لقد قرأت منذ فترة عن مبرمج في شركة روسية، وبعد أن ترك الشركة وانضم إلى شركة أخرى، اكتشفوا أنه كان يقوم بعمل سكريبتات للأعمال الروتينية. عندما قرأت البوست لأول مرة، كنت معجبة جدًا بما فعله، فذلك نوع من الابتكار. تلك السكريبتات لم تكن تسهل عليه القيام بتلك الأعمال الروتينية، بل كانت مثل نسخة رقمية منه، تتحرك داخل الشركة باسمه.
كانت ترسل إلى زوجته رسائل بأنه سيتأخر في العمل، وفي كل مرة ترسل عذرًا مختلفًا، كما كان هناك سكريبت يقوم بفحص الإيميلات الخاصة به من زملائه في العمل، وإذا وُجدت كلمات مثل مساعدة أو مشكلة أو أنا آسف، يرسل ردًا تلقائيًا بأن يحذر المرسل في المرة القادمة. وحتى التحكم في ماكينة القهوة كان يتم عبر سكريبت، مما يعني أنه كيان رقمي يحاكي سلوكه وقراراته اليومية.
إن ذلك لا يمثل مجرد زيادة في الكفاءة والإنتاج، بل صنع نسخة رقمية من الشخص يمكن أن تقوم نيابةً عنه بالكثير من الأمور. لذلك، إذا أصبح بإمكان كل شخص أن يصنع نسخة رقمية أذكى وأسرع وأكثر دقة من ذاته الواقعية، فلن تبقى الهوية البشرية كما هي الآن. سنغدو مجرد مراقبين لأفعالنا الرقمية وتصرفاتنا، وتتحول الحياة اليومية والعمل إلى لعبة تحاكي وجودنا بدلًا من أن نعيشه فعليًا، ليصبح الفرق بينهما غامضًا ومتداخلًا.
التعليقات
لا تعجبني الفكرة أبدًا خاصةً فيما يتعلق بالتعاملات البشرية، ربما يمكن فعل ذلك فيما يخص الأشياء الغير المهمة والتي تستنفذ الوقت والطاقة مثل التنظيف وغيره، لكن التعاملات البشرية وفي صلب العمل فلا، ثم إن كان يمكن عمل نسخة تعمل بدلًا من الشخص فما الذي سيدفع الشركة لتوظيفه بعد ذلك؟
معك حق في أن النسخة الرقمية لا يمكنها أن تكون بديلا عن الأبعاد الإنسانية الحقيقية في العمل أو الحياة، مثل التعاطف والتقدير والتواصل. لكن السؤال هل الوظيفة تعتمد على ذلك فقط، أم على الإنتاجية والقرارات الروتينية أيضًا؟ النسخ الرقمية التي تحرر الإنسان من المهام الروتينية المتكررة فيترك مساحة أكبر للتفكير والإبداع، وليس بالضرورة أن تحل مكانه. التحدي الحقيقي في التوازن بين الاستفادة من الأتمتة وحماية القيمة الإنسانية الفريدة، وإلا سنجد أنفسنا نعمل لنراقب نسخنا بدل أن نعيش حياتنا.
بالفعل مثير للإعجاب ما فعله، فقد اختصر كثير من الوقت والجهد، وكان لابد من دراسة النموذج الذي ابتكره وتطويره، فهو في النهاية مساهمة لعالم الأتمتة الذي تتجه إليه الشركات للتخلص من العمالة الزائدة.
ما فعله المبرمج رائع من ناحية الابتكار، لكن من المهم أن نتساءل هل الهدف فقط رفع كفاءة الوقت، أم الحفاظ على معنى الخبرة البشرية؟ الأتمتة تعلمنا أن نجعل أداء الأشياء الروتينية أسرع، لكن الخوف من تغير طريقة تفكيرنا، وتحولنا من صناع القرار إلى مراقبين لأفعال نسخنا الرقمية. ولو ساهمت هذه النسخ في تقليل العمالة الزائدة، فيجب معرفة الآثار النفسية والاجتماعية على الإنسان نفسه لتكون تجربة حقيقية غنية وذات معنى.
إذا كان مراقباً فقط قد نتهمه بالاستهتار، فلو كانت النسخة الرقمية ليست لها كفاءة عالية، وتقوم بالرد بطريقة مكررة ولا تقدم إجابات حقيقية لمن يحادثها باعتبارها نفس الموظف، فهو قد خان أمانة وظيفته.
إلى أي مدى قد تستبدل نسختك الرقمية حياتك الحقيقية؟
لا إلى أي مدى ولو اطلعت على ضميري لعلمت أني أود أن أهرب إلى عالم بلا شاشات بلا أزرار بلا تكنولوجيا عالم مثل عالم ديفيد ثورو على بحيرة والدن حيث المياه العذبة الجارية وحيث الغابات وحيث الأطيار في أيكاتها وحيث أنا و الطبيعة البكر و شمس الضحى و نجوم الليل...
أنا أيضا مثلة يا خالد، حرفيا التفكير فقط في تحويل حياتي الى شكل رقمي يصيبني بالجنون، عالم خانق جدا، أنا اليوم الذي يفوتني فيه رؤية غروب الشمس أو رؤية سماء الليل هو يوم غير محسوب من عمري، لاحظت أن الايام التي تمنعني من ذلك كنت فيها مغروسة بين الشاشات، سواء للعمل أو الدراسة أو التسلية الرخيصة، أشعر بعدها أني أغرق حرفيا، يضيق نفسي وتسود الدنيا في عيني .
ما تصفه هو الجانب المظلم من الاعتماد على الشاشات والنسخ الرقمية فضاعت قدرتنا على إدراك اللحظة الحقيقية، واللحظات البسيطة. التكنولوجيا صممت لتسهل حياتنا، لا لكي تأخذنا بعيدًا عن الحياة الإنسانية. والحل ليس الهروب من التكنولوجيا، بل تدريب أنفسنا على الاستفادة منها، وبجانب الحياة بأبعادها الطبيعية والمادية، حتى لا نغرق بين الشاشات.
أفهم شعورك تمامًا، فالتحول الرقمي قد يخنق الإنسان ويجعل كل لحظة مجرد مهمة. هنا يظهر أن القيمة الحقيقية ليست في التكنولوجيا، بل في اللحظات الرومانسية التي نعيشها بالكامل مشاهدة الغروب، سماع أصوات الطبيعة. النسخ الرقمية قد تساعدنا على الأداء التكراري، لكنها لا تمنحنا المتعة الإنسانية العميقة. فكيف نحافظ على اتصالنا بالواقع، بينما نستخدم التكنولوجيا لخدمتنا وليس لتحويل حياتنا إلى مراقبة رقمية؟