"إن للأفكار أجنحة تطير بها لأصحابها"

أصدر رجال الدين فتواهم بأن من "تفلسف فقد تنزندق"، وربطوا الفلسفة بالمفاسد والكفر والهرطقة، وجعلوا تدريسها أمرًا محرّمًا، فزحف الناس إلى بيت ابن رشد وهو من أهم فلاسفة الإسلام وأفضل من قد فهمًا لفلسفة أرسطو على مر التاريخ، و أحرقوا معظم كتبه حتى أصبحت رمادًا، وحين بكى أحد تلامذته بحرقة شديدة، التفت إليه المعلم وقال جملته الشهيرة :"يا بني.. لو كنت تبكي على الكتب المحترقة فاعلم أن للأفكار أجنحة وهي تطير بها إلى أصحابها، لكن لو كنت تبكي على حال العرب المسلمين فاعلم أنك لو حولت بحار العالم لدموع لن تكفيك" وقيل لم يخرج على المسلمين فيلسوف بعده إلا ابن خلدون وكان عالم اجتماع، من بعد ذلك انتقلت فلسفة ابن رشد إلى أوروبا، عن طريق جامعة بادوفا التي درّست ما يعرف بالفلسفة الرشدية اللاتينية، وتتلمذ فيها معظم ممهدي عصر التنوير و الفنانين منهم ليوناردو دافنشي، كوبرنيكوس، وغاليليو.

الكثير من الناس اليوم يجهلون ابن رشد، لكن ابن رشد نفسه كان يؤمن أن أفكاره ستتمكن من الوصول للعقول المستنيرة، وقد وصلت لأوروبا والعالم أجمع وساهمت في صقل فلسفة العلماء والمفكرين والفنانين، فما الذي منع العرب من الاستفادة من فلسفته والنهوض بهاعوضًا عن إهدارها؟

برأيكم لماذا يُنظر للفلسفة ك تهديد للدين دائمًا؟ 

وهل تعتقدون أن الأفكار لا تجد حواجز أمامها وتصل لأصحابها المنشودين؟؟ 

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

وهل تعتقدون أن الأفكار لا تجد حواجز أمامها وتصل لأصحابها المنشودين؟؟ 

في رأيي طالما خرجت الفكرة من رأس صاحبها سواء بالكتابة أو شفاهيا لشخصا آخر فقد بدأت رحلتها حول العالم لتبقى في العالم عمرا أطول من عمر صاحبها.

ما الذي منع العرب من الاستفادة من فلسفته والنهوض بها عوضًا عن إهدارها؟

أظن أن الأمر كان نتيجة عن المزيد والمزيد من التقشّف العلمي الذي أصاب المجتمع العربي، حيث تم استبدال كل الأفكار الانفتاحية شيئًا فشيئًا بالمزيد من الأفكار المنغلقة والمتعصبة، والمزيد من المناهج التي لا تمثّل سوى العصبية والانغلاق الاجتماعي، بالإضافة إلى إهمال المنهج العلمي بالقدر الذي كان كافيًا لدحض كل هذه المناهج وإخفائها.

برأيكم لماذا يُنظر للفلسفة ك تهديد للدين دائمًا؟ 

لا أرى أن أي منهج يمكن أن يكون تهديدًا للآخر، وإنما أجد أن الخلط المستمر والهوس لدى المجتمع العربي بالتوفيق بين كل منهج وآخر هو ما يخلق ذلك التعارض، ولعل المنهج العلمي ومشكلاته في العالم العربي خير مثالٍ على ذلك.

وهل تعتقدون أن الأفكار لا تجد حواجز أمامها وتصل لأصحابها المنشودين؟

بالتأكيد. أوافق رأي ابن رشد في هذه النقطة قلبًا وقالبًا.

بالفعل إن الانغلاق المعرفي الذي حصل، لم يؤدي سوا إلى نماء العصبية، وعودة القبلية التي كادت تطمس في مرحلة ما من التاريخ الإسلامي.

الخلط المستمر والهوس لدى المجتمع العربي بالتوفيق بين كل منهج وآخر هو ما يخلق ذلك التعارض

إننا في مجتمعاتنا لا يمكن أن نقبل حديث علمي بحت، دون أن ننسبه لفكرة توارثناها، أو نص ديني، أو تفسير أحد رجال الدين التي لا تعد ولا تحصى، وأعتقد أن هذا مع الوقت شكل ما يشبه الغشاوة على العقول العربية، وجعلها دائمًا مكبلة في دائرة الراحة خوفًا من التكفير، والعذاب الأليم، مما أعاق مسيرتنا الحضارية لعقود، ولكن ما الحل الذي يمكن أن يتم تقديمه لحل عقدة المجتمعات العربية برأيك؟؟

هل تعتقدين بأنّ علماً لا يقيّد حرية الفكر سوف يكون مقبولاً لدى قصار الفكر؟؟

الأسئلة الحرّة، والأفكار المنفتحة، وطرق جميع الأبواب وافتراضها، هي مسائل تخيف البعض..

