💢 عقلية الثابتة وعقلية النمو..الذكاء

عند التحدث عن الذكاء تنتشر نظرتين؛ إذ يعتقد بعض الناس أن قدراتهم هي سمة فطرية لا يمكن تغييرها بينما يشدد الآخرون على أهمية بذل الجهد والمثابرة على العمل لزيادة الذكاء (1,2).

ما الفرق بين الاثنين؟

قامت الباحثة Carol Dweck بدراسة هذه الظاهرة وأطلقت عليها اسم "Implicit Theories" أو "النظريات الضمنية" والتي تتكون من نوعَين: عقلية النمو والعقلية الثابتة (1,2).

العقلية الثابتة Fixed Mindset: هي الاعتقاد أن القدرات- وخصوصاً الذكاء- هي سمة فطرية وثابتة لا يمكن تغييرها، فكل شخص يولد بكم محدد من الذكاء ليس من الممكن أن يتجدد. يبتعد أولئك الذين لديهم هذه العقلية عن أي تحدٍّ يمكن أن يشعرهم أن ذكاءَهم محدود؛ لأنهم يربطون الفشل بقيمتهم الذاتية، وليس هناك جدوى من المحاولة وبذل المجهود عندما يشعرون أنه ليس لديهم ما يكفي لحل المشكلة.

عقلية النمو Growth Mindset: هي الاعتقاد أنه من الإمكان أن يزداد الشخص ذكاءً، وأن ينمي قدراته عند بذل الجهد والمثابرة حتى الإتقان. يقوم هؤلاء بعدة محاولات رغم الإخفاق بغرض تطوير الذات ويتجاهلون الفشل؛ لأنهم يعلمون أنه بإمكانهم النجاح. يرى هؤلاء الأخطاء على أنها فرصة ضرورية للتعلم والنمو و يزدهرون عند مواجهة التحديات؛ لأنها فرصة للتعلم، ولا يربط هؤلاء قيمتهم الذاتية بالنتيجة بل يسعون للتطور المستمر(3-1).

كلنا سبق أن رأينا كلتا العقليتين في المدرسة أو الجامعة وخصوصاً عند دراسة الرياضيات، فعند تلقي نتيجة منخفضة ينسبها بعض الأشخاص إلى قدراتهم المحدودة، فيشعرون أنه ليس بإمكانهم تعلّم الرياضيات حتى لو بذلوا جهداً؛ مما يؤدي لتجنبهم دراسة الرياضيات؛ لأنها مضيعة للوقت.

 بينما ينسب القسم الآخر الإخفاق إلى قلة الدراسة أو عدم الانتباه؛ مما يدفعهم أن يخصّصوا المزيد من الوقت للرياضيات لأنهم يعلمون أنه بإمكانهم النجاح، فالفشل ليس انعكاساً على قدراتهم. و ينطبق هذا المثال ليس على الرياضيات حصراً بل على أي نشاط أو سمة أو موهبة. يؤثر هذا النمط من التفكير على الدافع للتعلم؛ إذ يركز أولئك الذين لديهم عقلية ثابتة على الأشياء التي يقومون بها على نحو جيد ويهملون النواحي التي بإمكانهم تطويرها، بينما يثابر أولئك الذين لديهم عقلية النمو على تحسين جميع المجالات (2,3). 

ما دور الأهل في تشكيل معتقدات أبئائهم؟

اعتقد البعض أن عقلية الأبناء تتشكل تبعاً لعقلية الأهل، ولكن فشلت الدراسات من إثبات هذه النظرية. أظهرت الدراسات أن العامل الأكبر في تكوين عقليات الأطفال هي ردود أفعال الأهل والمعلمين على النجاح والفشل (2).

مثلما ذكرنا سابقاً، إن مدح الذكاء والقدرات ظناً أنه يزيد الثقة يؤدي لرد عكسي عبر تعزيز العقلية الثابتة لدى الأبناء، فمن الأفضل أن يُمدح المجهود وطريقة الدراسة عوضاً عن السمات الضمنة عند النجاح كي يُنسب النجاح للتعب، فيرى الأبناء أن قدراتهم تنمو عند المحاولة.

أما حين الفشل، فلاستجابة الأهل دور مهم. عندما ينظر الأهل أن الفشل دافع للنمو عوضاً عن نتيجة سلبية تعكس عدم التعلم، يظن الأبناء أن الفشل ليس النهاية، بل وسيلة للتعلم من الأخطاء ودافع للتحسن؛ مما يروج عقلية النمو(2). لذلك عند اهتمام الأهل بالنتيجة فقط، تكون عقلية الأبناء ثابتة ومنسوبة لقدراتهم بينما اهتمام الأهل بالطريق المتبوع للوصول للنتيجة يؤدي إلى رؤية الأبناء أنهم قادرون على النمو.

