حضرتُ حفلة لإحدى صديقاتي من الطفولة، وكانت جميلة بكل تفاصيلها… لكن ما لفت نظري أن الجميع
كان منشغلًا بتصوير اللحظة أكثر من عيشها. واحدة تعدّل الزاوية، وأخرى تكرر الضحكة لأن الفيديو الأول طلع مهتز، وأنا هناك، أراقب وأفكر: هل ما زلنا نعيش حقًا؟ أم صارت حياتنا مجموعة لقطات جاهزة للنشر؟ أتذكّر أيام كنا نعيش اللحظة دون أن نفكر في كيف نبدو على الكاميرا… كانت العفوية أجمل من أي فلتر. وكنا نستمتع بتكوين ذكريات كفيلة أن تسعدنا إن استرجعناها بأى وقت.
التعليقات
لأننا نهتم بالتفاعل الرقمي أكثر من التفاعل الواقعي في كل شئ، الدورات الأكثر مبيعاً اليوم ليست دورات أصحاب الخبرة بل دورات أصحاب العدد الأكبر في مشاهدات اللايف واللايكات والكومنت، كذلك المؤثرين وأصحاب الصوت في المجتمع هم متصدري التريند وأصحاب اللقطة، لاعبي الكرة اليوم ليس همهم الفوز بل لقطة أو كوبري أو هدف خرافي ونتيجة ذلك يهدرون فرص كثيرة، كما نهدر نحن الفرص فقط ولا نعيش اللحظة لكي نأخذ لقطة فقط
كلامك مظبوط فعلاً بقينا نعيش اللحظة علشان نوثقها مش نحسّها وكل حاجة بقت مقيّمة بعدد اللايكات مش بقيمتها الحقيقية.
أصبحنا في مرحلة بقت فيها السوشيال ميديا جزء من حياتنا اليومية
بقت تفاصيل حياتنا الخاصة معروضة للعالم كله اللي اتجوز بيصوّر الفرح دقيقة بدقيقة واللي خلف بيعمل بث مباشر من المستشفى واللي مريض بيعلن حالته على الملأ لدرجة إن البعض أصبح يصور تفاصيل يومه لحظة بلحظة.
المشكلة إننا فقدنا المعنى الجميل للخصوصية وبقينا نعيش علشان نُرى مش علشان نحسّ.
يمكن السوشيال ميديا ما أفسدتناش، لكن هي كشفت رغبتنا المستمرة في التصفيق، حتى لو على حساب خصوصيتنا.
لو قدرنا نوازن بين التفاعل الرقمي والتجربة الواقعية، هنرجّع للّحظات معناها بدل ما تبقى مجرد لقطة عابرة.
صحيح وهذا ما ألوم عليه الناس فعلاً لأنهم يهدرون رصيد حياتهم من الإحساس بالحياة و الشعور بها. يكتفون فقط بتسجيلها ثم التفرج عليها لاحقاً من بعيد أو من وراء الشاشات بعد أن يكون الجمع الحقيقي قد انفض! حكت لنا دكتورة الأدب الإنجليزي وكانت لها صديقة صحافية تصور أيام الثورة المصرية في الحادي عشر من يناير في التحرير وتصور الجموع باﻵلاف أو مئات الآلاف ثم تدون في مذكرتها ما تراه وتحلل لكي تصنع أبحاثاً لاحقا. تعجبت الدطتوة وقالت لنا أنها لم تعش تلك اللحظات التاريخية و لم تشعر بالناس حولها ولم تتعاطف او تنفعل وهذا كله نقصان في ميزان الحس و الشعور بالحياة ومادة الحياة. يعني لو ظل أحدنا على هذا الوضع في كل مناسبة فلن يتبقى له شيئ يعيش عليه من مخزون ذكريات أو أحداث يتعزى بها لاحقا ويتذكرها وتثري وجدانه وهذا خطأ كبير لأنه يموت وكانه ما عاش ولا شاف الدنيا و الناس...