الأفكار حرّة.. لا حدود لها.. المشكلة حين نحصرها بتفاصيل نظنها الصحيحة أو حين نؤطرها دون أن نفكر بها دون قيود.

أعتقد أن التقييد للأفكار، يأتي خوفًا من التغيير الذي قد تحدثه هذه الأفكار، فالأمر يتعدى قصار الفكر، إلى أصحاب المصالح المختلفة التي قد تتأثر بالأفكار المستنيرة.

ما الذي منع العرب من الاستفادة من فلسفته والنهوض بهاعوضًا عن إهدارها؟

هو القائل :( تموت روحي بموت الفلسفة ) هو الفيلسوف المثير للجدل عند العرب والغرب أيضًا؛ فلم يكن فكره مقبولاً برمته. وظل الخلاف دائر بين أنصاره من جهة، وبين معارضيه من جهة أخرى حول قائمة من فلسفاته مثل :

عقل جميع الناس واحد وهو واحد بالعدد

ليس هناك من إنسان أول .

أن الله لا يعلم الجزيئات !

وهذه الآراء وغيرها إذا جعلت الغرب يحرف فلسفته وجعلت الكنيسة الكاثوليكية تحارب فكره ، فهي جعلت العرب يغيبوه تماماً ويقتلوا فلسفته في أرضها خاصة وأن هذا يتعارض مع طبيعة الحكم الديني الذي كان سائدًا .

برأيكم لماذا يُنظر للفلسفة ك تهديد للدين دائمًا؟

الدين قائم على الإيمان بالغيب ، أما الفلسفة فهي تخاطب العقل وتُعتبر فن حكمة الإنسان ، وتعتمد على الاستدلال المنطقي والمقدمات في الوصول للنتائج وهذا يتعارض مع شكل الإيمان الذي تطالب به الأديان .وهذا التعارض يقتصر على التعارض الشكلي وليس الموضوعي لكنه لا يتناسب مع طبيعة الخطاب الديني الموجه للأفراد .

لا شك أن أفكاره كانت مختلفة وتتعارض مع كثير من السائد، ولكن الحكم الديني الذي كان سائدًا آن ذاك، والذي كان يقول لا إكراه في الدين، هو ذاته الذي حارب الفلسفة وهي شكل من أشكال حرية الفكر!

وأغفل أهمية الأعمال الاي قدمها ابن رشد للعالم أجمع، وتدخل في تفاصيل فلسفته التي قد تتعارض مع مصالحهم لا مع الدين بالدرجة الأولى.

أولاً أود الإشارة أن أول ظهور للفلسفة في التاريخ الإسلامي كان في عصر الدولة العباسية عندما أدخل الخليفة كتب الفلاسفة اليونانيون إلى الديار الإسلامية وقام بترجمتها وهو الذي عرف عنه اهتمامه بمختلف العلوم وعلى رأسها الفلسفة .

ثانياً الفلسفة بشكل عام ليست من العلوم التجريبية، وهذا ما يجعل كل نظرية فيها قابلة للطعن والتشكيك.

برأيكم لماذا يُنظر للفلسفة ك تهديد للدين دائمًا؟ 

هناك فرع من فروع الفلسفة معني بدراسة الإلهيات وفيه ما فيه من الكفريات والنظريات البعيدة عن المنطق والدين والتي ردّ عليها أبو حامد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة ولن أسهب في الطعن فيها هنا، ولكن مثل تلك النظريات والأفكار المنحرفة التي تفسد عقيدة الشباب والناس البسطاء كان لابد من محاربة وجودها في العالم الإسلامي، ولعلّ هذا ما جعل المسلمين يثورون على الكثير من الفلاسفة سابقاً .

وهذا يقودنا لنقطة أخرى، وهي عدم تكون فهم كامل لدى الناس حول ماهية الفلسفة، فيعاملونها معاملة الزندقة دون فهم أنواعها وفروعها وآدابها، ما دامت فيها بعض الأفكار المنحرفة فيجب محوها كلها، وهذا ما أجج صراع العامة مع الفلاسفة واعتبروهم زنادقة، وربما يعزى ذلك أيضاً إلى تقصير الفلاسفة في محاولة شرح وإفهام الناس شيئاً من علومهم، فيقال أن الفلسفة لما دخلت على المسلمين، كان الفلاسفة يتعمدون الحديث بلغة معقدة لا يفهمها عامة الناس، وهو ما جعل الغزالي يجلب كتبهم ويتدارسها ليبسط لنا مفهوم الفلسفة وأنواعها ويرد على ما فيها من باطل ويواجهه .

 تهافت الفلاسفة : ابتدأت لتحرير هذا الكتاب، ردًا على الفلاسفة القدماء، مبينًا تهافت عقيدتهم، وتناقض كلمتهم، فيما يتعلق بالإلهيات، وكاشفًا عن غوائل مذهبهم، وعوراته التي هي على التحقيق مضاحك العقلاء، وعبرة عند الأذكياء. أعني: ما اختصوا به عن الجماهير والدهماء، من فنون العقائد والآراء
وهل تعتقدون أن الأفكار لا تجد حواجز أمامها وتصل لأصحابها المنشودين؟؟ 

الأفكار لا شيء قادر على محوها وتبديدها، بل هي متواردة تحيا مع البشر ما داموا أحياءاً ولا تموت بموتهم، فإن كلام ابن رشد صحيح، وكم من عالم أحرقت كتبه ولكن وصلتنا أفكاره بعد مئات السنين وعاشت معنا وحجزت لها مكاناً بين أفكارنا .

