تفاهة الشر: ماهو أصل الشرور في العالم؟
- khouloud_benzeghba
- 2022-10-29T14:20:05+00:00
- 2022-10-29T15:15:40+00:00
كشاب يحترق فؤاده كل يوم من هول ما تراه من تعذيب ووحشية بحق الكثير منا، لابد أن تكون قد سألت نفسك ذات يوم، أي أيديولوجيا هذه التي قد تدفع شخص لأن يضع رصاصة في قلب شخص آخر وأي دافع يمكن أن يقود شخص لأن يدهس طفلا بدبابة، أو أن يفجر حيا سكنيا؟ هل البشر كائنات شريرة لهذه الدرجة؟
لقد تساءلت الفلسفات لقرون طويلة عن حقيقة الشر ومدى تأصلها في النفس البشرية، وبين من يقول بأن الشر متجذر في الإنسانية منذ الخطيئة الأولى لأبونا آدم وبين من يقول بأن أصل البشرية خير وأن الشر مجرد عارض أو حالة نادرة، ظهرت رأي مختلف تتبناه الفيلسوفة الألمانية من أصول يهودية حنة أرندت، التي تقول بأن الشر هو طبيعة إنسانية لكنه سطحي وتافه، وهو منفصل تماما عن الأيديولوجيا أو الفكر المعقد والعميق أو قناعات راسخة لفعله، ومن هنا تأتي خطورته الحقيقية عكس الخير الذي ينطلق من ايمان راسخ ونية حقيقية.
قصة ارندت مع الشر انطلقت منذ طفولتها، فقد كانت تنحدر من عائلة يهودية تعرضت للتعذيب في المعسكرات النازية واكتوت بنار الهولوكوست، لكنها استطاعت الفرار الى الولايات المتحدة، وأكملت حياتها هناك، توصلت ارندت من خلال دراستها لحالة ضابط يدعى آيخمان ريتشارد بأن حتى أعنف الأشخاص وأكثرهم شرا على الإطلاق ليسوا أشرارا بالفعل كيف ذلك؟
تقول بأن المجرمين والأشرار أمثال أيخمان وغيره من القتلة والطغاة، هم أشخاص تافهون لا أكثر، فهم مجرد أشخاص يقومون بتنفيذ الأوامر المطلوبة منهم دون أي تفكير أو وعي أو نقد، فهم يتبعون مصالحهم الخاصة لا أكثر دون أن يكترثوا بنتائج أفعالهم ، فهم على استعداد لفعل أي شيء في سبيل غاياتهم، وأيخمان ككل الموظفين يفعل نا يفعله من أعمال إجرامية وتقتيل وتعذيب ليس من أجل أيديولوجيا خاصة ، بل للحفاظ على منصبه في الجيش لا أكثر.
إذا طبقنا نظرية أرندت في الشر يمكن أن نفهم سبب كل المشاكل الموجودة في العالم، فالشرير هو مجرد شخص تافه لا قدرة له على تحرير عقله والمجازفة بالتفكير في حلول بديلة، فالشخص الذي يقاتل يعرف جيدا بأن الأرض ليست أرضه ولا حق له فيها، ويعلم جيدا بأنه حلقة في سلسلة ظلم لا إنساني لكنه يستمر في فعله، لأنه ينتظر الامتيازات التي تعطيها الدولة له ولعائلته في بلده، إذا أخذنا تجربة الجنود النفسية من زاوية تاريخية نجد الدراسات التي تتحدث عن الجنود الناجين من حرب الفيتنام مثلا، كلهم يعانون من تشوهات نفسية تصل إلى انتحار فئة كبيرة منهم بسبب إدراكهم للأفعال الوحشية التي يقومون بها، لكنهم مجبرون على فعلها لتحقيق غاية ما، قد تكون تحقيق راتب، أو حماية عائلاتهم واعالتها من طرف الدولة وهكذا.
وأنتم مارأيكم في الشر؟ هل هو أصل في الطبيعة الإنسانية أم مجرد عارض؟ هل تعتقدون أن حنة أرندت محقة في رأيها؟ كيف يمكن أن ننقد نظرية ارندت للوصول الى أسباب أعمق للشر؟
لا أؤمن بوجود نظرية واحدة يمكنها أن تعطي التفسير الشامل والوافي عن أصل الشر، ولا أؤمن أصلا بوجود شرير مطلق أو إنسان خير مطلق، فالفطرة الأساسية للإنسان خيرة ولكنها قابلة بشدة للانخراط في الشر بسبب الكثير من العوامل، فالتبعية والسطحية التي أشارت لها أرندت هي سبب من أسباب كثير لتجلي القابلية للشر.
أؤمن أيضا أن غريزة البقاء هي دافع آخر من دوافع الشر، وهي أصل ما يحدث في العالم من حروب ومحاولات لإلغاء الآخر، فإن لم تطغى المبادئ والأفكار السليمة على طبيعة الإنسان، سيعميه خوفه من الآخر فيتخيله كتهديد ما يولد خوفا كامنا لديه، والخوف بدوره يمكن أن يجعل الشخص شريرا ويعطيه مبررا لأفعاله. فكثر من أولئك الجنود يعتبرون أنهم يقومون بأعمال سامية بل وينفذون أوامر إلهية.
