أيهما أقوى: الغريزة أم الوعي؟

Beghjij

في الوقت الذي قدر فيه معظم الفلاسفة الوعي و اعتبروه خاصية مميزة للإنسان، يهدم نيتشه هذا التصور و يعتبر أن الوعي هو الأقل اكتمالا و الأكثر هشاشة، و أن الغريزة في الحقيقة أقوى بكثير منه. بل يذهب إلى حد القول بأن الجانب الواعي فينا إن هو إلا مجموعة من الأخطاء.

فلسفة نيتشه تدعو إلى إعادة النظر في قيمنا و مبادئنا، و هذا ما قاله عن الغريزة و الوعي:

الجانب الواعي من النفس هو آخر درجات تطور الجهاز العضوي، ومن ثمة فهو الأقل اكتمالا والأكثر هشاشة . فالكثير من الزلات يعود أصلها إلى هذا القسم الواعي، كما تصدر عنه الكثير من الأشياء الحقيرة التي يمكن أن تجعل أي حيوان أو أي إنسان يفنى قبل أوانه ... لو لم تكن الغرائز، بكونها رابطة حافظة ومحافظة، قوة لا نهائية، ولو لم يكن لها دور تعديل التوازنات، لهلكت البشرية من زمان نتيجة أحكامها العبثية، وطيشها وأحكامها المتسرعة والشكلية، وبسبب سداجتها وقابليتها السريعة للتصديق، فكل وظيفة من وظائف الجسم ، قبل أن تتطور وتكتمل وتنضج (كما الحال بالنسبة للوعي ) هي خطر على الكائن العضوي ... وهكذا فنحن نغالي ونستبد عندما ننسب إلى القسم الواعي من النفس، الكثير من الخصائص ونعتد به ، ونتخيل أنه هو " الكائن الإنساني " وأنه دائم وخالد وأولي ! كما نتصور القسم الواعي بمثابة كمية ثابتة ومعطاة، وننفي عنه النمو ونغفل ترابطاته، ونعتبره هو المجسد لوحدة الكائن العضوي . 
لقد كانت نتيجة هذا التقدير الزائد البليد للوعي، وهذا الجهل بطبيعة الوعي هو تلك النتيجة السعيدة المتمثلة في إعاقة التطور السريع للوعي .
وبما أن الناس يتوهمون أنهم يمتلكون الوعي، وأنهم واعون فإنهم لا يبذلون أي جهد من أجل تحصيله واكتسابه، وإلى اليوم لم يتغير شيء في هذا الوضع .
إن هناك مهمة جديدة مطروحة لا تكاد تدركها العين الإنسانية، ولا تكاد تتعرف عليها، وتعترف بها، وهي مهمة تمثُّل وتجسيد المعرفة وجعلها مسألة غريزية. وهذه المهمة لا يملك أن يدركها إلا أولئك الذين فهمو أننا ، إلى الأبد، لم نتمثل إلا أخطاءنا، وأن كل الجانب الواعي فينا لا يتعلق إلا بمجموعة من الأخطاء .

بعيدا عن فلسفة الوعي و الغريزة، ما أثار انتباهي هو ما قاله على أن الناس لم يطوروا الوعي لأهمه اعتقدوه كاملا، ربما هذا أكثر ما أقنعني، إذ يمكننا إسقاط ذلك على حياتنا، على أنفسنا، الكثير من الجوانب فينا نعتقد أنها كاملة لهذا لا نطورها. بهذا فإن أول طريق للمعرفة هو أن تعرف أنك لا تعرف. هل تتفق معي؟

و عودة إلى الوعي و الغريزة، ربما الوعي بالفعل مسؤول عن الكثير من الأخطاء، لكن أليست الغريزة أيضا مسؤولة عن بعض الأخطاء؟

ما أثار انتباهي أيضا هو ما قاله في بداية النص من أن الوعي هو آخر درجات تطور الجهاز العضوي، ما المقصود بذلك؟ هل الوعي ضمن الجهاز العضوي أوليس غير ملموس؟

ما رأيك أنت؟ هل تتفق مع نيتشه؟ أيهما أقوى، الغريزة أم الوعي؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

"كلما عرفت؛ عرفت أنني لا أعرف شيئًا".. أعتقد أن ذلك هو المعنى الأقرب لمعنى الوعي، أيضًا الوعي يعني ارتفاع نسبة المعرفة والنضج ومراجعة الأخطاء السابقة، الوعي والغريزة كلاهما غير ملموس ولكنه شئ داخلي أقوى من ذلك..