اتفق مع هذا القول، فالفكرة حتى ولو لم تصلنا بشكلها الكامل -على هيئة كتاب متكامل- فستصلنا مجزءة ويمكن الإستفادة منها والإضافة عليها .

بالفعل بلغت الفلسفة الإسلامية أوج انتشارها في العصر العباسي الذهبي، ومن مكتبة الحكمة في بغداد التي كانت مركز ترجمة وتبادل للعلوم والفلسفة، ولكن هذا كل زال مع تغير الخلفاء، و انحطاط الدولة العباسية، فحوربت الفلسفة بذريعة أنها تهدد الدين، مع أنني أعتقد أن الدين بلا فلسفة يصبح خرافة، ويمكن استغلاله أكبر استغلال، كما حدث ويحدث.

من المهم أن نذكر أن ابن رشد رد على الغزالي في كتاب تهافت التهافت، وهو ما يعتبر عمل مهم يبين قصور فهم الإمام للعلوم الإنسانية عامة والفلسفة خاصة، كما أنني أرى أن المجتمع الإسلامي على اتساعه لا يحتاج لحماية من الفلسفة أو العلم لأن الأفكار ستنتشر بكل الأحوال للعقول المستنيرة

Taqwa_Mubarak أضف ردا

أختلف معك في رأيك فالدين من أساسه قائم على الإيمان بالغيبيات والثوابت، والفلسفة معاكسة لذلك، بل إن فكرة تفسير أمر من الغيبيات بالنظريات الفلسفية هي كالهراء، بل هو مجرد شخص ميزه الله بملكة الخيال الواسع فقام باستخدامها في تفسير كل شيء حتى غيبيات الدين وثوابته وتعديهم إلى الذات الإلهية وهو الأمر الجدير بالمحاربة والوأد .

إن العلم إذا تجاوز على الدين فلا يعد علماً في نظري، لأن الدين نفسه يحث على طلب العلم فكيف يكون داعماً لعلمٍ قائم على التشكيك بثوابته ومصادمته ؟ وربط محاربة الفلسفة بانحطاط الدولة العباسية وتفككها ليس ربطاً منطقياً إلا إذا أخذناه من ناحية الإنفلات الأمني الذي يصاحب سقوط الدول والممالك، ففي حالة الدولة القوية المتمسكة بدينها كان من الممكن القيام بمحاكمة الفلاسفة المتجاوزين ومنعهم من نشر نظرياتهم المنحرفة، أما في حالة الإنفلات الامني للدولة ومع الغيرة الدينية المشتعلة في قلوب الناس، رأينا الردع العنيف للفلاسفة بحرق كتبهم وقتلهم وتكفيرهم .

نعم ابن رشد رد على الغزالي، ولكل وجهة نظره وأنا لا أرى مبرراً من تحويل الأمر إلى مصارعة فلسفية يحطم فيها كل فرد الآخر كما ينادي به البعض .

إلا ابن خلدون وكان عالم اجتماع

بل هو مؤسس علم الاجتماع.

برأيكم لماذا يُنظر للفلسفة ك تهديد للدين دائمًا؟

هناك بعض الأسئلة التي لن يحتملها العقل، لن أطرح شيئا منها حتى لا ألفت إليه، هذه الأسئلة لن يجد لها أحد أجوبة، ولا عيب أن نقول أن العقل قاصر عنها، فالتاريخ أثبت بالفعل أن عقل الإنسان قاصر جدا، وكل حواسه كذلك، والفلسفة تثير الأسئلة في العقل وربما لو وصل العقل لهذه الأسئلة لن يشفي غليله أي جواب، وسأكتفي بذكر سؤال كان يخطر على بالنا جميعا ونحن صغارا: من خلق الله؟

هذا سؤال فلسفي نوعا ما وإجابته هينة للعلم، لكن هناك بعض الأسئلة الخاصة بالذات العلية تحتاج إلى كتب.

فالخوف ليس من الفلسفة من حيث ذاتها، لكن من حيث عدم السيطرة عليها، وهناك أسئلة لا تتعلق بالدين وليس فيها أجوبة ومع ذلك تؤرق من ينشغل بها، مثل لماذا لا أكون طيرا؟

ويضاف إلى ذلك غيرة بعض علماء الفنون الأخرى من خظوة الفلاسفة لدى الحكام، فيؤلبون عليهم العوام، والعوام هوام لا يفقهون.

وهل تعتقدون أن الأفكار لا تجد حواجز أمامها وتصل لأصحابها المنشودين؟

لا أصدق ذلك، فحتى الأفكار تحتاج إلى من يحملها، وكم من علوم ضاعت بسبب انعدام الحملة!.