حين نسمع كلمة الشعر نستحضر ذلك القول الرقيق الذي نستعمله للتعبير عما في أعماق النفس. ولربما لا أحد منا دار بذهنه أو عقله صلة هذا القول الرقيق السَّيَّال بالمال والأعمال. وعن هذه الحكاية أصافحكم بكلام يصل الأمس باليوم في هذا الموضوع.
حكاية الأمس في موضوعنا نقرؤها في تاريخ الشعر العربي القديم في وقوف شعرائه على الأعتاب، واتخاذهم الشعر وسيلة لمُصافحة ذوي الجاه والسلطان عبر كسب المال بالشعر. وحكاية الشعر التكسبي نشأت مع النابغة الذبياني حيث مدح الملوك وقيل كسب من هذا الطريق مالا كثيرا حتى أكل وشرب في صحاف الذهب والفضة، ثم جاء الأعشى وجعل الشعر بضاعة يجوب بها البلدان، ومع الحطيئة ارتفع التسول بالشعر...
هذه العلاقة بين الشعر والمال لا زالت مستمرة في يومنا، لكن بصور حديثة تساعد على جني المال بالشعر.. من ذلك ما نقرأه من عشرات المكتوبات والمقالات حول كسب المال من الشعر، من قبيل: "10 مقالات لكسب المال من الشعر"، والربح من كتابة الشعر وطرق غير تقليدية للتسويق له"، و"كيفية الربح من كتابة الشعر"، و"كيف أربح من كتابة الشعر"، و"كيف أستطيع ربح المال من كتابة الشعر" .. وهكذا
ومنها أيضا المسابقات والجوائز إما عبر الإنترنت أو في ملتقيات ومهرجانات دورية سنوية مشهورة يجتمع فيها الشعراء للتباري والسباق احتفالا بهذه الفن العريق، وبشعرائه خصوصا أولائك الذين تحظى كتاباتهم الشعرية بأداء رفيع، في مشهد يعيد إلى الأذهان صورة الشعراء العرب القدامى في سوق عكاظ وهم ينشدون قصائدهم على مسمع ومرأى من النابغة الذبياني الذي كانت تضرب له خيمة ليعرضوا عليه أشعارهم والحكم عليها.
السؤال: انطلاقا من ذلك، إذا كان كسب المال بالشعر قديما قد وصفه البعض بالتسول وتالاستجداء لارتباطه بالمدح، فما رأيكم في الموضوع، في زماننا؟ وهل من طرق لكسب المال بالشعر؟ ننتظر مشاركاتكم ...
التعليقات
لا أعتقد أن الشعر قديمًا كان يتم وصفه بالتسول والاستجداء وكسب المال،
بالطبع كانت توجد مثل هذه الصور، ولكنها بالتأكيد ليست الصورة العامة،
العرب في القدم كانوا يسجلون تاريخهم من خلال الشعر
وكان الشعر كتاب التاريخ الخاص بهم، يسجلون فيه الوقائع والأحداث والغزوات وغيرها من الأشياء المهمة التي يمرون بها، ويتناقلون هذه القصائد جيلا بعد جيل
وكان الشعر كتاب التاريخ الخاص بهم، يسجلون فيه الوقائع والأحداث والغزوات وغيرها من الأشياء المهمة التي يمرون بها، ويتناقلون هذه القصائد جيلا بعد جيل
بالفعل، وكانت تقام العديد من الأمسيات الشعرية لقضاء أوقت فراغهم، والتخلص من الملل، فكان نوع من أنواع التسلية في ذلك الوقت، مع عدم وفرة الإمكانات كما هي في وقتنا الحالي.
هذا صحيح .. بالإضافة طبعا لدوره المهم في توثيق الوقائع .. الشعر وثيقةً تاريخية مهمَّة عند المؤرخين والباحثين والدارسين، عند تَسجِيل أيام العرب وحروبها، بل هو من أهم الوثائق في هذا الميدان، وخير مثال على هذا هو شعر (حرب البسوس+ بين قبيلة بكر وتغلب، وما تذكره وثائق الشعر التاريخية حول أسباب هذه الحرب، أن كليبا قتل ناقة البسوس مما جعل جساساً يقوم بقتله .. وهذا ما حدث بالفعل، بالإضافة طبعا لأسباب أخرى بعضها اجتماعي يعود إلى طبيعة التنظيم القبلي في المجتمع الجاهلي وقتها.
أنا أكتب باستمرار، وأحقق دخلي من خلال الكتابة.