أعتقد أيضًا أن الوعي أقوى من الغريزة، بإمكان الوعي أن يتحكم بالغريزة ويحاسب النفس على الأفعال التلقائية الناجمة عن غريزته سواء كانت الغزيزة ميولها خيرًا أم شرًا.

تفسيري للأمر يأتي من أن الغريزة أقوى من الوعي، لسيطرتها علينا بشكل غريزي، وقوة الغريزة تكمن في تلقائيتها فالحب غريزة والنوم غريزة وأغلب سلوكياتنا تقع تحت السلوك التلقائي، فمثلا النظام التلقائي يعتني بمعظم سلوكياتنا ويتصف إنه سريع، غير واعي ، قادر على التفكير بالتوازي (بمعنى أنه يمكنه التعامل مع العديد من العمليات في نفس الوقت)، ترابطي (يجمع الأشياء التي تبدو متشابهة معًا) ويفعل كل ذلك دون أن نستهلك جهدا كبيرا، على عكس التفكير العكسي هي عملية بطيئة، واعية، ومتسلسلة (بمعنى أن عملية واحدة فقط يمكن أن تحدث في أي وقت)، وتحليلية وتستهلك الكثير من الجهد. 

وهنا تأتي قوة الغريزة التي يقصدها نتشيه وهي أنها المسيطر الأكبر على تصرفاتنا.

ممم، شكرا لك نورا، لقد فهمت الآن.

في البداية أعتقد أن الوعي لا يعد أمرآ مكتسبآ ومكتملآ منذ ولادتنا بل يتم اكتسابه في حياتنا ككل .قد نجد ان هناك تفاوت بين الأشخاص في درجات الوعي ومع ذلك يؤكدون ان الانسان يولد ووعيه كاملآ .يعتقدالناس أيضآ ان الغريزة أكبر واقوى من الوعي فيركزون ويصبون اهتماماتهم علي الغريزة.من وجهة نظري الوعي هي عملية مستمرة منذ لحظة ولادتنا حتى ذهابنا للحد وبالفعل هناك تفاوت بين الأشخاص من حيث درجات الوعي.

في اعتقادي أن اكتساب المعرفة والاشخاص الذين نقابلهم في حياتنا لهم دور في رفع درجة الوعي من ناحية اكتساب المعرفة اول ما يجب ان يقوم به الشخص لاكتساب المعرفة والخبرات هو عمل بما يسمى بالتخلية والتحلية .فيما يتلعق بزيادة الوعي المتعلق بلاشخاص فان كل شخص تقابله في حياتك له سبب ورسالة فاذا ما فهمت رسالة وهدف هذا الشخص في حياتك فان درجة الوعي سترتفع لمرجلة اعلى منها واكثر امتاعآ .

في نظري اعتقاد الناس بان الغريزة اقوى من الوعى هو اعتقاد خاطئ لكن ما دفعهم لقول ذلك هو انهم تم خداعهم من ملايين السنين بان الغريزة هي اقوى من الوعى لاطنهم بلفعل لم يقومو بتكريس انفسهم ولو لحقيقة ان الوعي اقوى

الغريزة هي اقوى، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل انسان يولد على الفطرة" والفطرة هي الإسلام ثم يأتي أبواه فيجعلانه نصرانيا أو يهودياً، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا أن الفطرة في أساسها أقوى من التجربة والثقافة المجتمعية السائدة، وهذا ما يقوله نيتشه بالضبط أن الإنسان يحن إلى أصله، فالفطرة أصل متجذر والوعي تجارب مكتسبة، يعجبني نيتشه كثيرا وأحب فلسفته، ودائما أقول إنه لم يفصله عن الإسلام سوى الشهادتين، فهو يتقاطع كثيراً في فلسفته مع وحدانية الله عز وجل

أظنك لم تقرئي نقد نيتشه للمسيحية، حاولي ذلك و ردي علي.