بمناسبة حب اللقطة والتوثيق اليوم كنا في زيارة لمستشفى الخنكة للأمراض العقلية بينما الزملاء يلتقطون صور هنا وهناك وينظرون بأعين العدسة في كل اتجاه ذهبت أنا في جولة مع غفير هناك شربنا الشاي وحكى لي عدة قصص عن المستشفى ومن بها وكيف أن فاقد العقل برأييه مرتاح اليوم وأخذ ينصحني بالتغافل وعدم التفكير وكأنني مجنون! برأيي أنا والزملاء استفدنا لكن هم أخذوا صورة وأنا اخذت لحظة ولمست قيمة لا تستطيع عدساتهم أن تأخذها
الناس يعتقدون أنهم يستطيعون أن مسكوا باللقطات الى الأبد، لكنهم حقيقة يمسكون الرسم والشكل فقط، فيفقدون المشاعر لا هم عاشوها ولا هم امسكوها بالصور، مشكلتنا في هذا الزمن هو الخوف، نحن كائنات مقهورة مع الأسف ونحاول أن نجد عزائنا في تحويل كل ما حولنا من مشاعر ولحظات الى أشياء ملموسة قابلة للقياس .
مشكلتنا في هذا الزمن هو الخوف، نحن كائنات مقهورة مع الأسف ونحاول أن نجد عزائنا في تحويل كل ما حولنا من مشاعر ولحظات الى أشياء ملموسة قابلة للقياس .
هذا صحيح يا خلود فشعور الناس بأن الفناء يترصد لهم وان العدم مصير لهم وهو مجهول جعهلم يريدون أن يجمدوا تلك اللحظات في صور كما قلت أنت محسوسة ملموسة وكانهم يصارعون العدم الذي يتهددهم في كل لحظة. إحساسهم بصيرورة الزمان وان وجودهم لحظي بُرهي زائل مفارق غير ثابت أو دائم أربكهم بشدة فيريدون أن يتخلصوا من هذا الإحساس المزعج عن طريق انواع الفنون منها التصوير و الرسم وغيرها ليترك منه أثرا.
أفهم شعورك جيدًا، وأنا أعترف أنني أحيانًا أفعل الشيء ذاته، ليس من أجل التظاهر أو لعرض اللحظة على الآخرين، بل لحب حفظها والرجوع إليها وقتما أشعر باليأس أو الحزن. أجد في تلك الصور والفيديوهات ملاذًا صغيرًا أستعيد فيه الفرح والذكريات الجميلة، فتعيد إليّ قوة وصبرًا لأتجاوز لحظات ضعف النفس. بالنسبة لي، التصوير ليس مجرد توثيق للحظة، بل هو وسيلة للاحتفاظ بما يزرع في قلبي دفء وطمأنينة.
إنها رغبة إنسان العصر في توثيق كل شيء خوفًا من الفناء، لكنه بذلك يبدّد جوهر التجربة: أن تكون حاضرًا، لا مُشاهِدًا من الخارج.
اللحظة لا تُحفظ بالصورة، بل بالوعي الذي عشتها به.
من واقع التجربة، بقولك اللحظات الحلوه فعلا هيا اللي مش بتوثق. وأنا كنت واحد من الناس بحب أوثق كل حاجة لحد ما في مرة اتحذفت من عندي كل الفيديوهات بالغلط، زعلت شوية لكن اتعلمت الدرس وإن دا خير ليا وتعلمت اني مش كل حاجة لازم توثق. في نفس الوقت لازم نحفظ شوية ذكريات لينا ولعيالنا ونرجعلها كل فترة والتانية
فعلاً مش اللي بنوثّقه هو اللي بيعيش جوانا أكتر
واللي حصل معاك ده بيأكد إن الذكرى الحقيقية مش في الصورة ولا الفيديو، هي في الإحساس اللي بيبقى جواك.
بس جميل إنك وصلت للتوازن ده بين إنك تعيش اللحظة وتحتفظ بجزء منها في نفس الوقت يمكن دي المعادلة اللي بنحاول كلنا نوصلها
بالضبط، أيضاً الموضوع يتعلق أحيانا بالذكريات، المرء دائما ما يتعلق بذكرياته وبماضيه وبالاشياء التي تذكره بماضيه، كنت أهوى الإحتفاظ بممتلكاتي حتى لو كانت بدون أية فائدة، لكن في أحد المرات عمدا إلى أهم ما املك من ممتلكات وهو قلم من ماركة عالمية مشهورة، كان قد أهداه إلي والدي، فبعته في سوق للأنتيكات، ومنذ ذلك الحين لم أعد أتعلق بالأشياء.
فلسفتي هنا هو أني أحاول التحرر.. من كل ما يعيقنا فنحن نملك الأشياء وليست هي التي تملكنا.