لفت نظري أحد صناع المحتوى المتخصصين في مراجعات الأعمال السينمائية بتعليقه السلبي على ظاهرة الأسماء الثلاثية في عالم الفن، والتي يكون قالبها دائمًا هو "فلان فلان فلان"، فهل ابن البط عوّام فعلًا أم أن هؤلاء الأشخاص يأخذون فرص غيرهم لأن الآباء مهدوا لهم الطريق قبل أن يأتوا إلى الحياة؟
عن نفسي أتفق مع رأي هذا الشخص بأن تلك ظاهرة مستفزة لنا حتى لو كان الابن فنانًا رائعًا وشاملًا، لأن ذلك لم يكن اجتهادًا منه بالدرجة الأولى، وإنما الظروف التي نشأ فيها هي التي أعدته لذلك، ولو نشأ أي شخص في نفس تلك الظروف لأصبح فنانًا هو الآخر. أي أن الظروف أجبرته ليتشكل على هذا، بينما في الناحية الأخرى، هناك أشخاص موهبون بفطرتهم وأثقلوا وزن موهبتهم بالاجتهاد ولكنهم لا يحصلون على نفس الفرصة التي يحصل عليها أصحاب الأسماء الثلاثية.
التعليقات
شاهدت مشهد من مسلسل حديث وكان في المشهد أربعة من أبناء الفنانين وصراحة لا يرتقي أي منهم ليكون ممثلا وأشعر أنهم فرضوا علينا بسبب الواسطة ليس إلا، وقليل من أبناء الفنانين موهوبون بالفعل فمنهم حنان مطاوع والفيشاوي ولكن ما دون ذلك صراحة أغلبهم أنصاف موهوبين، شاهدت لقاء لكريم محمود عبد العزيز يتحدث عن أول فرصة حصل عليها في فيلم الناظر وكانت بسبب أنه يدرس في نفس مدرسة ابن المخرج وتحدث معها وهي تحدثت مع والدها وهكذا وذهب فحصل على أول دور له، لو تابعنا هذه القصة ستجد أن الظروف المحيطة به مهيئة ليفعل هذا ليطلب الإذن وأن المخرج بدون أن يراها حتى وافق على حضوره ومن ثم اختبره اختبار بسيط وهلم جرا، فلو كان أحد التلاميذ الموهوبين في نفس المدرسة طلب نفس الطلب فغالبا لن يصل إلى مقابلة المخرج من الأساس، ونحن نعيش في عالم الوساطة الفنية ونعلم هذا لأنه واضح.
موهوبون بالفعل
الموضوع مزعج للغاية، حتى هؤلاء الذين يقال عنهم إنهم موهبون هم موهبون لأنهم كانوا في هذا الجو الفني منذ وُلدوا. تخيل أن يلد في بيت يجد فيه أمه التي هي أقرب الناس إليه فنانة. الاحتمال الأكبر أن يتأثر بها ويصبح مثلها. هو لم يخلق شيئًا ولم يبدأ شيئًا من الصفر بل جاء ليكمل مسيرة غيره.
دنيا سمير غانم أيضًا ممن يقال عنهم أنهم موهبون، ولكن بكم كان يُقدر احتمال أن تسلك طريقًا غير التمثيل وقد كان الوالدان -رحمة الله عليهما- في مجال التمثيل؟
لذلك أنا أرى أن أبناء وحفدة الممثلين يجب أن يوضعوا تحت ضغط إضافي لإثبات موهبتم، وليس العكس بأن يصبح الطريق ممهدًا سلسًا وكأن الأمر استحقاق.
لذلك أنا أرى أن أبناء وحفدة الممثلين يجب أن يوضعوا تحت ضغط إضافي لإثبات موهبتم، وليس العكس بأن يصبح الطريق ممهدًا سلسًا وكأن الأمر استحقاق
هذا نراه في الخارج لأن الجمهور مهم بالنسبة لهم وهو يلعب دورا أساسيا في قبول الممثل والشركات تعمل على هذه النقطة بشكل كبير، فلا أتذكر أخر مرة وجدت أحد أبناء الممثلين يحصدون ادوارا إلا او كانوا بالفعل موهوبون عكس هنا الوساطة تفعل لك كل شيء.