رأيك هذا يدخلنا في متاهات يا نور وعلى الكثير من الاصعدة، اولا ماهي الفطرة ؟ كيف حكمت على الفطرة الانسانية بالخيرية؟ من له الحق في اطلاق هذا النوع من الاحكام ومن اي زاوية؟
ايضا اذا كان الشر نتاج الخوف او غريزة البقاء مثلا فهو ليس شرا إذن مادام هو مرتبط بالأساس بمسبب ضروري وملزم، وهنا تبرز مشكلة الحرية بما أن الانسان ليس حرا في فعله وافعاله الشريرة بالتحديد بفعل عوامل اخرى اذن هل يصح الحكم عليه بالشر ، وماهو الفرق بين الخير والشر في رايك مادام الكل نتيجة حتمية لشيء ما وليس تصرافا حرا؟
لا يوجد دلائل علمية لإثبات فطرة الإنسان، ولكن من منطلق إيماني، ومن مبدأ مدرسة علم النفس التي تؤمن بأن الطفل يولد كصفحة بيضاء، أعتبر الشر شيئ نكتسبه لاحقا ولا نولد فيه، ولكننا بالطبع قابلين له بطبيعتنا. فجميعنا لدينا قابلية، تختلف درجتها بين الشخص والآخر، للقيام بأفعال شريرة، ولدينا أيضا درجات متفاوتة من الضمير (الأنا العليا)، والتي تمنعنا من ذلك. ومن ثم تلعب الظروف الخارجية دورها لربط مصالحنا بأفعال شريرة، وهنا تجتمع عدة عوامل لتحديد ما إذا كان الشخص سيختار القيام بفعل شرير أو سيسلك مسارات خيرة.
انا لا اتفق معك ابدا يا نور في هذه المسألة، فحسب النيرو سابنس وعلم النفس الادراكي لا يوجد حرية واضحة في الاختيار للقيام بفعل شرير ام لا اذا كانت الضروف موحدة، معنى ذلك اذا وضعنا اشخاص نعلم من تاريخهم الشخصي انهم خيرين في نفس الظروف التي دفعت الاشرار للقيام بأعمالهم الشريرة سوف تكون سلوكاتهم شريرة لا محال، لأن حرية الارادة مرهونة باتساع الاحتمالات الممكنة للاختيار، لكن كلما ضاقت الاحتمالات والاختيارات كلما توجهنا نحو نوع واحد من السلوك ..سأوضح بمثلا.
لنفترض ان عمارة تحترق و أحمد يسكن في الطابق الرابع من العمارة، هم الجميع بالهرب ، لكنه تأخر ادراك ان هناك حريق وزاد خوفه من الاختناق او الاحتراق، فأسرع بالنزول، بينما هو نازل في الدرج تعلق بملابسه طفل خائف، لكن يريد فقط انقاذ نفسه من شدة الخوف كل ما يريده هو النفاذ هو وفقط ولا يهمه احد، لكن الطفل يعرقل حركته ويرخره عن النزول ما يجعل احتمالية احتراقه اكبر، فسيظطر احمد لحمل الطفل وانزاله معه وانقاذه، ليس حبا في الطفل بل لكي ينقذ نفسه.
في هذه الحالة احمد لم يقم بفعل خير، ولم تكن له حرية الارادة في اختيار انقاذ الطفل، بل كان مجبر على اختيار فعل خير لانه لا يملك احتمالات واختيارات اخرى، فهو موجه للخير وليس مختاره، في هذه الحالة هل نعتبر فعله خيرا؟ ام انه فعله ليس خير او شر؟ برأيك يا نور هل نعتبر الفعل الشرير شر اذا كنا ملزمين به او مدفوعيا إليه؟
مسألة كوننا مسيرين أم مخييرين في تصرفاتنا لا يمكن أن تثبت إثباتا قاطعا من قبل أي علم، فهي مسألة جدا معقدة ولا أعتبرها قابلة لإجراء دراسات، ويوجد الكثير من الأحداث المشهورة التي تثبت أن ما أشرت إليه ليس قاعدة، فالظروف قد تجعل اختيار المسار الصحيح أصعب، وبالطبع تجعل اختيار السلوك السرير الخيار الأسهل، والبشر بغالبهم يميلون لاختيار الأسهل، ولكن هل يعقل بالمنطق أننا فقط رهناء ظروف خارجية كحجارة الشطرنج؟ فوجود حرية لاختيار المسار أمر لا خلاف عليه من حيث المنطق، أو سيكون كل هذا الإبداع في خلقنا عبثيا.
فأذكر منذ بضع سنوات حادثة تفجير عبوة ناسفة في طرابلس في لبنان، لا أذكر التفاصيل الحرفية، ولكن أحد المتواجدين هناك بمجرد أن رأى العبوة، ركض بأقصى سرعى وغمر الذي سيفجر نفسه بأقصى سرعة كي يخفف من الضرر الذي سينتج، وفقد حياته، ولكن كان بمقدوره الهرب بالاتجاه الآخر وربما الخروج بجروح بدلا من الموت، ويوجد الكثير من الحوادث المشابهة التي تثبت أن ليس الجميع يتصرف بنفس الطريقة.
وبخصوص المثال الذي ذكرتيه، لماذا نجزم أن الشخص فعل ذلك فقط لإنقاذ نفسه؟ قد يختلف الدافع من شخص إلى آخر في مثل هذا الموقف، وقد يكون هنالك دافعين، إنقاذ نفسه والطفل. أما بخصوص سؤالك حول "هل نعتبر الفعل الشرير شر اذا كنا ملزمين به او مدفوعيا إليه؟"، أولا، لا يوجد ما يجعلنا ملزمين بالشر، فمثلا إن كان شخصان على متن سفينة تغرق، وكان يوجد قارب نجاة لشخص واحد، ليس شرا أن يختار الشخص نفسه، لأننا مكلفين بأنفسنا قبل كل شيئ. أما في حالات أخرى مثل السرقة لإطعام عائلة أو علاج مريض، أنا للصراحة لا أدري الحكم الأخلاقي الصائب في مثل هذا الموقف والحكم يختلف باختلاف تفاصيل الموقف الصغيرة، فهو بالنهاية سلوك خاطئ ولكن ليس معيارا للحكم بأن الشخص شرير، كمن يسرق لمجرد الاستمتاع بالمال أو من يبيع منتجات غير مطابقة لمعايير الصحة كي يجني ثروة.
