حين تصبح الأرض مسطحة في عقلٍ لم أتوقعه.

من فترة، دخلت في جدال لم أتوقعه أبدًا

ليس لأنه كان حادًّا، بل لأن فكرته جاءت من شخص لم يخطر ببالي يومًا أن يقتنع بها.

رجل في السابعة والأربعين، مثقف، قارئ، وواعٍ

وفجأة يخبرني، بكل ثقة واطمئنان:

"الأرض مسطّحة وكل ما تعلمناه كذب."

ظننتها مزحة، لكنها لم تكن كذلك.

تناقشنا طويلًا طرحت الأدلة العلمية، وناقشته بالدين والمنطق، وسردت البراهين، وحتى رحلات الفضاء

لكنه ظل متمسكًا بنظرية "الكذب العالمي"، وكأن العالم كلّه تواطأ لإخفاء الحقيقة عنه!

كيف يمكن لشخص واعٍ أن يقتنع بشيء كهذا؟

هل الذكاء وحده كافٍ للحماية من الانجراف خلف نظريات المؤامرة؟

المشكلة أعمق من مجرد "نظرية خاطئة".

هي أزمة ثقة، واحتياج خفي للتميّز، وشعور بالتفوق على "العقول النائمة"، كما يحب أن يسميها البعض.

أحيانًا، لا يريد البعض أن يعرف الحقيقة بل أن يؤمن بشيء يخالفها فقط ليثبت أنه مختلف.

فهل خاض أحدكم مثل هذه التجربة؟

وهل واجهتم شخصًا يشكك في كل شيء إلا في شكّه نفسه؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هذا النوع من الشخصيات بصراحة لا أحب الدخول في نقاشات معه، ذكرني ذلك بشخص كنت أناقشه حول كورونا، وكان يصر على أن الوباء كله مُخطط من الحكومات لتحقيق ما يسمى "المليار الذهبي"، وأن اللقاح الموجود في العيادات ليس إلا سمًا قاتلًا! كان يردد هذه الأفكار بثقة، وكأن كل ما حوله مجرد أكاذيب، وفي مثل هذه النقاشات غالبًا ما نجد أنفسنا نواجه شخصًا مقتنعًا أن الشك هو الحقيقة، بينما هو في الواقع يهرب من الواقع نفسه.

"عقل الإنسان بطبيعته يكره الفراغ، فإذا لم نملأه بالحقائق، ملأه بالوهم."

المشكلة ليست في المعلومة الخاطئة، بل في الحاجة النفسية خلفها: الحاجة للسيطرة، للشعور بالتميز، أو ببساطة، لامتلاك تفسير يريح العقل في عالم مربك. وهنا يصبح النقاش العقلي غير مجدٍ إن لم نفهم دوافع الشخص العاطفية أولًا.

انا أطرح عليهم سؤالا واحدا: ما الذي يجعلك تثق بهذه النظرية أكثر من كل ما هو موثق ومشهود؟ غالبا سيعيطيك مبررات عاطفية أو مستهلكة وقد يضحك وهو يقولها لأنه في قرارة نفسه يعلم ان ميله لهذه الفكرة ماهو إلا حدس لا دليل خلفه ورغبة في التميز

أظن الغرق في نظريات المؤامرة زيادة هذه الفترة، ولو أدرت دليلًا بسيطًا تقدمه للصديق، فأسأله، كيف يمكن لزلزال روسيا الأخير التأثير على ولايات أمريكية؟؟ بصراحة، لا أعتقد إنه بحاجة إلى التميّز، ربما فعلًا يكون تداخلت عليه افكار مختلفة من نظريات المؤامرة، وشعر بالانتماء إلى جماعات تعتقد أنها تعي حقيقة العالم، ومن ضمن وعيهم هو إيمانهم بأن الأرض مسطحة، فإذا قبلت فكرة لهم، فغالبًا ستقبل البقية.

لاحظت في مواقف مشابهة أن المشكلة لا تكون دائمًا في نقص المعلومات، بل في إحساس داخلي بأن الحقائق الرسمية مجرد وهم، وأنه الوحيد الذي يرى ما لا يراه الآخرون. هذا النوع من القناعة يمنح صاحبه شعورًا بالتفوق، ويجعله يرفض أي نقاش منطقي باعتباره جزء من المؤامرة.

هناك دراسات بالفعل بيّنت أن بعض مَن ينجرفون خلف نظريات المؤامرة لا يفتقدون الذكاء، بل يملكون ميلًا نفسيًا لتصديق كل ما يجعلهم مميزين أو مختلفين عن العقول المقيّدة كما يسمّونها. ما يشغلني فعلًا هل هذا الانجراف ناتج عن أزمة ثقة في المجتمع، أم أنه مجرد رغبة في كسر المألوف حتى لو على حساب المنطق؟

وهل المؤامرة نفسها ليس لها وجود أبدًا؟ بعيدًا عن موضوع النقاش قليلًا.. هل تعتقد أن "المؤامرة" مجرد نظرية خيالية ونحن نعيش في عالم وردي كل من فيه صادق؟ لان هذا السؤال برأيي جوهري كبداية.

ألقِ نظرة على العالم من حولك وما دور فيه وما يدار فيه.. هل تستطيع النظر بسذاجة أو دعنا نقول براءة؟

قصتك، بكل صراحة، مضحكة ومؤلمة في آن، فهي تكشف كيف يمكن لعقل مثقف أن ينزلق إلى حفرة نظريات المؤامرة، كأنه يفضل أن يكون بطل رواية خيالية على أن يعيش في واقع مُثبت. نقدي الخفيف هنا: ربما كان جدالك معه، بكل أدلته العلمية والمنطقية، كمن يحاول إقناع عاشق بأن حبيبته ليست مثالية - الأمر ليس عن الحقيقة، بل عن الحاجة للإيمان بشيء يمنحه شعورًا بالتميز. فكرته عن "الكذب العالمي" ليست مجرد خطأ معرفي، بل كما أشرتَ بدقة، أزمة ثقة عميقة، مزيج من الرغبة في التمرد على السائد والشعور بأنه اكتشف سرًا يعمى عنه الآخرون. لكن، دعني أضيف: هذا الرجل ليس وحيدًا، فكم منا يتشبث بفكرة غريبة فقط ليشعر أنه "مختلف"؟ تجربتي؟ نعم، صادفت من يشكك بكل شيء، حتى بمنطقه الخاص، وكأن الشك نفسه هو المعبد الذي يعبد فيه! الحل؟ ربما لا يكمن في الأدلة، بل في سؤال بسيط: "لماذا تحتاج إلى هذا الإيمان؟"

نعم، مررت بتجربة مشابهة. أعتقد أن المسألة ليست في نقص المعرفة، بل في الرغبة العميقة لدى البعض بالشعور بالتفرّد، حتى لو كان ذلك على حساب المنطق والعلم. أحيانًا، يصبح الشك وسيلة للشعور بالقوة لا للبحث عن الحقيقة.