نعم الوساطة الفنية تلعب دورًا أساسيًا في كل المهن السينمائية، وبعضهم كما ذكرت تطورت موهبتهم لأن كل الفرص كانت سانحة أمامهم وأستغلوها إما للشهرة فقط (أمثال محمد عادل إمام) أو للوصول بسهولة كما ذكرت للمخرجين المخضرمين كمثال (كريم محمود عبد العزيز) وبالمناسبة هو ممثل كوميدي جيد، لكن أداؤه الدرامي لا يزال ضعيف جدًا. مشكلة التوريث الحقيقية، هي تواجد أبناء الفنانين من سن صغير في محافل المخرجين والفنانين الكبار، فبالتالي يتعاملوا مع السينما بشكل عام على أنها أمر مُسلم بالنسبة لهم، ومهنة سيتسلموها من الآباء بشكل بديهي، ربما يخرج من هذا الإطار (كريم عبد العزيز) لسبب واحد فقط، وهو رغبته الداخلية في بذل مجهود على الدور الذي يلعبه، ولكني لا انكر أن هناك من هم أفضل منه بكثير لكن ليسوا نجوم شباك مثله، كطارق لطفي وباسم سمرة وخالد النبوي وخالد الصاوي أيضًا، هؤلاء أعتبرهم النجوم الكبار لهذا الجيل ويسير على خطاهم الآن محمد ممدوح، ومحمد فراج فقط لا غير.
ولكن لأكون حيادية معك، ليس كل توريث فني سيئ وكمثال على ذلك محمد بكري وابنائه صالح وزياد وآدم، هؤلاء يقدرون مهنة التمثيل نفسها وخصوصًا ابنه صالح بكري، ويتعاملون بالنهج الغربي (على الأقل سابقًا) أنك إذا لم تبذل مجهودًا حقيقيًا واحترمت مهنة التمثيل، فلن يتم توظيفك إكرامًا فقط لوالديك.
كمثال (كريم محمود عبد العزيز) وبالمناسبة هو ممثل كوميدي جيد، لكن أداؤه الدرامي لا يزال ضعيف جدً
المشكلة هي أننا لا نرى تطورا ملحوظا كجمهور من أبناء الفنانين ونشعر بأنهم يفرضون علينا فرضا، فنرى تطورهم بطئ عكس غيرهم الذين يبحثون عن أدوار مهمة ولو صغيرة كمحمد فراج ومصطفى أبو سريع ومحمد سلام مثلا فرغم أنهم على الساحة منذ سنوات عديدة ولكن عدد الأدوار الكبيرة التي تعطى لهم لا يمكن مقارنتها بغيرهم فهذا ظلم سواء في حقهم او حقنا كجمهور.
ذلك لأنهم لا يُنظر إليهم على أنهم نجوم صف أول ولا حتى دور أول، هم داخل إطار الدور الثاني أو الدور الداعم لنجم الشباك، وبالأخص محمد سلام ومصطفى أبو سريع، وللعلم أنت نوهت لمشكلة أخرى في وجهة نظري، وهو اعتماد السينما على البطل فقط، فلما لا نرى الكثير من الأفلام مثال وش في وش (كوميدي)، عمارة يعقوبيان (درامي)، لما نجد الاعتماد دائمًا على صورة بطل الأفيش؟
هذا يعود إلى قدرة المخرج نفسه على الاعتماد على صناعة عمل جيد، مثلا هيتشكوك في الكثير من الأفلام كان يعطي البطولة لأشخاص ليسوا نجوم شباك فهو يختار الممثل الأنسب للدور ولنا في تجربته سايكو خير مثال حتى أن الممثل نفسه البطل في الفيلم لم ينجح في أي عمل أخر، فلو انتبهنا إلى أن هذه النقطة هنا سنجد العديد من الوجوه تأخذ حقها ولو حتى في فيلم واحد، بدلا من تكرار نفس البطل بصورة دائما.
قد أجد طرح السؤال غريبا، كيف يكون توريث الفن ممكنا حتى؟ ولكن بحكم الواقع المتردي الذي نعيشه، فكما يصير ابن السائق سائقا وابن الموظف موظفا وابن المهندس مهندسا وابن الطبيب طبيبا وابن الإمام إماما وابن الوزير وزيرا وابن الرئيس رئيسا. فلماذا لا يصير ابن الفنان فنانا؟ فكما أوجد هؤلاء الظروف لأبنائهم و استغلوا معرفتهم بخبايا المجال وشبكة معارفهم، فلماذا لا يفعل الفنان بالمثل؟ فهو لا يقترف بذلك جرما والأهم فهو لا يصطنع فعلا غريبا عن كل هؤلاء. ورغم أن الإجابة على سؤالك تبدو بديهية، فالخرق الأخلاقي بادٍ للعيان، ولكن السؤال يعري التردي الأخلاقي. فحقيقة، أن أغلب أفراد المجتمع ستنهج نفس الطريق لو استطاعت ذلك، هو المرعب في الصورة. متى تكون الوسطة مقبولة؟ ومتى تكون جريمة حقيقية؟ وحتى لو أننا أقررنا بأنّ مساعدة قريب على تولي منصب في شريكة توفير الكهرباء مثلا ليس كارثة حقيقية، و إنما تكمن الكارثة في تقليده منصبا من شأنه الضرر بعدد كبير من الناس. كيف نقيّم الضرر الذي يمكن أن يسببه فنان؟ وكيف إذا كانت تلك الواسطة قد حرمت الجيل الحالي فنانا فائق التميّز لكنه لم ينل فرصته بسبب ذلك؟