ذكاء القلب كيف نكتسبه وننقله للآخرين؟

مهارة الذكاء العاطفي، مهارة نادرة، لا يتقنها إلا القلة من الناس ممن كانت لهم تجارب قاسية أو قراءات عميقة كثيرة، وأسفار ورحلات متكررة، لكن الأندر منها، هي مهارة اسميها بمهارة ذكاء القلب، حين يصل الشخص إلى مستوى عالي جدا من الذكاء العاطفي الذي يمكنه من امتلاك الحياد التام في المشاعر، والوصول إلى نقطة عدم الحكم على الأخرين مهما كان اختلافنا عنهم، حتى أننا يمكن أن نفهم مشاعر العدو، والمجرم، والمريض، والأحمق والأرعن، دون وضعهم في خانة الشرير أو الضعيف أو غيرها..

الطريقة الوحيدة لاكتساب هذه المهارة، هي القراءة المستسلمة بدون تشنج أو صراع مع الأفكار، هي السماح لأنفسنا بالغرق والاستسلام لمشاعر وأفكار وانفعالات التي نعيشها داخل كل كتاب وكل رواية نقرأها، نسمح لأنفسنا بتشرب كل الشخصيات التي نقرأ عنها ونعيش في جلبابها ونضح شخصياتنا الحقيقة وراء باب الغرفة، فنعيش دور الناسك ودور الشيطان، الأم والحماية، اللص والشرطي، العاشق والوحيد. الخ، ونعيش حياتهم ونشعر بقلوبهم، ونبكي مع من يبكي حتى لو كان الشرير، ونتألم مع المريض، ونخاف مع الخائف..

هذا الاستسلام لعيش عوالم لا تشبهنا، يخلق لنا قدرة على استيعاب عوالم الاخرين دون الحكم عليهم، لأننا نعلم أن ما يعيشونه أيضا حقيقي، ببساطة يخلق منا هذا الاستسلام شخصا حياديا غير متزمتة، بل شخصا وفياً للشخصيات التي قرأها، لأنه كان ذات رواية أو ذات قصيدة وذات نص، واحد من تلك الشخصيات هو أيضا.

وحتى ننقل ذكاء القلب إلى الأخرين، علينا أن نعلمهم كيف يقرأوا باستسلام هم أيضا، كيف يتركون جلودهم ويلبسون جلود غيرهم حتى يشعروا بها ثم يتحرروا من الحكم عليهم للأبد.

أخبرني عن طريقتك في زيادة ذكاء قلبك، هل توجد طرق أخرى لزيادة ذكاء القلب خصوصا للأشخاص الذين لا يقرأون؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لكن ألا تري أن ما تصفينه هنا، وفكرة التماهي مع الشخصيات وما إلى ذلك تجعل منا بشر بلا قيم حقيقية أو ثوابت أو بتعبير آخر مجرد كائنات هلامية تعيش وتنجرف مع كل ما تقرأه أو تستهلكه دون أن يفكر ويحكم علي مدى حقيقة ما يقال أمامه أو مدى اقتناعه هو بأدلته وما إلى ذلك، في نظري هذا من الصعب أن نطلق عليه ذكاء عاطفي أو أيًا كان التعبير بقدر ما هو انسياق دون تفكير أو تمحيص، ما أجده مهم هو تفهم الناس ومنطلقاتهم وأن لكل حياته وتعقيداتها المختلفة وألا نحكم على الناس بشكل سريع أو دون محاولة الفهم لكن في النهاية كل منا له أفكاره وستجدي أن هناك مواقف يجب فيها الحكم على الناس واتخاذ موقف حاسم من تصرف ما أو سلوك ما، وأنا متأكد أنك أيضًا هناك أناس لا تتقبليهم ولا تتعاطفين معهم بأي حال من الأحوال.

غالباً برأيي حين يقول الشخص أنه يريد أن ينشاق تماماً ألى شخصية من الشخثيات لن يذهب بمفرده نحوها متجرداً من كل ما يعرفه ويشعر به ويوصّفه حتى وان ادعى ذلك، ولذلك برأيي لا بد أن يمزج ما يعرف وما يتصف به في هذه الخلطة الجديدة ليخرج بشكل جديد تماماً وتكرار هذه العملية كثيؤاً مع الكثير من الصفات يغيّرنا الى غير رجعة.

اي امتزاج وخلط بين شخصيتك وشخصية البطل في الرواية مثلا، سوف يفسد متعة الرواية، وسوف يخلق شخصية ثالثة لا تشبهك ولا تشببه، ما يعني انك لم تبقى أنت ولم تستع أن تكون هو وتفهمه .