المصادر:

1. Hochanadel A, Finamore D. Fixed and growth mindset in education and how grit helps students persist in the face of adversity. Journal of International Education Research. 2015;11(1):47-50. هنا

2. Limeri LB, Carter NT, Choe J, Harper HG, Martin HR, Benton A, Dolan EL. Growing a growth mindset: Characterizing how and why undergraduate students’ mindsets change. International Journal of STEM Education. 2020;7(1):35. هنا

3. Costa A, Faria L. Implicit theories of intelligence and academic achievement: A meta-analytic review. Frontiers in psychology. 2018;9:829. هنا

________________________

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Enas_Al_Taher_1 أضف ردا

دعني أقول بأنّ موضوعك جاء في وقته المناسب تماماً يا هيثم!!.

تستفزني عبارة (هذا جلّ ما أستطيعه) لدى مَن أطلب منه أن يحاول..

لطالما أحببتُ عبارة نابليون بونابيرت (من قال لا أقدر، قلت له حاول. ومن قال لا أعرف، قلت له تعلم. ومن قال مستحيل، قلت له جرّب).

أولئك الذين يعتقدون أن حدود إمكانياتهم وصلت منتهاها، وبأنهم لا يستطيعون إضافة المزيد هم إما أشخاص أشبعهم المحيطون بأنهم لا يقدرون على إنجاز الأكثر، أو أنّ لديهم القناعة بأنّ لا شئ يستحق المحاولة لأنهم يربطون دوماً أفعالهم ومحاولاتهم بالنتيجة..

دراسة يعني نجاح.. أما دراسة واحتمال الفشل فيعني الابتعاد عن الدراسة.

عمل يعني مكافأة مالية.. أما عمل دون مكافأة فيعني عدم العمل..

استقرار يعني وضع مالي مريح وأسرة سعيدة وطلبات مجابة.. دون ذلك لا استقرار!!

لأجل هذا ربما يقال بأنّ أبناء المعاناة يجيدون حفر الصخر، ويملكون القدرة على رؤية العالم من زوايا لم يراها المترفون.. ولا أقصد بالمترفين وأبناء المعاناة الوضع الطبقي.. وإنما الوضع الفكري.. فالعقل الذي يديم التفكير يملك صاحبه حلول الأحجيات الحياتية في حين أن العقول المسترخية لا يمكنها خدمة نفسها فكيف لها بخدمة الآخرين؟؟.

لكنني قد أتوقف قليلاً عند مقولتك هيثم في المساهمة:

مثلما ذكرنا سابقاً، إن مدح الذكاء والقدرات ظناً أنه يزيد الثقة يؤدي لرد عكسي عبر تعزيز العقلية الثابتة لدى الأبناء، فمن الأفضل أن يُمدح المجهود وطريقة الدراسة عوضاً عن السمات الضمنة عند النجاح كي يُنسب النجاح للتعب، فيرى الأبناء أن قدراتهم تنمو عند المحاولة.

لا أجد للأمر تعميماً.. أحياناً يكون مدح أسلوب الآخر ونهجه وعقليته طريقة لتحفيزه، خاصة لأولئك الذين يمتلكون فخراً بالأنا ويعتزون بها.. قد يكون الأمر -وفق نصيحتك- مثالياً مع الخاملين، أو الذين ينظرون لذواتهم نظرة اكتفاء -أي ثبات- فلا يعتقدون بأنّ بإمكانهم بذل المزيد ليتم شحن طاقاتهم بأنّ مزيداً من الدراسة، أو مزيداً من العمل، او مزيداً من المحاولة قد تساهم في منحك الأفضل..

لكن لمن يدرك ما يريد ويعرف أنه قادر بأسلوبه وعلمه وثقافته إلى تحصيل المزيد فأظن أنّ مثل هذه العبارات تحبطه لأنه يظن أنه قادر على إنجاز أفضل من المتوقع وفق ما يخطط له.. فلو قلت له ابذل مزيداً من الوقت في الدراسة وهو يدرك أن ساعتان تكفيانه فسيجد بالأمر ما يفوق طاقته ولو طالبته ببذل المزيد من الوقت في عمله لإنجاز تقرير مطلوب منه وهو قادر على إنجازه بنصف الوقت سيخشى دقة ما يقوم به..

أحياناً فهمنا لنوعية تركيب عقول الذين نتعامل معهم يختصر الكثير من الجهد المبذول من قبلنا ومن قبلهم أيضاً.