حب الأهل المشروط بطاعتهم من مسلسل Bodies

في إحدى الورش النفسية الجماعية التي حضرتها، كان هناك فتاة صغيرة في الرابعة عشر تقريباً كانت تتحدث عن اجبار والدها لها على التمرين لساعات طويلة حتى تتمكن من الاشتراك في بطولة الجمهورية للسباحة، وحين كانت ترفض كان يتهمها بأنها لا تحبه وإذا كانت تحبه ستتمرن أكثر وأكثر، رغم أنها لم تتمنى يوماً أن تكون سباحة، لكنها أضطرت لفعل ذلك حتى تلقى قبولاً وحُباً من والدها.

تذكرتُ هذا الموقف صدفةً بالأمس وأنا أشاهد مسلسل Bodies، حيثُ شخصية إلياس مانيكس وكيف تطورت شخصيته من طفل عاني من الرفض الأسري وعدم الشعور بالحب إلى شخص مستعد لتدمير مدينة بأكملها حتى يصنع عالماً جديداً تحت شعار (أعلم أنك محبوب)، المفارقة المرعبة هو أنه قرر قتل الملايين من البشر فقط لإجبار الناجين على الشعور بالحب، فتحول هذا الشعار إلى أداة لغسيل الأدمغة والسيطرة على العقول.

فالرابط بين قصة تلك الفتاة وما فعله إلياس هو تحول الحب من شعور آمن وطبيعي إلى اختبار دائم لإثبات الاستحقاق، وهذا يكون أخطر بكثير من الكره نفسه، لأنه يجعل الإنسان يتعلم أن الحب لا يُمنح إلا مقابل الطاعة، وهذا موجود بالفعل في صور كثيرة في العلاقات من حولنا حين يرى الشخص أن السيطرة هي نوع من الرعاية والحماية، فالحب المشروط لا ينتج عنه أطفالاً مُطيعة ومهذبة، بل أشخاصاً تربط قيمتها برضا الآخرين عنهم، وينتهي المطاف بهم إما مدمرين لأنفسهم حتى يحصلوا على الحب، أو مدمرين للمجتمع الذي رفضهم، كما يقول المثل الإفريقي الشهير "الطفل الذي لم تحضنه القبيلة، سيعود ويحرقها ليشعر بدفئها" ، وهذا تماماً ما فعله إلياس في المسلسل. فالصراع النفسي الذي كنتُ أعيشه كل عيد بين محاولة إظهار الفرح كشعيرة من الشعائر الدينية وبين الواقع الضاغط الذي أعيشه سواء في تزييف المشاعر وإظهار السعادة أمام الآخرين، أو الضاغط النفسي الذي يجعلني في تساؤل طوال الوقت حول إظهار السعادة في وقت أنا لا أشعر فيه بذلك ومدى تأثير هذا عليَّ بالسلب، لذلك أخترتُ هذا العيد أن أقضيه كما أريد بشجاعة، وأن أسعد به بالطريقة التي أتمناها.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أننا في مجتمعنا جميعاً لدينا هذه المشكلة لكن بنسب متفاوته، فالأجيال السابقة كانت تعتمد دائماً على فكرة الإجبار والضغط والمنع بنسب متفاوتة وبأشكال عدة، وهذه من الأسباب التي تجعلنا نرى مخزوناً هائلاً من الغضب داخل شبابنا، إما غضب، أو ضعف شخصية، أو تبعية مطلقة، قلما نجد شاباً ناضجاً 100%، أعتقد أن هذا بسبب هذه المعضلة في تربيتنا وليست وحدها بل هناك الكثير من المشاكل الأخرى التي تتحد معها، جعلتيني أتذكر مسلسل لن أعيش في جلباب أبي وكيف كان إبنه تائهاً ومنعزلاً بسبب أبيه، لم يكن ( عبدالغفور البرعي) بنفس هذه الدرجة من الإجبار والتسلط، لكنه كان أيضاً يربط بين فشل إبنه وبين معاملته بطريقة سلبية، وكأنه إن لم ينجح لن يحتويه ولن يٌحبه، لذلك ظل الولد فاشلاً وتائهاً، إلا أن واجهه أبوه وأعتذر له وإحتواه وحاول أن يكسر هذا الحاجر، حينها فقط إستطاع الإبن أن ينهض ويحاول

فالأجيال السابقة كانت تعتمد دائماً على فكرة الإجبار والضغط والمنع بنسب متفاوتة وبأشكال عدة

نعم وقد لا يكون السبب الأهل نفسهم، قد تكون البيئة الخارجية سواء أقارب أو عمل أو أناس حتى ليست علاقتنا بهم قوية، فهذا الضغط والإجبار هو جزء أصيل في نفوس بعض المجتمعات التي تقدس العادات وتتدخل في شؤون غيرها طوال الوقت، وفكرة الحب المشروط هذه في كل شيء حتى أصبحت أظن أنه لا يوجد حب غير مشروط حتى بين الأم وأطفالها

كان يتهمها بأنها لا تحبه وإذا كانت تحبه ستتمرن أكثر وأكثر،

كان عليها أن تقول له ، إن كنت أنت تحبني ، فاعفني من هذا التمرين . إذا كان الحب مشروط فيجب أن يكون مشروط من الجانبين . ولكن للأسف فالأب لا يعي أنه بذلك يبتز ابنته عاطفيا ، بل يظن أن يقنعها بما فيه الخير لها.

