كنتُ أعمل في العيادة النفسية منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، ورأيت كل أنواع الألم الإنساني. ولكن لم يمرّ عليّ مريض أثّر فيّ كما فعل عمر… الشاب الذي كان يجلس في الغرفة رقم 7.

دخل عليّ في أول جلسة بملامح جامدة، كتلك التي يخلّفها الجفاف العاطفي سنوات طويلة. لم يكن فيه أي غضب، ولا حتى حزن… فقط فراغ واسع يشبه الصمت الذي يسبق الانهيار.

سألته بلطف:

“متى آخر مرة شعرت أنك محبوب؟”

نظر إليّ نظرة طويلة، ثم قال:

“لا أتذكر يا دكتور… لكن أتذكر جيدًا أول مرة شعرت أن وجودي غير مهم.”

كانت هذه الجملة المفتاح الذي فهمت منه كل شيء. لم يكن يعاني من اضطراب حاد، ولا صدمة كبيرة… كان يعاني من شيء أكثر خطورة: غياب الحب.

على مدار الجلسات بدأ عمر يكتشف نفسه من جديد. لم أقم بشيء خارق، فقط ساعدته على الاقتراب من الحقيقة التي يخاف الجميع من الاعتراف بها:

نحن لا نمرض من قلة المال أو ضغط العمل بقدر ما نمرض من الوحدة… من صمت لا يقول فيه أحد: أنا أراك، أنا بجانبك، أنت مهم.

وفي جلسة من الجلسات، قال لي:

“يا دكتور… أعتقد أني كنت محتاج بس حد يسمعني.”

ابتسمت وأنا أكتب ملاحظتي:

“الإنسان لا يحتاج دائمًا من يحل مشكلته… أحيانًا يكفي أن يجد من يشعر به.”

بعد أشهر، عاد عمر للحياة. أصبح يتحدث بثقة، يضحك، ويشارك مشاعره دون خوف. لم يكن هذا لأنني طبيب بارع… ولكن لأن الحب حين يُمنح بشكل صحيح يعمل كأقوى علاج نفسي على الإطلاق.

وقبل أن يغادر آخر جلسة، قال لي:

“عرفت أن الحب مش رفاهية… الحب ضرورة، زي الهواء.”

أجبته بابتسامة هادئة:

“نعم يا عمر… الإنسان لا يعيش بالأكل وحده، بل يعيش حين يجد قلبًا يشعر به.”