كيف يمكن أن يستأنس الإنسان الضرر؟

قد يستلِذُّ الفتى ما اعتاد مِن ضَرَر
 حتى يرى في تَعاطيهِ المَسَرّاتِ

عجيب هذا البيت الذي أفرزه لنا قلم معروف الرصافي، فقد قعدت أفكّر في ماهية هذا الضرر الذي قد يستلذّ به المرء حتى بدت لي الفكرة غير منطقية على الإطلاق، فلربما اعتاد الفتى ما يلقى من مساوئ ولكن كيف يصل إلى مرحلة تصبح فيه هذه الأضرار مدعاة لسروره ولذته ؟

حتى وجدت الإجابة في مطلع القصيد القائل فيه :

كل ابنِ آدم مقهور بعادات
لهنّ يَنقاد في كل الارادات

ووجدت باقي إجابتي في تكملة الأبيات والتي شاركَنا فيها بعضاً من العادات ذات الآثار المدمرة والتي ما إن نقع في شباكها حتى نعتادها بل ونستأنس بها، كمن يلقي بنفسه بين ألسنة النيران وهو يضحك، فيعدد لنا المُسكرات، والتدخين الذي يشكّل لديه مشكلة لا ينجو منها، واصفاً نفسه وأشباهه بالحماقة .. هل أنتم أسرى لعادات سيئة ؟

من جهة أخرى، نجد في مرّ هذه الحياة أحياناً ملاذاً لطيفاً لنا، ففي مرارة القهوة سكوناً نستلذّ به، وفي مصاعب العمل نجاح مرضٍ وأجرٍ مجزٍ، وفي شقاء الأب ابتسامة أبناءه الفاتنة، وفي هذه الدنيا لا نحصل على الملذات إلا بتجرع كؤوس من التعب والصعوبات، وهي نظرة مغايرة تماماً لما طرحه الرصافي في قصيدته ولكن يمكن الأخذ بها أيضاً .

ولأنني لا أحب التقيّد بفكرة واحدة سأشارككم تفسيراً آخراً توصلت إليه، ألا يمكن أن نستخدم هذه الأبيات للإشارة إلى أذى المحبين، أي أن هذا الضرر الذي نلقاه بقربهم أحنّ علينا من مجابهة فراقهم وبعدهم، وكأنه يقول : زدني من أذاك كؤوساً، فإنني أستلذ بها وأُسَرّ، أو كقول بعيد ناله من الشوق ما أحرق جوفه: "أصبحت أتضور شوقاً إلى نزاعات وضجيج أخوتي بعد رحيلي عنهم" ما رأيكم أنتم في هذا الرأي؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هنالك نظرية ما في علم النفس تعتني بتفسير جزء من هذه الظاهرة، حيث تستعرض النظرية حكمًا متخيلًا لإنسان بأن يقوم بمعانقة غوريلا من الغابة يوميًا لمدة شهر مثلًا. سوف يعاني الإنسان بالتأكيد أشد معاناة مع هذا الحكم، وعلى الرغم من العديد من المشاعر المربكة أثناء التنفيذ، بين الغثيان والخوف وغيرهما، فإن النظرية تؤكد بأن الإنسان بعد انتهاء المدة سوف يفتقد الغوريلا على غير المتوقع. أظن أن ذلك السياق النفسي الإنساني الخاص بالتعوّد الغريزي يمكنه أن يفسر العديد من الأشياء في هذا الصدد.

أوه جميل !

هذا يشبه شوقنا للمراحل السابقة بعد عمليات الإنتقال، فمثلاً عندما كنت طالبة في المدرسة كنت أقسم أنني لن أشتاق نهائياً إلى هذه البيئة المرهقة، ولكن ما إن تخرجت حتى عاد شوقي من جديد لشقاوة المدرسة ورفقتها وحتى طعامها الذي كنا نتذمر منه !

أعجبني الأمر علي..

هل هنالك كتاب معين تحدث عن الأمر، حيث أعجبتني النظرية وأرغب بقراءة تفاصيل التركيب النفسي للشخص وليس الفكرة وحسب.

وفي مصاعب العمل نجاح مرضٍ وأجرٍ مجزٍ، وفي شقاء الأب ابتسامة أبناءه الفاتنة……

لذا فإن الأمر مرهون بوجود أجر أو تقدير ناتج من عملك حتي يستلذ لك الألم والمشقة؛ فلو هناك أباً وولده عاق، ناكراً لفضله، فسيزداد الألم أضعاف ألم العمل والسهر والتعب.

وهي نظرة مغايرة تماماً لما طرحه الرصافي في قصيدته ولكن يمكن الأخذ بها أيضاً .

نعم، فهناك ملذات ظاهراً ذات أمد قصير تصبح مُلعنات ظاهراً وباطناً لأمد بعيد.

ولأنني لا أحب التقيّد بفكرة واحدة سأشارككم تفسيراً آخراً توصلت إليه

جيد ذكرك لمنظور آخر،

ولكن لدي رأي آخر، ليس من الجميل أو الهين أن يتم إيذائنا من أقرب الأحبة ( بالتحدث عن أذي التجاهل والمعاملة السيئة وتلك الأمور).

ولكن صدقاً أنا أستلذ وجودي بين أهلي حتي وإن غرقت بين فوضاهم النزاعية، مشاكلهم من يفعل ومن يجلس؛ ضوضاء يستلذ بها سمعي أفضل من سكوت الكون الموحش.

لذا فإن الأمر مرهون بوجود أجر أو تقدير ناتج من عملك حتي يستلذ لك الألم والمشقة؛ فلو هناك أباً وولده عاق، ناكراً لفضله، فسيزداد الألم أضعاف ألم العمل والسهر والتعب.

أكيد فالنتائج هي الحكم .

ولكن لدي رأي آخر، ليس من الجميل أو الهين أن يتم إيذائنا من أقرب الأحبة ( بالتحدث عن أذي التجاهل والمعاملة السيئة وتلك الأمور).

بصراحة في أحيان كثيرة وعندما أضيق ذرعاً من إزعاج المنزل، أتفوه ببعض الكلمات الغاضبة مثل : أريد العيش بمفردي ونحو ذلك، ولكن ما إن أهدأ وأفكر قليلاً أتوصل إلى نتيجة أنني لن أستطيع العيش بدونهم مهما زين لي عقلي ذلك !

نعم أتفهم موقفك، الغربة والبُعد عن الأهالي شيء موحش، نعم نتعلم الكثير ولكن دفء وأمان الأسرة لا يعوض.