بخصوص السؤال الأول أفق معك إلى أبعد الحدود، لأن حاجتنا للمعرفة هي بالضرورة التي تدفعنا نحو السعي للمزيد من المعرفة. فكل فرد في هذا العالم يبحث عما ينقصه، ومادامت المعارف تتجدد باستمرار فنحن في حاجة دائمة إلى ملاحقتها لتحصيلها.

أليست الغريزة أيضا مسؤولة عن بعض الأخطاء؟

فعلا الغريزة مسؤولة على جزء كبير من أخطائنا في بداية الأمر، لكن سرعان ما تتحول المسؤولية نحو الوعي، قد نميل في البداية غريزيا من دون وعي، لكن ينبغي العدول عن الخطأ بمجرد الوعي به. وإن لم نفعل فمعنى ذلك أننا نفعل ذلك عن قصد. وهنا تتحول المسؤولية مباشرة نحو الوعي.

الجانب الواعي من النفس هو آخر درجات تطور الجهاز العضوي، ومن ثمة فهو الأقل اكتمالا والأكثر هشاشة . فالكثير من الزلات يعود أصلها إلى هذا القسم الواعي، كما تصدر عنه الكثير من الأشياء الحقيرة التي يمكن أن تجعل أي حيوان أو أي إنسان يفنى قبل أوانه

أعتقد أن الوعي يقع في خط التماس بين ما سماه الجاحظ قديما النفس البهيمية والعاقلة، البهيمية أي الجانب الحيواني الغريزي في البشر، والذي يشترك فيه مع باقي الحيوانات الأخرى، ثم العاقلة الجانب العاقل من البشر؛ الجانب الواعي، هذا الجانب أكثر هشاشة فعلا لأنه مسؤول أولا عن الزلات التي تقع فيها الغريزة ويتحمل مسؤولية منعها. أو على الأقل تصحيحها، لأن عدم القيام بذلك يسقطنا في حالة التمادي. وبالتالي الانغماس في الخطأ عن قصد وبشكل واعٍ.

ما رأيك أنت؟ هل تتفق مع نيتشه؟ أيهما أقوى، الغريزة أم الوعي؟

يبدو أن الجانب الغريزي يكون أقوى في حالة ما كان الإنسان يتصرف على سجيته بعيدا عن الرقابة الاجتماعية أو غيرها.

في حين أن الجانب الواعي يتقوى حالما تتدخل الرقابة الاجتماعية والقانونية والأخلاقية...

التصرفات الغريزية تطورت عبر ملايين السنين لينحو الإنسان. حتى الوعي الذي يقصد به ادراك الأنا والآخر يحصل في الدماغ الذي تطور أيضا وأصبح أكبر حجما. ربما أوافقه نوعا ما لكن بطريقة مختلفة. عامة الناس الذين لا يملكون وعيا كبيرا بوعيهم والذين يملؤهم اليقين ويتصرفون وفقا للنظام العام الاجتماعي سيكون الدماغ في صالحهم لانه يتصرف بالشكل الصحي لأجل النجاة كما أنهم معرضون أقل للأمراض العقلية. مجاراة الوعي ومحاولة تطويره بقدر ما كان ملهما أولا وصانعا للحضارة التي نحن عليها اليوم هو نفسه سبب المعاناة. الموضوع مهم جدا ومغقد جدا.. ربما سأعود له في مقالة مستقبلية..

الأكيد ان التصرفات الغريزية احتمالية ان تؤدي إلى النجاة أكبر من التعقيدات التي تنتج عن الوعي. مع العلم ان الوعي أيضا غريزي.