تماماً فهو يقنعها بأن هذا في مصلحتها، وهي لا تستطيع أن تفعل معه ذلك لأنها صغيرة لن تُدرك ذلك، لأنها تعلم يقيناً أن والدها يعلم أنها تحبه وهي في الأصل تحبه، لكن حبه هو لها كان مشروطاً بأن تكون سباحة ماهرة وتحصل على البطولة.

مجدداً ، ليس من المؤكد أن حبه مشروط ، الناس تتفوه باشياء لا تقصدها تماما أحيانا ، ربما يكون فقط يحاول أن يقنعها ، و لكن للاسف فالطفل يعالج هذه المعلومات بشكل حرفي ، و ستؤثر عليه طوال عمره.

هذا حباً مشروطاً صريحاً، لأنه طيلة الوقت كان يركز على هذا الجانب فقط، ولا يهتم حتى بإهمالها دراستها في المقابل، وعندما كانت تغضب لأنها لاتريد أن تتمرن، كان يقاطعها ولا يتحدث معها إلا بعد أن تذهب للتمرين، فهذا هو الحب المشروط، قد أتفهم الأمر إذا كانت الكلمة خرجت سهواً في موقف أو أثنين لكن أن تكون هي الأساس وقتها هناك مشكلة حقيقية فعلاً.

ليس سهلا ان نربط بين الحب المشروط وبين تحوّل الإنسان إلى شخص مؤذٍ، لأن كثيرًا من الناس نشأوا في بيئات فيها ضغط عاطفي أو توقعات قاسية من الأهل، ومع ذلك لم يتحولوا إلى أشخاص عدوانيين أو مضطربين بهذا الشكل. فالتأثير النفسي للتربية ليس خطًا مستقيمًا وواضحًا دائمًا، بل تدخل فيه عوامل كثيرة مثل شخصية الفرد، والبيئة المحيطة، والتجارب اللاحقة، وطريقة فهمه لما مرّ به.

وبعض الضغط من الأهل لا يكون بقصد الرغبة في السيطرة أو حرمان الأبناء من الحب، بل أحيانًا من خوف زائد أو اعتقاد خاطئ بأن الدفع المستمر سيصنع مستقبلًا أفضل للطفل. وهذا لا يجعل الأسلوب صحيحًا بالضرورة، لكنه يختلف عن تصوير الأمر وكأنه مشروع متعمد لإنتاج أشخاص مكسورين نفسيًا. لذلك ربما المشكلة ليست في وجود التوقعات أو الطموحات نفسها، بل في غياب التوازن بين التشجيع واحترام رغبات الأبناء وحدودهم النفسية.

ليس سهلا ان نربط بين الحب المشروط وبين تحوّل الإنسان إلى شخص مؤذٍ، لأن كثيرًا من الناس نشأوا في بيئات فيها ضغط عاطفي أو توقعات قاسية من الأهل، ومع ذلك لم يتحولوا إلى أشخاص عدوانيين أو مضطربين بهذا الشكل

بالعكس أعتقد أن أي شخص لم يحظى بهذا الدعم النفسي والعاطفي والقبول في صغره وتعرض لهذا الشكل من التربية لن يكبر إلى وهو يحمل معه الكثير من المشاكل النفسية المعقدة التي إن لم يُدرك وجودها ويعمل على إصلاحها لن يُصبح سوياً أبداً، ربما لن يصل لهذا الشكل من التدمُر بالضرورة ولكنه بالتأكيد سيحمل بداخله هذا الفراغ القاتل الذي سيجعله يؤثر بالتبعية على زوجته وأبناءه ولن يكون الشخص المثالي معهم، هناك الكثير جداً من العلل النفسية التي قد يصل لإحداها لكن السبب في النهاية واحد وهو هذا الخلل في تربيته

وبعض الضغط من الأهل لا يكون بقصد الرغبة في السيطرة أو حرمان الأبناء من الحب، بل أحيانًا من خوف زائد أو اعتقاد خاطئ بأن الدفع المستمر سيصنع مستقبلًا أفضل للطفل.

نعم هو دائماً كذلك، دائماً مصحوب بحسن النية، لكن من الحب ما قتل، هؤلاء الأباء يضعون لأبنائهم السم وهم يعتقدون أنه عسل، وفي النهاية إعتقادهم ونواياهم لن يحولوا السم عسل ولن يُخففوا من أعراضه

افهم قصدك تماما، لكن البشر لا يتشكلون من عامل واحد ثابت، بل من تداخل معقد بين الشخصية ودوائر الدعم البديلة، والتجارب اللاحقة في الحياة. لذلك نجد أشخاصًا مرّوا بظروف قاسية في التربية لكنهم استطاعوا بناء توازن نفسي وعلاقات صحية

الحقيقة التي فطنتها أن الأهل لا يريدون مجرد طاعة، هم يريدون مصلحتنا، فيفعلون أي شيء حتى نفيد أنفسنا، لذا يحدث نوع من الإجبار أحياناً للأبناء وأحياناً يحدث ابتزاز عاطفي، ولكن كل هذا حب وإن خانتهم الطريقة.

لم أكن أؤمن بذلك في طفولتي رغم أن هذا التفسير الذي أؤمن به اليوم كان يقال لي دائماً. ما يحدث هو سوء تفاهم وقد يستمر سوء التفاهم هذا دائما للأسف.