التجرد يحتاج إلى رياضة شاقة في البداية ......ورياضة صعبة جدا تزداد صعوبتها كلما كانت الشخصية التي تقرأها بعيدة ومعاكسة لك، كلما كانت مستفزة لعقدك أكثر، لجروحك ومآسيك أكثر ، لمعتقداتك الراسخة وتحيزاتك أكثر كلما زادت إحتمالية عدم قدرتك على التجرد.

لكن التجرد دائما ممكن، بحيلة بسيطة، هي الإستسلام، أن تعامل الشخصية المعاكسة لك كما لو أنها صديقة الحميم، أن تقرأ الملحد كما لو كنت ملحدا، وأنت تقرأ الطاغية كما لو أنك جزء من جيشه الباطش، أن تنظر للمومس من زواية أقرب من زر تنورتها، دون اي احكام ، جون أن تسأل لماذا فعلت كذا، ولماذا قالت كذا.

أنا أومن في التجرّد أثناء القراءة بكل تأكيد ولكن ما لا أومن به هو التجرّد بعدها، التجرّد أثناءها له هدف قابل للقياس وهو أنك تريدين الاستمتاع بالرواية واكمالها بموضوعية ولكن تقمّص هذه الشخصية أو الاستفادة من بعض زواياها في الحياة العملية لن يتم بتجرّد، هذا يستحيل، لا بد أن نأخذ صفاتنا وبعض مشاعرنا ونمزج هذه الأمور بخلكة ما وعيناه مؤخراً بالعمل الإبداعي.

أنا أومن في التجرّد أثناء القراءة بكل تأكيد ولكن ما لا أومن به هو التجرّد بعدها، التجرّد أثناءها له هدف قابل للقياس وهو أنك تريدين الاستمتاع بالرواية واكمالها بموضوعية ولكن تقمّص هذه الشخصية أو الاستفادة من بعض زواياها في الحياة العملية لن يتم بتجرّد، هذا يستحيل

هذه هي المشكلة كلها يا ضياء والتي تمنعك من التجرد بعد القراءة .

الدخول في تجربة تجرد بفكر نفعي وهدف مسبق يتخطى الاتستلام ...

عندما تدخل للقراءة بغاية الانتفاع من التجربة فسوف ترتفع حساسيتك وكل مستقبلاتك العقلية والنفسية لكي تتأهب للحكم بعد أول دقيقة تنتهي فيها من القراءة .

لكن الدخول منذ اللحظة الأولى باستسلام مطلق للجمال وتماهي كامل مع الصورة الادبية أو العلمية في الكتاب ، سوف يثبط كل أشكال المقاومة وكل أدوات الموضوعية وآليات النقد عندك ....سوف تتحول إلى آلة للاستقبال فقط .

أجمل اللحظات التي قرأتها كانت لحظات استسلام، وكل لحظة استسلمت فيها كانت لحظة خلود للأبد في شاعرية الصورة حتى لو كانت مؤلمة جدا .

أتذكر جيدا أول يوم استسلمت فيه بكل ما أستطيع من الاستسلام سنة 2016 مع رواية كانت تصف حالة حب عابرة لامرأة حملت من رجل غريب في ليلة حمراء غير محسوبة، وكنت وقتها شخصية مختلفة، كنت متدينة بانغلاق ، كنت سريعة الحكم على الناس ونتحيزة للدين قبل هذه الرواية يستحيل أنأعطي عذرا لامرأة بممارسة جنس عابر وتحمل بطفل شريد من أب مجهول...كانت بالنسبة لي هذه الفكرة غير مقبولة أبدا..

لكن قررت ذلك اليوم أن استسلم للقراءة دون أي حكم ديني أو تحيز لأي نوع من الأفكار أو المشاعر، وكانت بالفعل تلك هي لحظة الخلود الأولى بالنسبة لي ، فقد تمكنت من عيش حياة أخرى بشخصية كنت أمقتها، ومن تلك اللحظة الى الأن مازلت أشعر بالمشاعر الحقيقية للشخصية التي قرأتها وغيرت في الكثير، على العكس من ذلك ، أصبح كل التفكير الموضوعي يشتغل في ذهني لصالحها وليس لصالحي .