الوعي هو آخر درجات تطور الجهاز العضوي: نعم الوعي هو النتيجة النهائية لحد الان لتطور الدماغ. الوعي هو اصطلاح يقصد به الإيمان والقدرة على التخيل وادراك الانا والاخر. لفهم هذه الجزئية ستجدين مقابلة اعلامية على اليوتيب مع عالم اعصاب مترجمة بالعربية عن موضوع الوعي على قناة روسيا بالعربية على ما اظن.

اعتذر على الأخطاء في كتابتي. لم أرد تجاوز الموضوع دون تعليق لانه مهم جدا. كتبت التعليق من الهاتف خارج مكتب العمل.

شكرا، تعليقك مفيد حقا.

الأكيد ان التصرفات الغريزية احتمالية ان تؤدي إلى النجاة أكبر من التعقيدات التي تنتج عن الوعي.

أذهلني سماع ذلك. لكن النجاة من ماذا؟

تطورت الغرائز لهدف أسمى وهو بقاء الإنسان واستمرار نسله. النجاة من الهلاك وانقراض الإنسان.

الآن فهمت. إذا الوعي قد يؤدي إلى هلاك الإنسان، هلا أعطيتني مثالا لذلك؟

كلا. الوعي غريزي أيضا وهو أهم ميزة على الاطلاق جعلت الانسان ينجو ويتطور. استحداث الوعي كان ضروريا ونقطة محورية لاستمرار الانسان. الفيديو الذي نصحتك به سيبسط لك الامور أكثر. ما قد يؤدس إلى هلاك الإنسان هو التفكير المعقد والزائد عن اللزوم، الذي مصدره الوعي والفضول. الوعي الغريزي وظيفته هي النجاة. المبالغة في التفكير أو ان تعي فوق اللزوم.. هو أمر إيجابي للمجتمع ومدمر للفرد "المفكر". ليس دائما.. ليس هنالك قاعدة. يختلف الأمر..

قبل ان أذهب الى الغريزة والوعي .. نقول أن المهارات منها ما هو مكتسب ومنها ما هو فطري أي غريزي .. وحين نريد تطوير المهارات يجب ان نعمل على تدريب مهاراتنا واكسابها المعرفة وثقلها بحيث تصبح مهارة قوية مكتسبة والفارق بين من يجتهد في اكتساب المهارة وبين من يملكها غريزيا وعمل على تطويرها، هي مستوى النجاح لكل منهما والتقدم في مجاله.

هكذا يمكننا الان ان نقول أن الغريزة هي جانب فطري موروث لدى الفرد، وهي جزء من التكوين السيكولوجي للفرد. وأما الوعي فهو جزء من منظومة العقل .. فكلما عملنا على تغذية العقل بالمعلومات والمعرفة والتدريب كلما استطعنا ان نرفع من مستوى الوعي لدينا .. وحين يكون جانب الوعي خصب غريزيا فهذا يعني أن الفرد سوف يتنقل بسلاسة وقوة في مجاله .. ولكن ان اهم جانب الوعي فلن تكفيه الغريزة لكي يبدع ويتقدم في مجاله.

ان العقل البشري يلتحم مع العاطفة ويوزع الأدوار في حياة الفرد وهكذا كل الأمور يجب ان نعمل على تطويرها وتدريبها وتحسينها كي تصبح أقوى في القدرة وفي الامكانية.

🔦

الوعي هو انبعاث من غريزة الإنسان و بدون الغريزة لن يتشكل الوعي البشري و بدون تفاعل الغريزة بمعطيات الطبيعة لن يتشكل الوعي كطاقة تمكن الانسان من احتواء المجرات و النجوم و الكواكب و الأرض و الكائنات التي فيها.

كيف يكون الوعي منبعثا من الغريزة؟

🔦

بلا غريزة لن يتكون الكائن الحي و بلا كائن حي لن يتكون الوعي.

أعتقد أن الغريزة هي الأصل، وهي الموجِّه الأول. أما الوعي فهو محاولة تنظيم هذه الغريزة؛ وبالتالي فهو أكثر "عقلانية" منها، ولكن الغريزة هي المتحكم الفعلي في المواقف الصعبة.

قد تكون الغريزة امتع واجمل ولكن على الانسان ان ينتصر بقوة الوعي.