فهو بالنهاية سلوك خاطئ ولكن ليس معيارا للحكم بأن الشخص شرير،
المشكلة الكبرى التي ستواجهنا كباحثين في علم الاخلاق هي كيفية الحكم الصحيحة على الفعل الخلقي، بالخير والشر، هل النية هي ام الفعل نفسه، إذا كانت النية هي الحكم، هل النية الخيرة معيار للخير بحق ام هي مربوطة بالنتيجة ؟ اذا كان الفعل هو المعيار هل يكون فعلا خيرا اذا كانت نتيجته خيرة ونيته شريرة؟
لنفترض أنك جدتك المريضة طلبت منك احضار الدواء لها ومساعدتها في تناوله لانها متعودة على ان يعطيها الاخرون الدواء، لكن قمت بالخطأ بإعطائها دواء اخر او جرعة زائدة وماتت بسببها؟ في هذه الحالة قد وقع الفعل بعكس النية هل يعتبر شرا؟
يجب أن نتعمق في تفاصيل أكثر للحكم. فإن أحضرت لها الدواء باستعجال مني وأنا ملهية في الدردشة على الهاتف، نعتبره إهمال وقلة الحرص، وهو سلوك خاطئ، فقد لا يكون شرا بمعنى الشر المتعارف عليه، أي القصد في إلحاق الأذى، ولكن لا بد أنه خطأ. أما إن كنت أنا قد أحضرت الدواء وأريتها إياه وهي لم تنتبه أنه ليس هو، أو لم تصحح الجرعة لي، فهنا يرفع الخطأ عني. في الحالتين لا يمكن تصنيفه بمستوى شر جريمة القتل، ففي المحكمة يوجد قتل متعمد وقتل غير متعمد، والحكم يختلف، ولذلك لا يمكن تصنيف الفعل من منطلق أنه خير أم شر فقط، بل الخير والشر هما درجات.
صحيح توجد علاقة بين التاريخ الوراثي للشخص وبين سلوكياته وافعاله الخيرة والشريرة على السواء، لكن الشخصية النهائية تتحكم فيها عدة عوامل اخرى، يعد التاريخ الوراثي جزء صغير منها، فالجزء الاهم في الحكم على المستقبل السلوكي للشخص هو طفولته وتنشأته والعوامل الهرمونيةو المستوى العقلي والنفسي والحالة البدنية والحالة الاقتصادية للشخص ثم جيناته التي تشكل 1% فقط من معيار الحكم .
نعم قد يكون ذلك صحيح، قد يولد شخص معين بميل للشر أكثر من غيره، فنلاحظ الأنانية والعنف عند بعض الأطفال من عمر صغير، ولكن هذا لا يعني أن الشخص شرير بالمطلق ولا يمتلك أي جانب خير في حياته.
فلسفيا لا وجود اشيء مطلق، لا خير مطلق ولا شر مطلق، هذه الفكرة ولدت وماتت مع أفلاطون في نظرية المثل، بأن هناك عالم أخر يسميه هو بعالم المعقولات وهو عالم كل شيء فيه مطلق، الخير المطلق والجمال المطلق والحب المطلق، وهو عالم لا وجود فيه للشر او السوء او الالم، لانه عالم الحقيقةذي توجد فيه الكائنات الخالدة فقط، وان كل الكائنات قد خلقت في ذلك العالم وكل الحقائق موجوده فيه، لكن هذه المخلوقات لما انتقلت للعيش في عالمنا الحالي الذي هو عالم ضلال الحقائق نست كل الحقائق المطلقة والخير المطلق التي تعلمتها في العالم الاول.
لكن هذه الفكرة سرعان ما جاء بعدها تلميذه ارسطوا وحول نظريته الى منحى ثان وهو انه لا يوجد عالم اخر غير العالم الواقعي، ولا وجود لشيء مطلق ، فكل شيء نسبي حتى الخير والشر نسبيين والجمال والحقيقة ايضا ... وسوف يستمر هذا الفكر الى اليوم على ان كل شيء نسبي، حتى الحقيقة و العلم هما احتماليين اي انهما دقيقين ولكن هناك نسبة ضيئة دائما للخطأ.
لكن ما اثار فضولي يا هو معيار الحكم على الشر، متى نقول عن شيء انه شر، فهناك افعال شريرة لكننا لا نصنفها بأنها شر وهناك افعال خيرة ونعتبرها شر، فمثلا النميمية تعتبر شرا لدى معظم الناس لكنها حسب علماء الانثروبولوجيا والبيولوجيا تعتبر خير وهي سبب اساسي من اسباب تطور البشر واستمرارهم، في نفس الوقت الطاعة رغم انها فعل خير القصد من وراءه تعزيز المحبة والثقة، لكنها ايضا حسب الانثروبولوجيا هي شر كبير ادى الى انهيار تجارات وبلدان ...فما رأيك يا نور ..ماهو معيار الحكم على الشر بأنه شر ؟؟
للوصول إلى حكم صحيح ودقيق، يجب دراسة الموقف من كل جوانبه وتفاصيله، ولذلك عمل القاضي معقد ويعاونه فيه هيئة وباحثون ويتم عقد جلسات عديدة حتى يتم التوصل إلى الحكم، ويتيبن في بعض الأحيان حتى أن الحكم لم يكن صائبا. ففي الكثير من الأحيان، الحكم الدقيق هو قدرة تفوق قدرتنا كبشر، ولهذا تقليل أحكامنا على الآخرين وأفعالهم قدر الإمكان هو الخيار الأمثل. ولكن إن كان لابد من تكوين فكرة معينة عن فعل ما، ينبغي بداية دراسة النية والدافع، فقد أتسبب بأذية شخص ما وأنا في نيتي مساعدته، فهل يمكننا أن نعتبر ذلك شرا؟ ولكن بالطبع لا يمكن أن نقتل شخصا ونقول أننا ننوي إراحته من مرضه. فيجب أن تكون النية صافية ولكن أيضا ضمن حدود معقولة، لا أن تصبح مبررا للشر.
