سوق الجمعة.

  • marwa_ezz25

أنت في مكانك العاجي لن تعرف أبدًا عن الآخرين الساقطين من بهرجة الدنيا.

يُقال له "سوق الجمعة"؛ في حارتي كنت أظن أن الناس بائسين، ويُعانون نكد العيش، لكن ما رأيته في سوق الجمعة أبان لي أن الحارة "كمبوند" راق لا يعرف شيئا عما دونه؛ دخلت السوق. لم أنظر إلى الناس بل نظرت إلى البضاعة التي حكت أكثر من الوجوه الشاحبة. تساءلت في عجب "من يشتري خاتم صدئ وقعت فصوصه؟" ثم سألت في حزن بالغ "ماذا يرتدي البائع إن كانت هذه أحسن بضاعته؟!". كنت أطير على جناحين، جناح سعادة أني خرجت مع صديقي، وهذا نادرًا ما يحدث، وجناح ألم هبط بي إلى عالم كنت أظن أني أعرفه، لكن كُشف لي عن مدى جهلي به! 

عبائتي المتأنقة أثارت عجب البائع من نفسه وهو يقول: "اتفضلي يا هانم!"، لعله تسائل "ماذا يمكن أن تشتري تلك المرأة من بضاعتي التالفة؟!". لماذا لم أنظر إلى الباعة؟ لقد خشيت أن أواجه حقيقة الدنيا العارية والمقيتة!

"قربي يا آنسة. قربي يا مدام. قماش طري وناعم، وما بيخربش" قالتها فتاة دون التاسعة تلهو وترقص وحولها أهلها يضحكون ويبتسمون في حنان. "خدي يا ست الله يحنن عليك وعلينا" قالها رجل مسكين لامرأة تشحذ الخبز! "هذه بسبعين. انتظر. يمكن أن تأخذها بما تُريد" قالها بائع لرجل قادر أن يعطيه أضعاف المبلغ الذي قاله على استحياء. أرقب صور الحنان والإيثار والزهد في بقعة من الأرض تعج بالأشقياء! سوق الجمعة الذي مررت إليه بأحياء راقية لا تعرف عن بائعيه شيئا، لا تعرف عن حارتنا شيئا، يخرج ساكنيها على التلفاز يحكون حكايات إنجازاتهم التي بدأت فقط بمليون جنيه، بينما هناك على الطرف الآخر أناس يُصارعون الجوع.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شكرًا لك على مشاركة هذه التجربة التي تحمل معان إنسانية عميقة وتلقي الضوء على فئة مهمشة بالمجتمع لا يعرف الكثير من الناس عنها شيئًا، بل قد لا يتصورون وجودها.

حدث لي شيئًا مشابهًا حين كنت بسفر لمكان ما ولمحت وأنا بالسيارة بائعًا يضع أمامه بعض قطع من الملابس التي تبدو بالية بالفعل، لكن يبدو أيضًا أن هذا مصدر رزقه وأن هناك من يشتري هذه البضاعة 💔

رزقنا الله وإياهم من واسع فضله.

آمين آمين

بالفعل في أماكن شديدة الفقر، يقف المرء أمامها مذهول، ذات مرة شاهدت لقطات من فيلم وثائقي عن حي الزبالين ، لا يمكنك تخيل مدى الفقر وان وسط أكوام الزبالة يعيش بشر ويربون خنازير، لتأتي والدة نجيب ساويرس وتقرر عمل إمبراطورية لبيع لحوم الخنازير ، يعني حتى على أنقاض هذا الخراب تقرر الرأسمالية أن تحوله مصلحة لها!

العالم كله أصبح ينتفع من أي شيء يقع تحت يديه، حتى معاناة الآخرين أصبحت مادة للانتفاع والتصدر.

أعجبني مشهد الفتاة التي ترقص وهي تبيع القماش، طفلة سُرقت منها طفولتها، ومع ذلك تحاول أن تقاوم وتقول للعالم أن الفقر والقهر لن يسرقوا منها ابتسامتها ، الله يهون على الناس ويلطف بيهم!

وصفك هذا ذكرني بوصف ديكنز في روايته قصة مدينتين لندن وباريس وتلك الأخيرة كانت فيها أحياء تطفح بالفقر و الفقراء. كما تعجبت أنتِ من البائعين في سوق الجمعة ورثيت لفقرهم فلعل هناك من ينظر إلينا ويتعجب كما تعجبت! الناس درجات والفقر أو لعله الغنى درجات أيضًا و الأهم أن يرضى أحدنا بما قسم له على ان يحاول أن يرقى بحاله.

في الحقيقة أنا أعرف أن الفقر درجات، لكن أن تعرف شيئا بالتواتر غير أن ترى ذلك بعينك، وفي الحقيقة المعرفة بالمعاينة كانت مؤلمة للغاية.

ما كتبته يوضح أن حياتنا اليومية تظهر وجوه مختلفة للعالم بين بريق المظاهر وواقع الفقراء لكن ما نراه في الأسواق الفقيرة ليس دائمًا دليل على السعادة أحيانًا يكون مجرد قبول بالواقع أو استسلام له قد يظهر البائعون لطفًا لكن ربما يفعلون ذلك للحفاظ على صورتهم أو لجذب الزبائن الواقع معقد ولا شيء كامل وما يبدو طيبًا قد لا يكون كذلك لذلك من الأفضل أن نكون حذرين قبل الحكم على الأمور من لحظات قصيرة

أنا لم أحكم بشكل قطعي أنهم كذلك، ولكني نقلت صورًا عفوية حدثت أمامي بالفعل. أنا مؤمنة أن الفقر والعوز يُخرج أسوأ ما في الإنسان، لكن أيضا لا يعني ذلك أن الرحمة والحنان منتزعان من تلك الطبقة.