اقترحت إحدى الصديقات أن أقوم بالكتابة عن شخصية مشهورة معينة، لأن هذه الشخصية تقوم بتكريم من يكتب عنها، والتكريم يكون مادياً طبعا، رفضت في ذلك الوقت لأنني كنت أنظر للشعر من اجل مصلحة ليس بالأمر المنطقي، ولا أستطيع أن أكتب عن شيء لا أشعر به.
لكن في اليوم هذا بعد ما أصبح العالم أكثر قسوة، لو أتيحت الفرصة لي مرة أخرى للكتابة عن شخصية مشهورة مقابل المال، فلن أقول لا أبداً، لا أنكر بأن الحياة تغيرنا، ففي الماضي كنت أرى في ذلك تسول واستجداء كما ذكرت، ولكن بات الأمر مختلفاً بالنسبة لي، فمثلا عندما يقوم الطبيب بتقديم علاج لشخصية مشهورة بالمجان، وفي المقابل يتم التريويج لعمله وتكريمه، سيكون أمر جيد حقاً، تحقيق المنفعة للطرفين.
وبالنسبة لسؤالك كيف أقوم بكسب المال من خلال الشعر:
لقد قمت سابقا في نشر كتاب نشرت به العديد من الأشعار النثرية، وكسبت المال من خلال ذلك.
ومن الممكن أيضاً أن تقوم ببيع الأغاني الوطنية والدينية أو حتى أغاني الحب، فأكثر الأغاني شهرة لكاظم الساهر هي قصائد نزار قباني,
السؤال: انطلاقا من ذلك، إذا كان كسب المال بالشعر قديما وصفه البعض بالتسول وتالاستجداء لارتباطه بالمدح، فما رأيكم في الموضوع، في زماننا؟ وهل من طرق لكسب المال بالشعر؟ ننتظر مشاركاتكم ...
الأمر مُهين للصراحة، قد ينفر منّي الكثيرين بسبب هذا الرأي، لكنّي لا استطيع إلا التعبير عن رأيي في الحقيقة بهذه المسألة الغريبة جداً، لا أعتقد أنّ الشاعر يجب أن يتكسّب بشعره، لإنني لا أعتقد أصلاً بأنّ الشعر مهنة! من قال أنّها مهنة؟ الكاتب مثلاً يمكن أن أقول عنه أن يمتهن الكتابة، يقدّم مُنتَج روائي أو بصري مثلاً ضمن مسلسل أو فيلم عبر سيناريو يُمتّع الناس والناس ستتهافت على هذا العمل طلبا ًللمُتعة، أما الشعر فلماذا يجب أن نشتريه؟ الشعر حالة عاطفية خاصة ينقلها الشاعر عن طريق تجربته الخاصة وفقط، هو لا يؤلّف أحاسيس، هو يُعبّر عن نفسه، يُعالج نفسه التعبانة أو التي تُحب أو تخاف على اختلاف الشعور طبعاً، هل الذي يعالج نفسه ضمن مستوصف أو طبيب نفسي يطلب على ذلك أجراً؟ من المستحيل ذلك. وكذلك الشعر، الشاعر ليس كالكاتب وهنا يأتي الخلط دائماً، ولذلك نرى دائماً أن السوق يُنصف هذا الأمر، وحين يُجبر الشاعر نفسه للتكسّب من الشعر إمّا يُصبِح كقديماً مُتسوّل أو كحديثاً فقير وهذا طبعاً بأحسن الأحوال.
بالنسبة لي فالشعر هو فن جميل وراقي، ويستحق أن يُقدَّر ويكرَّم لا أرى أن كسب المال من الشعر هو نوع من التسول بل هو احترام للموهبة والجهد الذي يبذله الشاعر أظن أن الشعراء القدامى كانوا يمدحون الملوك والأمراء ليس فقط للحصول على المال، بل أيضا للتأثير في السياسة والمجتمع، ولإظهار مهاراتهم وفصاحتهم، ولإبراز قضاياهم وآرائهم.
في زماننا، أرى أن هناك طرق عديدة لكسب المال من الشعر، منها:
- نشر دواوين شعرية عبر الإنترنت أو في المكتبات، والحصول على نسبة من المبيعات.
- المشاركة في المسابقات والجوائز الشعرية التي تقدم مكافآت مادية أو معنوية للفائزين.
- إقامة حفلات شعرية أو مهرجانات شعرية تجذب الجمهور والإعلام، وتحصل على رعاية أو دعم من جهات مختلفة.
- تقديم خدمات كتابة الشعر للأفراد أو المؤسسات التي تحتاج إلى قصائد شعرية لأغراض مختلفة.