ولكن بالطبع لا يمكن أن نقتل شخصا ونقول أننا ننوي إراحته من مرضه. فيجب أن تكون النية صافية ولكن أيضا ضمن حدود معقولة، لا أن تصبح مبررا للشر.
يوجد مبحث علمي كبير اطلق في التسعينات في كندا يسمى بالبيوطيقا او البيوايتقا، يناقش مختلف القضايا المستجدة في الطب من زاوية اخلاقية، واحدة من اهم المشكلات التي يناقشها هي سؤال هل تعد مساعدة شخص ميؤوس من حياته على الموت امرا أخلاقية، او ما يعرف بالموت الرحيم.
وصلت بعض المنظمات الحقوقية والوكالات الى أن قتل شخص ميؤوس من حياته أو مساعدة شخص يريد الموت بإرادته هو فعل مقبول وخير لانه يقدم خدمة للشخص تتسبب براحته من عذابه المرير، وقد اتجهت الكثير من الدول الاوروبية اليوم إلى تقنين هذا الامر في اقطارها، واعتبار ان قتل شخص بموافقته الموثقة امر مسموح واخلاقي... وليس شرا بأي حال، وهنا نرى ان مصطح الشر هو مصطلح مطاطي ويمكن التلاعب به وتغيير معناه بحسب الاستعمال..فبعد ما كان القتل جريمة لا يمكن ان تغفر باي حال ولا مبرر لها مهما كان، اصبح اليوم يلطف القتل ويعرض على انه مساعدة فيسمى قتلا رحيما!
نيتي من قولي "أن نقتل شخصا ونقول أننا ننوي إراحته من مرضه" أن نقتل دون طلب من الشخص، أي أن أنزعج مثلا من خدمة شخص مريض أصبح يشكل عبأ علي، فأبرر لنفسي قتله. أما موضوع القتل الرحيم بطلب من الشخص، فهو قد يبدو صائبا من حيث المنطق الإنساني، وأنا أؤمن أن لكل شخص حرية تقرير مصيره مهما كان قراره، وإن طلب أحد أفراد عائلتي ذلك، سأحترم مطلبه، ولكن حتى وإن قام مركز بحثي كبير بتبرير ذلك، فهو لا يزال غير صائب. فيجب أن نؤمن أن بعض الأشياء في الحياة هي أبعد من استيعابنا، ولا يحق لنا تقرير إنهاء حياتنا مهما كان السبب، فحياتنا ستنتهي في الوقت المناسب لها أن تنتهي. وأصلا كم سمعنا عن أشخاص تعافوا بشكل فجائي بعد أن كانوا على بعد أيام من الموت؟ فهذه الحوادث تحصل، ولا يمكن البت بنسبة 100% أن الشخص سيموت.
أعترض على هذا التناول لسبب وجيه، وهو مدى القدرة على النجاح في زعزعة الاستقرار. لأن التعامل مع الشر كشيء غير مستقر هو أمر بطبعه يمثّل مخالفة للمنطق. الشر هنا دخيل، تلك هي المشكلة. أجد دائمًا أن فكرة البقاء تعتمد على الشر، لا الخير، إذا ما أرصرّينا أساسًا على تسميته بذلك الاسم. تهميش الشرير -كما نطلق عليه- ليس بالمسار الصحيح لتناول هوس الكائن الحي بالسيطرة على نصيب الآخر من القدرة على البقاء، وبالتالي فالبحث عن القوّة أو السلطة أو المال لا يمكن أن يعتبر شيئًا تافهًا أو هامشيًا. ولتحديد منهج سليم لمواجهة منطق الشرير، يجب أن يتم تناول الأمر من جهة جدال أو عراك حقيقية، لا تتمثّل في الاستخفاف بمدى تأثير هذا الشخص على العالم.
احترم اعتراضك ياعلي، لكن يبدو ان الفكرة لم تتضح لك بالشكل الصحيح ناهيك عن لخبطة في المفاهيم لذلك، لذلك اسمحلي ان ابسط الامر أكثر.
تفاهة الشر لا تعني تفاهة المشكلة او استحقارها وتصغيرها، ولا تعني بأنها هامشية فالتافه لا يعني الهامشي بل يعني البسيط، اما الهامشي فرديفه هو الثانوي وليس البسيط التافه.
حنة ارندت تقصد بتفاهة الشر أي بعيد عن تعقيدات الايدولوجيا والسياسة كما نعتقد بل هو بسيط كمهفوم رغم تعقيده كسلوك .فالشر لا يرتبط بنزعة او توجه بل راجع لغاية ما في عقل الشرير وهذا ما يجعله مشكلة بسيطة قابلة للحل، اذا استطعنا معرفة غايات الناس وتحقيقها يمكن ان نتحكم في انتشار الشرور وتقليصها بشكل كبير.
