للصمت، ملازمًا للحيرة، محتملًا للأذى، يائسًا من جميع من ترى.."

إن الاغتراب الذي اختبره أبو حيان التوحيدي لم يكن مجرد غربة مكانية، بل كانت غربة فكر وروح، غربة من وجد نفسه خارج دوائر القبول والاعتراف، ليس لأنه اختار العزلة، ولكن لأن فكره كان أكبر من أن يُحتوى، وأعمق من أن يُفهم بسهولة، وخير دليل عندما عمد إلى حرق كتبه في أواخر حياته يائسًا من تقدير الناس لفكره، قائلاً:

"إني قد بليتُ ببني زمن لا يقرّبون إلا من نفعهم، ولا يُحبّون إلا من أطعمهم، ولا يُودّون إلا من رفعهم… فشغلوا عن النظر في العلم، واستفرغوا الهمة في اكتساب المال، وبذل الجاه، وصرف الزمان في الملاهي، وطلب اللذات… فلما لم أجد فيهم خيرًا، ولا رأيت للتأليف موضعًا، رأيت أن أحرقها، وأريح نفسي وإياهم منها!"

ففي زمنٍ يُحتفى فيه بالتافهين، ويُقصى فيه أصحاب العقول المتقدة، يصبح المفكر منفيًا حتى وهو بين قومه، غريبًا حتى وهو في قلب مدينته. ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يشعر بأنه فائضٌ عن الحاجة في عالمٍ لم يعد يهتم إلا بالماديات والمصالح.

لكن، رغم كل هذا، تبقى تلك الأرواح الغريبة هي الشعلة التي تضيء ظلمات العقول، تبقى أفكارهم حية وإن غُيبوا، وتبقى كلماتهم شاهدة على معاناتهم، لكنها في الوقت ذاته تفتح آفاقًا لغيرهم ليكملوا الطريق.

لعل العزاء الوحيد في هذه الغربة أن صاحبها لم يبع روحه، ولم يخضع لمعايير لم يؤمن بها، بل بقي نفسه، حتى وإن كلفه ذلك العزلة والنفي. وكما قال التوحيدي: "ملازمًا للحيرة، محتملًا للأذى، يائسًا من جميع من ترى"، لكنه لم يكن يائسًا من نفسه، وهذا ما صنع خلوده.