تحل الذكري ال 73 علي ثورة 52 ويأتي معها بالتأكيد ذكر زعيمها وقائدها عبد الناصر الذي امتلك زعامة جماهيرية فريدة، اعتمدت على خطابات شعبوية، واستغلال لحظة تاريخية بعد ثورة 52 حيث كان يرى نفسه زعيمًا للعرب، يتبنى مشروع القومية العربية، ويراهن على شعارات التحرر من الاستعمار وكلها كانت عبارات وتعبيرات رنانة مست مشاعر الجماهير ليست المصرية فقط ولكن العربية أيضا حيث كانت جميع الدول العربية ترسغ تحت نير الاستعمار اما الإنجليزي او الفرنسي او الإيطالي بل امتد التأثير الي دول افريقيا غير ناطقة بالعربية حيث رأت فيها الشعوب مخرج لها ولو عاطفيا من الاحتلال الجاثم على صدورهم.

ولكن بعد أكثر من 70 عاما على التجربة الناصرية هل يمكن تقييمها بشكل عقلاني بعيدا عن العاطفة والعبارات الرنانة.

لعل من أهم مكاسب تلك المرحلة هي رحيل الاستعمار الإنجليزي عن الأراضي المصرية وكذلك استعاده ثروات البلاد مثل قناة السويس وعودتها الي ملاكها الحقيقيين وهم المصريون الذين دفعوا ثمنها من دمائهم وارواحهم.

اما اهم السلبيات..

·      التراجع الاقتصادي الحاد وانهيار قيمة العملة المصرية مقارنة بما كانت قبل 52 وذلك نظرا للحروب التي خاضها الجيش المصري بدأ من 56 ثم حرب اليمن ثم حرب 67

·      رغم أن السياسات والقرارات – كالإصلاح الزراعي والتأميم – رفعت شعبية عبد الناصر آنذاك، إلا أنها أثبتت فشلها الاقتصادي على المدى البعيد

·      تحول غير مدروس للدولة من دولة زراعية الي دول صناعية ولكن بشكل غير مكتمل مما تسبب في عدم تحقيق الهدف الأصلي ولم تظل الدولة زراعية كما كانت طوال تاريخها كما انها لم تصبح دولة صناعية كما كان يصدر للشعب وقتها وهو ما ادي الي ضعف القطاعين الزراعي والصناعي.

·      التعليم المجاني وزيادة مخصصات التموين مع الانجاب والتعيين في الوظائف الحكومية بشكل مبالغ فيه مما ادي الي التشجيع على النمو السكاني الغير مدروس الذي ادي الي المشكلة السكانية التي تعاني منها الدولة المصرية حاليا.

·      انخفاض سقف الحريات بشكل كبير يمكن أكثر مما كانت قبل ثورة 52 وتم الغاء الأحزاب السياسية وتم استبدالها بكيانات تابعه للدولة مثل التنظيم الطليعي وماشابه والتي تدور كلها في فلك الدولة وتحول الامن الي امن النظام وهو ما كان يتصور ان لا يحدث بعد الثورة فاذا بنا نفاجئ ان التحول كان في الأشخاص وليس في السياسات والأفكار وأصبحت الدولة تُدار بمنطق الفرد، لا منطق المؤسسات...

وهنا يجب ان نسأل..

 أولا. هل استفادت الدولة المصرية من التجربة الناصرية؟؟

بالتأكيد من ناحية الاستقلال السياسي والتحرر من النفوذ البريطاني، وبناء قاعدة صناعية (رغم قصورها)، وبناء الجيش، والتعليم المجاني والسد العالي ... ولكن كان الثمن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي فادحًا، وتمت التضحية بالمؤسسات مقابل تمجيد الفرد.

ثانيا. هل كان عبد الناصر زعيما حقيقيا يسعي لبناء الدولة المؤسسية ام ديكتاتور يسعي للزعامة والحكم الفردي؟  

اغلب ظني انها بدأ الامر كزعيم ثم تحول الامر الي الدكتاتورية الفردية نظرا لأنه كان يفترق الي التجربة السياسية قبل تولي زمام الدولة فالطبيعة والتربية العسكرية تتعارض مع التعددية والآراء المختلفة – حيث ان رفض الآراء الأخرى والنصائح من الاخرين مع الوقت تحول الي احتكار للحقيقة والرأي الواحد والاتجاه الواحد والاختلاف في الراي او المعارضة تحولت الي خيانة وعماله اذ تحول ديكتاتورًا بحكم الممارسة، وإن لم يكن النية في البداية كذلك.

الخلاصة:

تجربة عبد الناصر هي تجربة ملحمية بالتأكيد نجحت في بناء شعور قومي عابر للحدود، لكنها فشلت في بناء الدولة المؤسسية الحديثة وما تزال مصر تدفع ثمن بعض اختيارات تلك الحقبة إلى اليوم.