مسألة منطق الشر، هي جملة غير دقيقة على الاطلاق، لان الشر لا منطق له، فهو سلوك ولا يصح ان ننسب المنطق لسلوك ما، فالشر كسلوك محكوم برغبة ما في الامتلاك او السيطرة والرغبة عارية عن اي منطق او تعقل، لذلك تقول ارندت ان الشر تافه، لان الشرير ينزل الى مستوى تافه وتبع شهواته ومصالحه التي تجعل منه شخصا مغفلا وتافها ومستعبد .
منذ الحرب العالمية الثانية ، أصبح الفلاسفة الأخلاقيون والسياسيون والقانونيون مهتمين بشكل متزايد بمفهوم الشر. هذا الاهتمام كان مدفوعًا جزئيًا بنسب "الشر'' من قبل أشخاص عاديين وعلماء اجتماع وصحفيين وسياسيين أثناء محاولتهم فهم الفظائع والأهوال المختلفة والرد عليها ، مثل الإبادة الجماعية والهجمات الإرهابية والقتل الجماعي والتعذيب والقتل. ملاحظة أن هناك على الأقل مفهومين للشر: مفهوم واسع ومفهوم ضيق. ينتقي المفهوم الواسع أي حالة سيئة أو عمل غير مشروع أو عيب في الشخصية. إن معاناة وجع الأسنان شر بالمعنى الواسع كما هي كذبة غير مؤذية. ينقسم الشر بمعناه الواسع إلى فئتين: الشر الطبيعي والشر الأخلاقي. الشرور الطبيعية هي حالات سيئة لا تنجم عن نوايا أو إهمال الوكلاء الأخلاقيين. الأعاصير وآلام الأسنان أمثلة على الشرور الطبيعية. على النقيض من ذلك ، تنجم الشرور الأخلاقية عن نوايا أو إهمال الوكلاء الأخلاقيين. القتل والكذب أمثلة على الشرور الأخلاقية.
وأنتم مارأيكم في الشر؟ هل هو أصل في الطبيعة الإنسانية أم مجرد عارض؟
أعتقد أن الشر هو طبيعة إنسانية متفاعلة مع الإنسان يكتسبها من عوارضه الأنانية أو الإنتقامية.
كيف يمكن أن ننقد نظرية ارندت للوصول الى أسباب أعمق للشر؟
يمكن أن تكون النظرية مطابقة للواقع إلا أنها في بعض نقاطها تكون نسبية مثلا الحالة النفسية الشرير يمكن أن لا يكون الشخص تافه إلا أنه شرير متشبع بمعاني الأنانية والتشوهات النفسية والانتقام.
نوهتي يا نشوة الى انواع الشرور وهذه إظافة جيدة سأضيف عليها بعض النقاط والتصحيحات.. بالنسبة للشرور هناك الشرور الخارجية المتعلقة بالحياة والشرور الداخلية المتعلقة بالنفس، اما الاولى فهي كل ما يتعلق بالألم والمعانات، مثل الظواهر الطبيعية، الآلام، الامراض، الفقر، الموت، العجز، الشيخوخة، هذا المعنى من الشر نجده في الفلسفات العقلية مثل البوذية التي تعتبر ان كل ما يسبب ألم هو شر، اما الشرور الداخلية، فهي مايتعلق بالنوايا والافعال والمشاعر السلبية مثل الحقد والغدر والكره ... وهي اسباب الافعال الملموسة التي نعرفها بالشر المادي.
اما النوع الثاني من الشرور وهو الشرور الذاتية التي تأتي من داخل الشخص فهي نوعان شرور قصدية وشرور غير قصدية، عامل الحكم فيها هو النية التي هي بدورها تحتاج إلى بحث وتساؤل... فيه مثال طريف يشكل معظلة في علم الاخلاق يقول :
ان امرأة عجوز ولنسميها خديجة تعطي ابن الجيران سندويشة زبدة الفول السوداني اشتهتها له ولنسميه احمد،لدينا سيناريوهين :
السناريو الاول ان خديجة ستعطي السنادويشة لأحمد لكن احمد لذيه حساسية من زبدة الفول السوداني وبمجرد ان يأكلها يموت، لكن خديجة لا تعلم، فهي تنوي ان تعطيه شيء السندويتشة من حبها لها ولا تريد ايذاءه لكنها قتلته دون قصد منها.
السيناريو الثاني ان خديجة تعلم بأن احمد يعاني من حساسية زبدة الفول السوداني ومع ذلك اعطته السندويتشة مع علمها انها ستقتله وقصدت ذلك لكن لسبب ما احمد اكلها ولم يمت.
هل يعني بأن خديجة في السناريو الاول شريرة وفي السناريو الثاني خيرة؟
هل النية في الخير تغفر للشخص سلوكات بنتائج سيئة ؟
هل عدم تحقق نية القتل في هذه الحالة يعني عدم وقوع الشر بالفعل؟
هل نية الخير مع وقوع الشر يعيني انه شر؟
اترك لك الاجابة صديقتي
خروجا من مأزق الخير و الشر اللذين لا يتفق عليهما أحدا أبدا كان مفهوم نسبية الأفكار ، بحيث يغدو كلاهما نتاج تفسيرنا للواقع وهو امر نسبى جدا لا يمكن توحيده ، لذلك كل الفلسفات التى تجاوزت هذين الفكرتين( الخير و الشر ) اتجهت مباشرة نحو خلق طريقة عامة و مثلى للتفكير تكون هى الموجه الأول لطريقة تفسيرنا للحياة لترسم هذه الفلسفات نسقا عاما يمكن من خلاله ان نفكر ثم نتصرف .
