دراسة التاريخ "ترفٌ فكري" أم "ضرورة إنسانية"؟

أثناء قيامي ببحث تاريخي حول أحد المواضيع اضطررت للبحث عن عدّة مراجع، وأثناء اطّلاعي عليها لفت انتباهي أمر مهم ألا وهو الكمّ الهائل لهذه الكتب والمراجع، لكن بالمُقابل عدد مرات تحميلها قليل للغاية حتى أنّ بعض هذه الكتب تم تحميله مرة واحدة! هل تصدقون؟؟

ورغم أنّ..

هذه الكتب أصنّفها ككتب ممتازة جدا ورائدة، وأنا هنا أتحدّث عن مكتبات إلكترونية مرموقة ومشهورة عربيا مثل مكتبة نور Noor Book ومكتبة فولة Foula Book المكتبة الشاملة Shamela وليس عن مكتبات رقمية صغيرة وناشئة..

المشكل أين هو؟

لحظة! لا تتسرع فالمشكلة تكمن في الكلام الذي قلته قبل لحظات وللتوضيح أكثر، سأطرح السؤال التالي: لماذا لا يلقى التاريخ نصيبه من الإهتمام؟ بعكس الروايات مثلا والتي تلقى إقبالا منقطع النظير، لدرجة أصبح البعض يتفاخرون بقراءة أكبر عدد من الرويات، مع أنّي شخصيا لا أحبّذ قراءة الروايات كثيرا، أو على الأقل أمنح الأولوية للكتب النافعة مثل كتب التاريخ، التغذية والصحّة، الدّين، ريادة الأعمال، التِقنيات..

السبب..

برأيي العزوف عن قراءة كتاب التاريخ والاطّلاع على تاريخ الأمم والشعوب والحضارات يعود سببه لاعتقادات خاطئة منتشرة بين الكثيرين من أبرزها: الإعتقاد بأنّ التاريخ غير مهمّ في حياتنا العملية، أو أنّه غير ذي أولوية لذا يُمكن تصنيفه كترف فكري نتسامر به في مجالسنا أحيانا.. والعديد من الأسباب، التي يتفق المؤمنون بها حول أنّ التاريخ ليس علما حقيقيا ولا يستحق الدراسة إلا من بعض المُؤرّخين!!

ورغم أنّ البحث التاريخي والدراسات التاريخية اليوم أصبحت تعتمد على أحدث أنواع التكنولوجيات، إلا أنّ الرأي الذي ذكرته لا يزال سائدا.. حتى مجموعات التاريخ وصفحات التاريخ على مواقع السوشيال ميديا لا تلقى متابعين كثر مقارنة بصفحات في مجالات أخرى..

أقترح عليكم هذه القناة الرائعة في اليوتيوب: تاريخستان

هل ترى التاريخ مهمّا لنعرف حاضرنا ونتحضّر لمستقبلنا؟

إذا كنت مهتما بالتاريخ فهل من كتب جيدة تُرشحها لللقراءة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هل ترى التاريخ مهمّا لنعرف حاضرنا ونتحضّر لمستقبلنا؟

للأسف هناك عزوف واضح عن دراسة التاريخ أو حتى التثقّف فيه. ونجد أن من يهتم بدراسة هذا المجال هم من محبّي التاريخ ولديهم شغف حقيقي وفعلي بتتبع تاريخ العالم والمنطقة وتاريخ البلد ذات نفسها.

برغم الأاهمية الكبيرة لدراسة التاريخ، على الأقل تاريخنا نحن المسلمين وما فيه من دروس عديدة لو استخلصناها وطبّقناها اليوم ربما لحللنا العديد من القضايا والمشاكل العالقة، ولما أصبحنا أمة ضعيفة تستجدي قوت يومها من الغرب!

هذا العزوف وإن فسّرته ربما لأن البعض يظن أن القراءة في التاريخ مملة وصمّاء. فيتّجهون لقراءة القصص والروايات بدلًا من التثقّف التاريخي ذات نفسه.

لكن ما رأيك بالأفلام الوثائقية التاريخية؟ هل تجدها بديلًا مناسبًا عن القراءة لمن لا يجذبهم المحتوى التاريخي في الكتب؟ لأن عنصر التشويق بها بلا شك أكثر من توظيف حواس السمع والبصر والتفاعل مع المرئيات أكبر.

مجهول أضف ردا

لكن ما رأيك بالأفلام الوثائقية التاريخية؟ هل تجدها بديلًا مناسبًا عن القراءة لمن لا يجذبهم المحتوى التاريخي في الكتب؟ لأن عنصر التشويق بها بلا شك أكثر من توظيف حواس السمع والبصر والتفاعل مع المرئيات أكبر.

نعم بالطبع الأفلام الوثائقية جيدة لكن لها عيوب برأيي:

  1. عدم تحرّي الأمانة العلمية التاريخية الحقيقية نظرا لضيق وقت إعدادها بسبب أهدافها الربحية التجارية.. عكس الكتاب الذي غالبا يكون كاتبه دكتور ومتمكن وهدفه علمي بحت..

  2. التحيّز أو تسويق أجندات خفية معينة للتأثير على فئة ما أو تسويق أفكار ما..

  3. إضافة أشياء كثيرة غير صحيحة في الفيلم الوثائقي أو الفيلم السينيمائي بغرض التشويق وزيادة الإثارة وتطويل مدة العرض..