أرى أنه يمكن الاستفادة من اتاحة الفرصة للنفس لتفهم الأشخاص ودوافعهم - حتى من باب كره الفعل لا الفاعل - لكن ليس معنى تفهمهم أن أتماهى مع كل ما يفعلون أو أصبح مثلهم، فلنقل أن رواية ما بها شخص يقوم بجريمة كالقتل أو الزنا أو غير ذلك فقد أتفهم أن له أسبابه وأن فعله هذا لم يأتي من فراغ لكن هذا لا يغير قناعاتي أن هذه مازالت جرائم تستحق العقوبة، وليس معنى تعاطفي مع شخصية ما في رواية ما والذي مرت به في حياتها من صعوبات ألحد بسببها مثلًا أن أصبح ملحدًا فجأة مثله وأنقلب على قناعاتي دون مبرر عقلي فقط العاطفة هي ما تدفعني لهذا، هذا كلام غير معقول أو منطقي إطلاقًا.

أُعجبني مفهوم "ذكاء القلب" الذي طرحته. إنه مفهوم عميق وجميل يُعبّر عن قدرة الإنسان على فهم مشاعر الآخرين دون إصدار أحكام عليهم. ولكن يعجبني أيضاً ويلفت نظري هذا الذكاء الأدبي في طرح الكلمات الذي يجعلني أتسأل هل هناك قصص قمتي بكتابتها في الحقيقة لأنه إن حدث أظن أنني سأحب كثيراً قراءتها .

أما بالنسبة لطريقتي في زيادة ذكاء القلب فيمكن القول أن هذا سيتم بالاعتماد على عدة عناصر أهمها: (القراءة و التأمل والتعاطف المتفهم لطبيعة كل شخص والوعي الذاتي بنفسي وبما أملك من عيوب أو مميزات والانغماس في التجارب الحياتية بقدر الإمكان) ربما لا أقوم بتنفيذ كل تلك العناصر بنفس القوة والأقبال ، ولكن أرى أنها مهمة في تنميتي بشكل أو بأخر حتى وإن لم أستطع تطبيقها جميعاً بنفس الطريقة... ولكن أجمل ما في ذكاء القلب أنه يساعدنا في التواصل الفعال مع الآخرين أليس كذلك؟

ولكن يعجبني أيضاً ويلفت نظري هذا الذكاء الأدبي في طرح الكلمات الذي يجعلني أتسأل هل هناك قصص قمتي بكتابتها في الحقيقة لأنه إن حدث أظن أنني سأحب كثيراً قراءتها .

اشكر لك جمال أدبك وإطراءك وثقتك العالية.

للحقيقة ليس لذي مغامرة أدبية حقيقية إلى الآن لكني أفكر ربما أن أجازف بكتابة قصة اختبر بها حظي في هذا العالم، ليس فقط لأني أشعر ان لذي ما أقوله ، وليس فقط لأني أعشق الأدب ولكن لأنني أرى أن الكتابة هي الدواء والترياق الذي يمكنه أن يشفي آلامي ويلعق جراحي ويعيد وضعي على مضمار الحياة من جديد.. هذا هو أملي للحقيقة.

لا أدري إن كنت سأوفق في أن أكون قاصة أو روائية جيدة لكني متأكدة من أني سأكون نتألمة ومتعافية صادقة يوما ما.

الكتابة الصادقة يا صديقتي تصل دوماً لأي شخص فكل القلوب متشابهة وأي قارئ يحتاج أن يرى الحقيقة بعين من يكتبها ويزيد الكتابة قيمة حينما يكون الكاتب مثقف وله نظرة عميقة في الحياة أو يفهم تناقضاتها ، وتزيد القيمة أكثر فأكثر حينما يخرج الكاتب عن ذاته ويتكلم بأسم الجميع دون تبني وجهة نظر محددة [أو على الأقل لا يكون مباشراً في وجهة نظره] فيسمح لكل قارئ أن يحدد الزاوية التي تناسبه لرؤية الأمور ، وهذه صفات أراها تتوافر في كثير من المدونين في مجتمع حسوب وبالتأكيد أنت منهم ((دون أي مجاملة)) ، وبالنسبة لحرفية الكتابة فهذه أمرها بسيط ويمكن أكتسابها بتعلم مبادئ الكتابة الأساسية للقصص والروايات ، والأهم من هذا هو التطبيق مع الممارسة .. حينها أتوقع أن نحصل على أديبة قوية جداً بإذن الله أسمها @khouloud_benzeghba

وأنا متشوق لأن أقرأ لها

المقال رائع فقد أوجد من وجهة نظري مفهومًا لم أقرأ عنه سابقا وهو "ذكاء القلب" فقد قرأت عن مفهوم الذكاء العاطفي أو الوجداني أو الانفعالي كما يسميه البعض وكلهم نفس الشيء، أما ذكاء القلب فهو جديد حيث يبرز الأهمية العميقة للاستسلام لتجارب الآخرينمن خلال القراءة المستلمة أو يمكن تسميتها التعاطف الوجداني مع الشخصيات، أو من خلال الفهم الشامل للحياة من خلال أعين شخصيات مختلفة فذلك يمنحنا قدرة فريدة على فهم تقدير تنوع البشر، ومن خلال هذه القراءة المستسلمة تزيد من تفاعلنا وتعاطفنا مع العالم.

