خرجتُ من الامتحان وكأنني كنت في قاعة تعذيب من العصور الوسطى. وجدتُ نفسي أزحف إلى مطعمي المفضل، ثم طلبتُ شطيرة جبن كبيرة، وجلستُ أمام جهاز التكييف أتنفس كأنني خرجتُ للتو من فرن. لم يكن بحوزتي هاتف، ولا أوراق أدوّن فيها خواطري العميقة التي لا يسأل عنها أحد… فقط شطيرة جبن وأزمة هوية.
أثناء تناول الغداء اللذيذ، بدأتُ أفتّش بين الوجوه عن شيءٍ ما… ربما الألفة، ربما السلام. لا أعرف حقًا. كانت المقاعد الخشبية مريحة، والأسطح نظيفة، والعامل يرش معطّر جوٍّ برائحة تضرب أنفك قبل أن تصل إلى عقلك.
على الطاولة البعيدة، يجلس شاب مهندم، حليق الذقن، قمحيّ البشرة، وأمامه فتاة متوسطة الجمال، يغمرها الحماس وهي تتحدث عن عش الزوجية، كأنها تتحدث عن فيلم جديد لأنجيلا وايت. كان يستمع إليها أكثر مما يتكلم، وأحيانًا يحتضن كفّها بين يديه وينظر في عينيها كمن يبحث عن شبكة واي فاي داخل إنسانة، أو ربما هي عين الندم المبكر، لا أدري. تُرى، هل سيندم على هذا اللقاء يومًا ما؟ هل سيتذكره لاحقًا بعد أن يشيب شعره ويُصاب بسرطان البروستاتا؟
وضعتُ طبقة سخية من المايونيز على الثلث الثاني من الشطيرة، وشرعتُ في التهامها وأنا أراقب الطاولة الزجاجية المستديرة بجواري. ولأن البشرية متعددة المواهب، كانت تلك الطاولة تستعرض مشهدًا من نوع آخر.
شابان، ربما صديقان، جلسا أمام بعضهما في مشهد معاصر من نوع إلكتروني. الأول يشاهد فيديوهات فيسبوك ويضحك دون صوت، والثاني غارق في مسلسل بريطاني شهير، كأنه وُلد ليتابع حبكات معقدة لا يفهمها. كم أكره ذلك الفعل! كيف لشخصين أن يجلسا أمام بعضهما، وكلٌّ منهما غارق في قطعة الحديد خاصته؟ ولماذا؟
توقفتُ عن الأكل قليلًا حين جاء أحدهم وجلس على الطاولة المجاورة. كان فتى بعضلات نافرة ولحية خفيفة، يضع سماعة صغيرة في أذنه اليمنى، وفي يده اليسرى يحمل حقيبة صغيرة، أما اليمنى فكانت ترد على ملصقات مضحكة ترسلها له صديقته. حتى الكبار يقعون أحيانًا في فخ البدايات الناعمة.
شرعتُ في التهام الثلث الأخير من شطيرة الجبن، بتلذّذ، محاولًا تجاهل أفكاري الهدّامة لمجتمعي الخلوق جدًا.
وبعد قليل، نهضتُ بمعدة ممتلئة، وأخذتُ أفكاري معي كي لا يُلقيها أحد في سلة المهملات المُسجّاة خلفي. دفعتُ ثمن الطعام والمجلس والهواء الذي استنشقته داخل المكان، وتدحرجتُ على السلم المؤدي إلى الشارع ببطء. لفح وجهي الهواء الثقيل، المليء بالغبار، والفقير بالأكسجين، فأطلقتُ سُبّة إنجليزية، وترجّلتُ مستكملًا تشريحي للحياة الدنيا وما فيها.
لماذا كل هذه التفاصيل؟ هل هي مهمة فيما أكتب؟ ربما بعضُها، إذا حُذِف، لن يُؤثّر، لكن جميعها أثّر فيَّ، وأنا لا أكتب عن أحد، ولا عن مكان، بل عن نفسي فقط.
تواردت إليّ الخواطر: مكالمة هاتفية منذ سنوات، قطة بيضاء كنتُ أُطعمها منذ أشهر، خذلانٌ قريب، وفرحٌ قصير. تذكّرتُ أيضًا يوسف، ذلك الولد البدين، زميل الدراسة، الذي لم أره منذ أن اجتزتُ الشهادة الإعدادية. أين أنتَ الآن يا يوسف؟
التعليقات