ليس العمى في العيون… بل في القلوب
مقدمة:
قال الله تعالى:﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[الحج: 46]
هذه الآية الكريمة تنقل مفهوم العمى من حقيقته الحسية إلى حقيقته الأعمق: عمى الإدراك والبصيرة. فالإنسان قد يرى الأشياء واضحة أمامه، وقد تكون عيناه في أكمل حال، لكنه مع ذلك لا يبصر الحق، ولا يهتدي إليه، ولا يتأثر به.
وقد نبّه الدكتور محروس بريك – حفظه الله – إلى دقة التعبير القرآني حين بيَّن لنا أن القيد الإطنابي في القرآن يراد به معنى الذَّم، فقال:
ومعلوم أن القلوب لا تكون إلا في الصدور، لكن القرآن أورد هذه الصفة الإطنابية (التي في الصدور)، ذمًا لأولئك القوم، فالأعين لا يُعتَدُّ بعماها، قياسًا إلى عَمَى القلوب التي في الصدور؛ إذ لن ينتفع بها المرء بالرغم من كونها مستقرة بين جنبيه. فليس العَمَى الحقيقي عدم إبصار الموجودات، إنما هو غفلة القلب عن إدراك الحق، ومن لم ينتفع بقلبه الذي بين جنبيه حُقَّ له أن يُذَم.
إذن المشكلة ليست في مكان القلب، بل في حاله ووظيفته؛ فالقلب خُلق ليعقل ويبصر ويميز، فإذا تعطلت هذه الوظيفة، كان صاحبه أحقَّ بالذم، لأنه عطّل أداة الهداية التي وهبها الله له.
عمى البصيرة أخطر من عمى البصر
عمى البصر قد يمنع الإنسان من رؤية الطريق، لكنه لا يمنعه من الوصول إذا قاده غيره. أما عمى القلب، فيجعل الإنسان يرفض الطريق ولو كان واضحًا، ويجادل في الحق ولو قامت عليه الحجة.
ولهذا كان الكفار في زمن النبوة يرون النبي ﷺ، ويسمعون القرآن، ويشهدون الصدق والأمانة، ومع ذلك كفروا؛ لأن القلوب التي في صدورهم كانت مغطاة بالهوى، ومكبلة بالكبر، ومظلمة بالإعراض.
لماذا استحق صاحب هذا القلب الذم؟
لأن عمى القلب ليس عجزًا قهريًا، بل نتيجة اختيار:
- اختيار الإعراض عن الحق بعد معرفته
- اختيار اتباع الهوى على حساب الهدى
- اختيار السلامة العاجلة على النجاة الآجلة
قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ والقسوة لا تأتي فجأة، بل تُصنع بتراكم الذنوب، وبالتهاون في أوامر الله، وبالإصرار على المعصية مع العلم.
القلوب ترى… إذا شاءت
القلب السليم يرى ما لا تراه العيون:
- يرى عاقبة الذنب قبل لذته
- يرى حكمة البلاء قبل زواله
- يرى الحق ولو خالفه الناس
أما القلب الأعمى، فيُفتن بالمظاهر، ويغتر بالقوة، ويظن أن وضوح الأشياء كافٍ للهداية، مع أن الهداية نور يُقذفه الله في القلب.
رسالة الآية لنا
ليست الآية حديثًا عن المكذبين فقط، بل مرآة لكل مؤمن:
- هل أرى الحق فأتبعه؟
- أم أعرفه وأجادله؟
- هل قلبي حيٌّ يتأثر بالقرآن؟
- أم أسمعه كما تُسمع الكلمات بلا أثر؟
فكم من إنسان يعرف الحق، لكنه لا ينقاد له، وكم من إنسان يسمع الموعظة، لكنها لا تتجاوز أذنه. وهنا مكمن الخطر.
قال مجاهد : لكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه لدنياه ، وعينان في قلبه لآخرته ، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئاً ، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئاً . [النكت و العيون للماوردي]
خاتمة
إن أخطر ما قد يُصاب به الإنسان ليس فقد البصر، بل فقد البصيرة.
وأشد الخذلان أن يكون القلب في الصدر، لكنه لا يعمل، ولا يعقل، ولا يهتدي.
فمن عطّل قلبه عن وظيفته، واستبدل نور الوحي بظلمة الهوى، حُقَّ له أن يُذم، لا لأن الدليل غاب عنه، بل لأنه أعرض عنه.
اللهم ارزقنا قلوبًا تبصر، وتخضع، وتهتدي… ولا تجعلنا ممن لهم أعين لا يبصرون بها، وقلوب لا يعقلون بها.
ـــــــ
المراجع:
١- مقال الدكتور: محروس بُرَيِّك على فيسبوك https://www.facebook.com/ph...
٢- تطبيق جامع التفاسير والترجمات