بينما تتسابق الحكومات حول العالم على تبني الذكاء الاصطناعي في تعزيز أمنها الداخلي، أعلنت بريطانيا عن مشروع أثار ضجة كبيرة، نظام يستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمن هم "أكثر عرضة" لارتكاب الجرائم مستقبلًا. المشروع، الذي يحمل في طياته وعودًا براقة بتحقيق السلامة العامة والوقاية قبل وقوع الضرر، يفتح في الوقت نفسه أبوابًا مُقلقة حول فكرة التنبؤ بالسلوك الإجرامي وكأن الإنسان أصبح مجرد معادلة رياضية يمكن حسم نواياها مسبقًا.
الفكرة قد تبدو جذابة جدا، حيث تتيح إمكانية إيقاف الجرائم بشكل أسرع بكثير، أو التدخل مبكرًا مع أشخاص في طريقهم للانحراف، بدلًا من انتظار الكارثة. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك، خصوصًا حين نُدرك أن الخوارزميات تتعامل مع البشر كأنماط إحصائية مبنية على بيانات الماضي. وهنا يبدأ الخطر.
أغلب البيانات التي تُغذّى بها مثل هذه الأنظمة تأتي من سجلات مليئة بالتحيّزات التاريخية. وهذا يعني أن الفقراء، والأقليات، والمناطق المهمشة الذين تم استهدافهم سابقًا سيكونون في صدارة "قوائم التنبؤ".
المخاوف لا تقتصر فقط على الجانب الأخلاقي، بل تمتد لتشمل ما يعنيه هذا للمجتمع ككل. كيف يمكن لمواطن أن يشعر بالثقة أو الانتماء لدولة تعتبره خطرًا محتملاً فقط لأنه وُلد في حي معين أو لأنه ينتمي لخلفية اجتماعية محددة؟
ما يجعل هذا المشروع مثيرًا للجدل هو أنه لا يتعامل مع الجريمة كظاهرة اجتماعية معقدة بل كمشكلة يمكن إصلاحها باستخدام الخوارزميات والآلات. بينما الجريمة في الغالب نتيجة فقر، وتهميش، وانهيار المنظومات التعليمية والصحية والاجتماعية. والذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته، لا يستطيع معالجة هذه الجذور، بل فقط يتعامل مع نتائجها.
من وجهة نظرك هل سيكون هذا النظام أداة إصلاح ورعاية، أم قفص رقمي يعاني منه المهمشون والأقليات؟
التعليقات