لذلك فإن مجمل كتابات نيتشه من وجهة نظرى إنما تهدف إلى خلق عقلية علمية من الدرجة الأولى تعتمد على البرهان لا الإيمان لتكون التجربة و الملاحظة هم اساس حكمنا على ما هو خير و ماهو شر و لذلك فإنه يعتبر ان قمة الخير ان وجد هذا المصطلح اساسا ان لا تنساق وراء إيمانا موروثا دون اختباره على أرض الحياة بالتجربة الفردية و العلم .
وتجد اتجاه اخر مثل الصوفيين يحددون الخير و الشر من خلال قلبك اذا كان نقيا لدرجة يصلح معها ان يحكم وان سر نقاؤه يكمن فى الحب لا العشق ، و الحب هو ما سيقودك إلى الخير حتما .
و البوذيون يبدأون احكامهم من القلب أيضا ، لكنهم لا يرون ان فى هذه الحياة خير او شر ، إنما هى الدنيا تدور وفقا لقوانينها و علينا أن نتناغم معها وان نجعل تصرفاتنا تتماشى مع قوانين الكون ، و ذلك هو التوازن .
وانا أضع فى اعتبارى كل هذه الاتجاهات ، وأظن أنها جميعا تشرح مسألة واحدة من زوايا مختلفة .
- حذف بواسطة المستخدم
من الجميل ان نستذكر موقف نيتشه في مسألة الخير والشر التي هي مسألة مفصلية في كتاباتة جميعا، نجده في كتابه اصل الخير والشر وكتابه انسان مفرط في انسانية يركز على توضيح معنى الخير والشر كماقابل للقوة والضعف، انطلاقا من نظرية العبد والسيد التي يبني عليها كل نظرياته الفلسفية، فالخير هو كل ما يعود علينا بالقوة ، فالشجاعة والبطولة المغامرة والرفض خير والجبن والطاعة والخوف والقبول شر، لذلك فهو لا يرى مثلا في ان شخص مثل هتلر شخص شرير بالعكس يعتبره بطل شجاع وقوي يعرف ما يريد، فالعبودية والقبول بالافكار السائدة هي من اخلاق الضعفاء كما يسميها اما اخلاق الاقوياء فهي عكس ذلك تمام.
و البوذيون يبدأون احكامهم من القلب أيضا ، لكنهم لا يرون ان فى هذه الحياة خير او شر ، إنما هى الدنيا تدور وفقا لقوانينها و علينا أن نتناغم معها وان نجعل تصرفاتنا تتماشى مع قوانين الكون ، و ذلك هو التوازن .
هذه فكرة غير دقيقة اسمحلي بتصحيحها استاذ بلال، البوذية تعتبر ان المركز هو العقل لا القلب والقلب هو مصدر كل الشرور، لانه هو الذي يدفع للشهوات والملذات التي هي مسبب الشر الأول، فالعقل هو لجام القلب والشهوة ، الشهوة التي تسبب الالم والمعاناة ، والالم هو شر الشرور في البوذية.
الشرور في البوذية كلها مرتبة بالالم والمعانات وهي اربع شرور كبرى تتفرع عنها بقية الشرور، شر المرض، الموت، العجز، الفقر، لا تعطي البوذية طريقة للتخلص من الشرور لكنها تضع لنا منهجا فكريا للتقليل من الالم والمعاناة التي تسببها، وهي ما يعرف بالوصايا العشر لبوذا .
اما الفكرة التي قلت عنها وهي التوافق مع القوانين والتناغم معها فهي فكرة المدرسة الرواقية ولا علاقة لها بالبوذية لان البوذية تدعوا لمحاربة الطبيعة وليس التوافق معها، فهي تدعو لكبح الشهوات الطبيعة كا شهوة الجنس وشهوة المال وشهوة اللهو، وتدعو للزهد والتقشف والتقليل في كل شيء حتى انه يعرف عن بوذا انه كان " يأكل حبة رز وأشرب كأس ماء في اليوم لخضع جسده ويعلمه كبح رغباته.
لكن اسمحلي ان نعيد التفكير معا بجدية اكبر في علاقة الخير والشر بالقوة والضعف، فكما لاحظنا ان الفلسفات التي عرضناها على الاقل تربط بين الخير والشر والضعف والقوة او الالم واللذة، لكن هل صحيح ان الالم واللذة او القوة والضعف هما قرينتين ملازمتين للخير والشر في رأيك؟
قرأت مؤخرا عن قصة نصاب نيجري ثري جدا يقوم ببيع مطار وهمي لدولة البرازيل في عملية نصب هائلة، مع العلم انه كان قوي فقد كان صاحب نفوذ واسع في نيجيريا وصاحب اموال كبيرة فيها ، لكن مع ذلك اقترف افعال شريرة، فهو لم ينصب لانه فقير فنعتبر ان الضعف والفقر هما سبب شره، ولكنه كان قوي ، اي ان الشر هنا ارتبط بالقوة وليس بالضعف كما قال نيتشه... فما تحليلك لهذا الامر ؟
أولا : كتابتك مهمة مثل ردودك وتحية لك
ثانيا : هتلر زج على كتابات نيتشه ، و نيتشه برئ منه تماما و لو كانا تقابلا لدعى نيتشه لمحاربة هتلر ، لأن هتلر اختزل العلم فى السلاح ، و تجاوز حدود الرفض إلى فرض الهيمنة ، ونسب لنفسه أنه يتبنى آراء نيتشه و نيتشه من ذلك برئ ، لأن نيتشه كان يدعوا باستمرار لعقل علمى ، ويحفزه للدفاع عن نفسه وليس فرض الهيمنة و الاعتداء على الآخر .
