بسم الله الرحمن الرحيم

الآخر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

ماذا إذا رأى المرء أن الآخر الذي يتعامل معه هو أباه أو أمه أو أخيه أو أخته أو ابنه أو ابنته؟ هل سيظل دائماً يؤذيه أو يُسيء إليه أو يهينه في وجهه؟ هل سيضربه ظلماً إن كان بينهما خلاف ما؟ أم هل سيضع يده على بعض أمواله بالاحتيال والسرقة؟ أم سيردّ دائماً على إساءته بعشرة أضعاف إذا كان أحد أقاربه هؤلاء؟ أم سيتجاوز أحياناً عن إساءاته كما يتجاوز عن إساءات أقاربه هؤلاء؟ وهل سيخفف ذلك من غضبه ولا يتمادى في إيذاء الآخر أحياناً إن فكر بأن الذي أمامه هو كأحد أقاربه؟

فإن كان الأمر كذلك ولن يتمادى المرء في إيذاء الآخر أحياناً عندما يراه كأحد أقاربه المقرّبين، فله أن يفكر بأن الآخر هو بالفعل ابن لأب وأم، وإنه قد يكون أخٌ لأخٍ أو أخت، وإنه قد يكون أبٌ لابن أو ابنة، فإن فكر المرء قليلاً بمن يؤذيهم بأنهم يشبهون إلى حدٍّ كبير أقاربه الذين يحبهم ويهتم فيهم والذين قد يضحّي بالكثير أحياناً لأجلهم، فهل حقاً سيبقى يتمادى دائماً في إيذاء ضحاياه ظلماً وعدواناً؟ أم إنه سيخفف من إيذائه لهم أحياناً وقد يسامحهم ويعفو عنهم أحياناً، وقد ينصحهم بما فيه خيرٌ لهم أحياناً؟

وماذا إذا فكّر أحياناً بأن ما يفعله بالآخرين قد يفعلونه الآخرين بأقاربه وأحبابه؟ هل سيظل بعد يتمادى في ظلمهم وإيذائهم؟ وإن كان الآخرين قاموا بالإساءة إليه فهل سيرضى أن يردّ دائماً على كل إساءة بأضعافها؟ أم هل سيخفف أحياناً من ردّ الإساءة إليه إذا إنه فكّر بأن أحد أقاربه أو أصدقائه أو أحبابه قد يفعل مع أحد ما مثل ما فعل الآخر معه؟

فهل بعد ذلك سيظل المرء دائماً يروّع ويُفزع الشيخ الذي أمامه ظلماً إن فكّر بأن هذا الشيخ هو أباه أو إذا فكر بأن هناك أحدٌ ما قد يفعل المثل مع والده؟ أو إن كانت من أمامه عجوز فهل سيظل دائماً يصرخ في وجهها أو يهددها ظلماً إذا كانت هذه العجوز هي أمه أو إذا فكّر بأن هناك أحدٌ قد يفعل المثل مع والدته؟ ومهما ظن إن هذا الأمر مستحيل لأن أباه أو أمه لا يقعون أبداً فيما يقعوا فيه هؤلاء الذين يتعامل معهم. فهل يظن حقاً بأنه أمِن المستقبل وضمنه لدرجة إنه سيكون كما يظن ويتمنّى؟ ألا يكفيه أن يتذكّر المواقف والأحوال التي مضت عليه في الماضي، والتي لم يتوقّع معظمها، فمنها ما أحزنه ومنها ما أهمّه ومنها ما أفزعه، ليتأكد تماماً أن لا أحد يعلم الغيب إلّا الله سبحانه وتعالى.

ولا شيء في الحقيقة مُستبعَد، فكما إنه تسلّط على الآخرين فقام دائماً بإيذائهم والإساءة إليهم، فلا شيء يمنع أن يُسلّط أحدٌ ما على أقاربه وأحبابه وأصدقائه فيؤذيهم ويُسيء إليهم دائماً.

وفي الختام، قد تكون من أحسن الهدايا التي يُقدّمها المرء لأقاربه وأحبابه وأصدقائه، أن يقوم أحياناً بمعاملة الآخرين بالحُسنى ويعفو ويصفح عنهم أحياناً، لعل إن وقعوا أحبابه في يد آخر مثله أن يعاملهم هو الآخر أحياناً بالحُسنى إكراماً له أو حباً فيه وفي تعامله مع الآخرين بالحُسنى... هذا والله أعلم.