وبالنسبة للأشخاص الذين لا يقرؤون، يمكن استخدام وسائل أخرى مثل الأفلام والمسلسلات لتحقيق نفس الهدف، كما أن التعاطف الوجداني لحياة الشخصيات في الرواية يمكن أن يفتح أبوابًا للتفاهم وتعزيز الحس الإنساني، كذلك الاستماع إلى قصص وتجارب الناس في الواقع الحقيقي أيضًا يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتطوير ذكاء القلب والتعاطف الوجداني.

أشكر لك طيب قولك

بالفعل اوافقك تماما على أن هناك طرق أخرى لغير القراء للوصول إلى هذا النوع من الذكاء .

مهما كانت الطريقة واختلفت الوسيلة التي يمكن استعمالها، يوجد شرط واحد مشترك بينها جميعا، وهي الاستسلام والانفتاح والتجرد من الأحكام.

توجد عبارة رائعة جدا لبروسلي يقول فيها : عليك أن تكون مثل قطرة ماء"

ما يقصده هو أن تكون بنفس خصائص الماء بحيث يمكنك تتلون مع اي لون تختلط به، وتأخذ شكل القالب الذي توضع فيه بسهولك، يمكنك أن تكون كأسا في الكأس وتكون أنبوبا في سيرنجة ، وتكون بقعة عشوائية في أرض مستوية...الخ ، حتى أن من يراك يظن أنك فعلا ذلك الشيء ..والطريقة الوحيدة لذلك هي أن تسمح لنفسك بأن تتشكل ، أن تكون كل شيء في شيء واحد.

قطرة الماء هي أفضل تمثيل للستسلام، ليس لذيها مشكلة في أن تتباعد ذراتها أو تتقارب، أو أن يتغير لونها أو شكلها، أنها اللاشكل واللالون ...فقط لأنها استسلمت للقالب الذي وضعت فيه ...

وصف عبقري جدا دكاء القلب

أحسه غريب عجيب لكن عبقري ويصف الفكرة ببراعة

بينما كنت أقرأ عنوان موضوعك عن ذكاء القلب رايت فيه مصطلحًا غريبًا عني لكن بعد قراءة الموضوع بأكمله أحسست أنه قريب جدًا مني ولكن لم أكن أسميه بذلك الأسم بل ربما كنت أراه مزيجًا من تزكية النفس مع الحكمة والاتزان والتصالح مع الذات، كل تلك الأمور لا أدّعي أنني أقوم بها ولكن أحاول قدر الإمكان التحلي بها معتمدًا في ذلك على الله قبل كل شيء وعلى المعرفة والنضج والخبرة التي تتقدم مع تقدم العمر.

جميل جدا.

توجد مشكلة اخرى لا نرد لها بالا ياوائل ، وارجوا أن لا تتحسس من كلامي .

الكلام الذي قلته يعتقد أغلب الناس أنهم يفهمونه ويطبقونه، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما، فما نعتقد أننا نؤمن به ليس بالضرورة ما نحن عليه فعلا ، والكثير من الأمور التي نعتقد أنها جزء من شخصيتنا في الحقيقة تفعل عكسها .

في علم النفس هناك قاعدة تقول ان كل شخص هو ثلاث اشخاص معا:

  • ما يظن عن نفسه
  • ما يظن الاخرين عنه
  • ماهو بالفعل

في العادة نحكم على أنفسنا مما نعتقده عن أنفسنا أو من خلال ما يقوله عنا الأخرون وليس ما نحن عليه فعلا.

لذلك يجب أن يظمن كل واحد منا أن ما يظنه هن نفسه وما يظنه عنه الاخرون ما هو في الحقيقة هو كاين واحد فعلا.

نعم أفهك جيدًا وأعي تلك المشكلة لذلك قلتُ بدايةً بأن ذكاء القلب هو قبل كل شيء تزكية للنفس فأنا بشر وأعرف أني أخطئ كثيرًا وربما لا أتقبل الانتقاد عند وقوع خطأ مني ولكن أراجع نفسي فيما بعد وأحاول أن أضع نفسي مكان الطرف الآخر وكثيرًا ما أعتذر بعد ذلك وإن كان بأسلوب غير مباشر وأهم شيء أنني دائمًا أدعو الله أن يريني الحق حقًا ويرزقني اتباعه وأن يزكي نفسي ويطهرها.