ثالثا : بالنسبة للبوذيين فإن القلب مركز السلام ، وليس مركز الشهوة ، و الشهوة هى منبع الشر و ليس القلب ، وأكبر دليل على ذلك سوترا القلب إقرارها أن الحكمة لا يمكن إدراكها بالفكر وحده ، و يدخل الإحساس ضمن عملية السكاندات الخمسة .
رابعا : بالنسبة لسؤالك عن أصل الشرور ؛ فأنا فى رأيى المتواضع أظنه نتيجة وعينا الشخصى بالحياة ، وبمعنى أدق فلسفتنا التى نكونها نحو الحياة ، وهذا الأمر لا يتعلق بالقوة أو الضعف ، بل يتعلق بكيف نفهم الحياة و كيف نسعى إليها ، وأن مناقشة قضية الخير و الشر من منطلق القوة أو الضعف ، الإيمان أو اللإيمان ، إنما هو اختزال لقضية متسعة جدا ، فى النهاية كل سلوكياتنا هى نتاج فهمنا للحياة إلا فى ظروف استثنائية جدا نفقد معها قدرتنا على التمييز كوطئة الجوع أو الغضب الشديدين .
قد يفهم القوى أن الحياة مفترس و فريسة لذلك سيكون نصاب وقاتل أيضا ، فى حين قد يرى الضعيف أنه لا سبيل أمامه سوى أن يكون أقسى وأعنف من معذبيه بل الكثير من الضعفاء إذا سألتيهم عن طموحاتهم سيبدون إعجابا شديدا أن يكونوا يوما ما مثل جلاديهم ؛ إذا المسألة مسألة وعى ، و هو ما يفرض علينا أن نبحث بنهم عن المعرفة وأن نعترف أن رغم كل العلوم ....مازالت الحياة غامضة لكن طريق المعرفة هو ما يضئ لنا باستمرار الكثير من جوانبها ولا سبيل لنا غير المعرفة ، فالمعرفة خير .... خير كبير .
كل البشر ولدوا على الفطرة لا تشوب شخصياتهم أيّ مشاعر سلبية لهذا نعشق الأطفال لأن شخصيتهم بريئة ونقية، ومع الوقت نتحول لشياطين وأشرار لأننا نضطر للتعامل مع البشر المتحولون.
النفس البشرية تولد كالأرض الخضراء الخصبة ومع الوقت تتصحر بفعل الحياة وقسوتها... ما رأيك كيف نُحصن أنفسنا من العوامل الخارجية، ونحميها من التصحر يا خلود؟
اولا اسمحيلي ان اعيد واكرر تصحيحا لمعلومة سابقة ان مصطلح الفطرة هو مصطلح غير دقيق ولا يمت للعلم ولا الفلسفة بصلة، علينا ان نتفق بأن الاستعمال الصحيح هو الطبيعة، لأن الفطرة مصطلح ديني غير علمي، والاصل هو الطبيعة اي البرمجة البيولوجية في الانسان.. هذه اابرمجة تتأثر بعوامل عدة مع الوقت نتيجة لينتقل الانسان من البرمجة الطبيعة الى لمستوى الثاني من البرمجة وهي الاجتماعية: من الناحية الاخلاقية والمعرفية والثفافية والسلوكية، هذه البرمجة تحدد نوع الشخصية سلوكيا ونفسيا للشخص مستقبلا.
لنفس البشرية تولد كالأرض الخضراء الخصبة ومع الوقت تتصحر بفعل الحياة وقسوتها... ما رأيك كيف نُحصن أنفسنا من العوامل الخارجية، ونحميها من التصحر يا خلود؟
المدارس التجربية في الفلسفة لقيادة جون لوك تقول بأن الانسان يولد صفحة بيضاء سكتب عليها الزمن ما يشاء ..اي المجتمع والعوامل المحيطة هي ما تحدد شكل الصفحة الذي هو الطفل في المستقبل ... لكن هذه النظرية جاءت في سياق الجدال على ان اصل المعرفة هو التجربة ام العقل، فجاءت هذه المقولة لتثبت بأن الانسان لا يدرك الحقائق بعقله ولا يولد عارف ، كما تقول المدارس العقلية بقيادة ديكارت ان الانسان يولد وله قدرة عقلية على اكتشاف الحقيقة من ذاته وانا الحقائق كلها موجودة في العقل وليست خارجه، فتأتي المدارس التجريبية والعلم التجريبي بعدها لتقول بأن المعرفة والحقيقة لا تدرك إلا بالتجريب والممارسة العملية لان العقل يولد فارغ لا يعرف شيء سوى ما نعلمه اياه.
لكنني اعترض على تعميم هذه المقولة على كافة المجالات، ففي موضوع الخير والشر لا يمكن ان نقول بأن الانسان يولد صفحة بيضاء، لانه بالفعل لا يولد صفحة بيضاء فقد اثبت العلم انه سيولد بخلفية أخلاقية وفكرية معينة حسب جينات أهله، سبدأ في مراحله الجينية بتشرب شخصية الام والافراد المحيطة به طول مراحل تكونه الجنيني قبل حتى ان يولد، ما يعني انه قد كون استعدادا لا شعوري لنوع معين من المشاعر والافكار التي سوف تساهم لاشك في تكوين شخصيته المستقبلية.
