مصالحة الذات

  • 077591162

ليس الإنسان عدوًا لذاته قط، بل هو في صراع مع شعور الكراهية الذي قد يغشى روحه. في عمق كيانه، يتوق إلى حب نفسه والرضا عنها، فالسعادة الحقة لا تتجلى إلا في سلامٍ داخليٍّ مع الذات وتصالحٍ معها. يؤلمه أن يرى نفسه قاصرًا أو مخطئًا، ويكره لحظات الندم التي تدفعه إلى لومها وعقابها، تلك اللحظات التي تتوارى فيها شمس الرضا ليحل محلها لهيب التأنيب. 

 

لكن حبه الجوهري لذاته، وشعوره العميق بالجمال تجاهها، يتجاوزان كل خصام. سرعان ما يغفر لها زلاتها، وكأن شيئًا لم يكن، ففي هذا العفو يكمن سلامه النفسي. غايته الأسمى في الحياة هي السعادة، وهي لا تتأتى إلا من حب الذات والرضا عنها، والسعي لإرضائها. لذا، تراه منحازًا لنفسه، مدافعًا عنها، راجيًا ألا تُعاقب، حتى وإن بدت ظالمة. 

 

يكره الإنسان النقص والعيوب، لكن عندما يعجز عن التخلص منها، يتعايش معها ويتقبلها كما هي. غير أنه لا يستطيع تقبّل ظهور هذا النقص أمام الآخرين، فيبقى جاهدًا لإخفاء عيوبه، مقدمًا لهم أبهى صورة عنه، متمنيًا أن يستر ما لا يرضاه في ذاته، ويُبرز ما يفخر به فيها. 

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مرحباً بعودتك نجيب

أن العيوب وقود لنحسن من مشاعرنا وأنفسنا...

أما الشعور بالندم والإحباط فهو قاتل، اذا لم يعامل ويواجه بحركة أو عمل...

استغفار بعد ذنب

عمل بعد فشل

زيارة بعد خصام

وهكذا لا نكتفي بالشعور بل نحوله إلى عمل...

الشعور السلبي تجاه الذات قد يكون إيجابيًا إذا تحول إلى دافع نحو التغيير والعمل، ويكون سلبيًا إذا بقينا أسرى له دون استجابة. فالمشاعر التي لا نترجمها إلى أفعال لا تجلب لنا سوى المتاعب، وأحيانًا يكون تجاهلها أو تجاوزها أفضل من الاستسلام لها.

ليس بكل الأحوال هناك أناس يمارسون على أنفسهم أقسى أشكال النقد، بل أحيانًا تدمير الذات، ويستمرون في أنماط تؤذيهم رغم وعيهم بها. فالإنسان ليس نموذج واحد يمكننا توقعه هناك أنماط مختلفة، هناك من يفعل كما تقول وهناك أشخاص تسعى للهروب من نفسها فقط لتظل بمنطقة الراحة وهم كثر

أتفق معك تمامًا في أن الإنسان ليس نموذجًا واحدًا، وهذه نقطة جوهرية في فهم العلاقة مع الذات. ما ذكرته عن وجود أشخاص يمارسون نقدًا قاسيًا يصل أحيانًا إلى تدمير الذات صحيح جدًا، وهو في حد ذاته نمط قائم بحد ذاته، مثلما أن الهروب من النفس أيضًا نمط آخر.

في مقالي لم أقصد حصر الناس في قالب واحد، بل الإشارة إلى اتجاهات أو ميول نفسية قد يغلب أحدها على الشخص في مرحلة معينة من حياته. فحتى من يمارس القسوة على نفسه قد يكون في العمق هاربًا من مواجهة جزء أعمق فيها، والعكس صحيح.

تنوع هذه الأنماط لا ينفي الفكرة، بل يثريها، لأن الإنسان قد يتنقل بينها حسب وعيه وظروفه وتجربته. وفي النهاية، الهدف من طرح مثل هذه الأفكار هو فتح باب التأمل في علاقتنا بأنفسنا، لا إصدار أحكام نهائية عليها."

قدرتنا على مصالحة أنفسنا تتأثر كثيرًا بالبيئة حولنا لو المجتمع يشجع على قبول الاختلاف ويقلل المقارنات والضغط النفسي سنصبح أسهل في قبول أنفسنا كما هي والتصالح معها.

فعلا أحيانًا لا تأتي الأزمات من داخلنا فقط، بل يصنعها المجتمع من حولنا. فقد يخلق لدى الإنسان حالة من العداء مع ذاته، خاصة عندما ينشغل بشكل مفرط بنقد الآخرين له ويقارن نفسه بهم باستمرار. بينما العلاقة الصحية مع الذات تتطلب قدرًا من اللامبالاة تجاه أحكام الآخرين، والتركيز على ما نملكه نحن لا على ما لدى غيرنا.

 فيبقى جاهدًا لإخفاء عيوبه

البعض يفتخر بعيوبه وهذا مثير للدراسة، فنجد اللصوص مثلاً يتجمعون ليتباهوا بمن سرق أكثر، أو من كان أكثر نذالة في سرقاته ويضحكون من الأشخاص الذين تم سرقتهم ويدعونهم "مغفلين".

وهكذا البلطجية بل في إحدى حلقات اللواء السيسي على اليوتيوب ذكر موقف أن واحد من بطلجية البلد طلب امرأة من زوجها، وعندما ذهب الزوج ليشكو البطلجي لرئيسه لم يسمع له وأيده في طلبه زوجة الرجل من زوجها.

الإنسان يميل إلى إتقان ما يحب، ويجد متعة في التميز فيما ينجذب إليه. وكما أن هناك من يبدع ويفخر بأشياء جميلة، هناك من قد يتقن أمورًا قبيحة ويفتخر بها أيضًا. فاللص مثلًا قد يكون راضيًا عن سلوكه السيئ، بل وقد يرى فيه نوعًا من البطولة، ولولا هذا الرضا لما استمر فيه. وقد يصل به الأمر أحيانًا إلى حد التفاخر أو حتى الاستهزاء بضحاياه.