ما رأيك كيف نُحصن أنفسنا من العوامل الخارجية، ونحميها من التصحر يا خلود؟
بما انني مختصة في الفلسفة المعاصرة التي تعتبر فلسفة عملية جدا ، اجدها جد مقنعة ومسعفة لحل مشاكلنا في الواقع اليومي، تنصحنا هذه الفلسفة بالتعود على النقد ورفض الافكار الوافدة الينا دون تمحيص او تفكيك... فمحاولة نقد الاشياء والمستجدات حولنا سيحصننا من الوقوع في اسرها، خصوصا اذا كنا نعاني من شيء ما، فالمعاناة ناتجة عن تقبل فكرة او شيء لا يجب ان نتقبله من الاساس، فإذا كان مثلا مديرلك في العمل يسبب لك مشاكل نفسية وتعب وارهاق فكري فعليك ان تسألي نفسك عن السبب وتنقدي الوضع القائم من اجل تغييره وتحسينه... وانت ما رأيك يا صديقتي deep كيف يمكن ان نتجاوز عوامل الضغط الخارجي ونحسن من جودة حياتنا؟هل يمكن للشخص البسيط ان يقوم بخطوات فعالة في هذا الامر برأيك؟
أليست اللغة العربية علم يا خلود؟ كلمة فطرة مأخوذة من اللغة العربية.
بعيدًا عن اللغة العربية القرآن الكريم ذكر مصطلح الفطرة "قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ"، وفطر الله الخلق تعني خلقهم وبدأهم.
بالنسبة لي القرآن الكريم واللغة العربية من أول العلوم التي تعلمتها؛ لذا انا أنظر للفطرة من منظور ديني ومنظور علمي أيضًا.
وانت ما رأيك يا صديقتي deep كيف يمكن ان نتجاوز عوامل الضغط الخارجي ونحسن من جودة حياتنا؟هل يمكن للشخص البسيط ان يقوم بخطوات فعالة في هذا الامر برأيك؟
هذا هو نفس السؤال الذي سألته لنفسي اليوم والإجابة كانت خليط بين المواجهة أو تصحيح الأوضاع يعني لو واجهت ضغط في العمل بأيّ شكل فأمامي طريقتين إما مواجهة المشكلة -لو كنت مقتنعة أني مخطئة- والمواجهة هنا ستكون بالإعتراف بالخطأ ثم إصلاحه.
وتصحيح الأوضاع -لو لم أكن مخطئة- أرتب أولوياتي أولًا ثم أقول للحياة والضغوط الخارجية بالمصري: "أهو ده اللي عندي" وأقدم استقالتي من كل شيء يتعارض مع فكري ومبادئي ويؤثر على نفسيتي بالسلب.
وتصحيح الأوضاع -لو لم أكن مخطئة- أرتب أولوياتي أولًا ثم أقول للحياة والضغوط الخارجية بالمصري: "أهو ده اللي عندي" وأقدم استقالتي من كل شيء يتعارض مع فكري ومبادئي ويؤثر على نفسيتي بالسلب
دعيني ارد عليك بالمصري ايضا وأقول لك " هوه ده"، انت تستعملين من غير وعي منك فكر واحدة من اهم المدارس الفلسفية القديمة في فن الحياة وهي فلسفة المدرسة الكلبية، ببساطة مختصرها اللامبالات والعيش بما يمكن والمتاح وما في طاقتنا والتخلي عن تضخيم المسائل وتكبير الامور، فإذا واجهتنا مشكلات لا قدرة لنا عليها ... كل ما علينا هو الرجوع خطوتين للوراء ثم التفكير قليلا في مدى تفاهتها والسخرية عليها والضحك منها بصوت علي ثم المضي قدما في الحياة .
لكن مفهوم الفلسفة الكلبية تعني السلبية الشديدة لهذا سُميت بالتشاؤمية أيضًا، ولكن ما نفعله نحن ليس سلبية أو لا مبالاة بالعكس أنه أسلوب جديد لتخفيف الضغط النفسي والتعامل مع الأمور بمرونة لا إفراط في حقوقنا ولا تفريط.
حتى أعنف الأشخاص وأكثرهم شرا على الإطلاق ليسوا أشرارا بالفعل كيف ذلك؟
كان دائمًا ما يراودني هذا الخاطر عند رؤية هتلر، كنت دائمًا أتساءل عن الجانب الإنساني بداخله.
وأنتم مارأيكم في الشر؟ هل هو أصل في الطبيعة الإنسانية أم مجرد عارض؟
بصراحة يا خلود أنا أبحث عن إجابة، بالأمس كنت أتناقش مع صديقةٍ لي بشأن إحدى النساء التي خططت لأذية سيدة أخرى، فسألت صديقتي عن سبب تخطيطها فقالت صديقتي أنه لا يوجد سبب إلا الغيرة بينهما.
عن نفسي أرى الغيرة غريزة بشرية، ولكن هل هذا يبرر الاذى؟ أن أغار من فلان فألحق الأذى به؟ فقالت صديقتي أنني لا أعرف شيئًا عن التعامل مع البشر، وأن الشر في بعض النفوس أصل متأصل، بينما عقلي لا يستوعب..
ربما يكون منطقيًا رد الأذى، أما البدء به فلا أفهم منطقه أبدًا، لكن أعود فأقول لماذا قتل قابيل هابيل مثلًا؟ هل هو شر فقط؟ ما رأيكِ أنتِ يا خلود؟
مجتمع لمناقشة واستكشاف الأفكار الفلسفية. ناقش المفاهيم، النظريات، وأعمال الفلاسفة. شارك بأسئلتك، تحليلاتك، ونصائحك، وتواصل مع محبي الفلسفة لفهم أعمق للحياة والمعرفة.