ومع ذلك فالأفلام الوثائقية جيدة لكنها قليلة جدا في عالمنا العربي على عكس أوروبا التي فيها آلاف القنوات التاريخية مثل قناة History وقنوات Discovery التي بها قنوات مخصصة للتاريخ فقط...

ومع ذلك فالأفلام الوثائقية جيدة لكنها قليلة جدا في عالمنا العربي على عكس أوروبا التي فيها آلاف القنوات التاريخية مثل قناة History وقنوات Discovery التي بها قنوات مخصصة للتاريخ فقط...

فعلًا فأنا لم أسمع عن قنوات تُعنى بالجانب التاريخي من المحطات العربية سوى الجزيرة الوثائقية وناشيونال جيوقرافيك، وحتى أنها ليست متخصصة بالتاريخ، إنما تعرض بعض الفقرات فقط وبرامج معيّنة.

ولكن برأيك أ. أحمد، كيف يُمكننا ان نُحبب الأجيال بالتاريخ والتثقّف به؟ هل المناهج التعليمية لها يدٌ في نفور الأجيال عن التعرف أكثر على التاريخ؟

هل ترى التاريخ مهمّا لنعرف حاضرنا ونتحضّر لمستقبلنا؟

بالتأكيد، القراءة عن التاريخ ضرورية كى نتعرف على أصولنا، وماضينا. لكن كما قلت لا تلقى إقبالاً، وأنا أول مَن يعزف عن قراءتها لشعورى أننى سأمل منها بسرعة! لذلك أرى أنه بإمكانى قراءة أى كتاب، أو رواية فى أى مجال غير التاريخ!

نظراً لكونى لم أهتم من قبل بقراءة التاريخ، ماذا ترشح لى كى أبدأ به فى ذلك المجال؟

أي تاريخ تميلين نحوه هل التاريخ الإسلامي أو الأاوروبي أو التركي أو الآسيوي أو المصري.. الخ؟

لكن على العموم سأرشح لك هذه الكتب:

  1. التاريخ الإسلامي والتاريخ العام: تاريخ الأمم والملوك للإمام الطبري + البداية والنهاية لإبن كثير + تاريخ الخلفاء للإمام السيوطي..

  2. التاريخ العام: الملك كورش، فلسطين التاريخ المصور، خط الزمن، فجر الضمير، تاريخ وقواعد الحضارات، الحضارة لديورانت..

التاريخ يكتبه المنتصر!

عزوف الناس عن قراءة كتب التاريخ من وجهة نظري سببه الأول هو ما تضمنته العبارة السابقة.

عندما أتجه لقراءة رواية مثلا، أنا أعلم مسبقا أنها من وحي خيال مؤلفها، وسواء تشابهت مع الحقيقة أو إختلفت فالأمر لا يعنيني بالأساس، بخلاف كتب التاريخ والتي غالبا ما أذهب لقراءتها باحثا عن الوصول لحقيقة مؤكدة، وهو ما لا يتحقق غالبا، لأن كاتب التاريخ ليس محايدا في نقل ما حدث غالبا، وبالتالي فأغلبه لا ينقل لك الحقيقة الكاملة يا أحمد.

حقيقة لا أرى الأمر من هذه الزاوية ولا أعتقد أنّ هذا مبرر كافٍ..

فنحن نعلم أنّه لا يوجد كاتب ومُؤرّخ محايد لكن هذا ينبغي ألا يمنعنا من تكوين ولو فكرة بسيطة عن ما جرى ففي النهاية ليس كل ما يكتب كذبا وتزويرا وخداعا.. وإذا فكرنا بهذا المنطق فسنُصبح أشخاصا سلبيين ونفترض الشر والسوء في الآخرين وأنّهم حتما يزورون ويكذبون.. ونعم قد يكون هناك شيئ من الحقيقة في عبارة التاريخ يكتبه المنتصرون لكني لا أراها أبدا مبررا..

فمثلا شخص ليس لديه أدنى فكرة عن الحرب العالمية الثانية وآخر لديه فكرة ولو بسيطة.. على الأقل يُمكن للثاني لاحقا التأكد مما قرأ والتقدّم والترقي في مستويات ثقافية أعلى فيما الأول سيظل دائما جاهلا..

مثلا كنت أسأل جدتي وكانت تخبرني عن الثورة الجزائرية في قريتنا وتفاصيل كثيرة قارنت فيما بعد بينها وبين ما درسنا وبين ما هو موجود في أرشيف مدينتي ووجدته صحيحا. مع العلم أنّ جدتي لا تكتب ولا تقرأ أي أميّة وكبيرة بالسن وقد عايشت الثورة ضد الإستدمار الفرنسي في صغرها.. وجميع إخوتها استشهدوا في المعارك..

لذا التاريخ أغلبه شهادات حية رواها أشخاص عايشوا الحدث ليس بالضرورة أن تكون لهم أجندات أو أهداف ما أو مصلحة في إخفاء الحقيقة

حسنا دعنا ننظر للأمر بعيدا عن أننا لنا ميول أكاديمية بعض الشئ، ولننظر للأمر من وجهة نظر الشباب الذي يبحث عن كتاب ليقرأه.

ما الذي قد يجذبه لقراءة كتاب مشكوك في مصداقيته أصلا؟!

أتفق معك في طرحك بالمناسبة، ولكني أرغب في طرح آراء الشباب بهذا الخصوص، كوني أكثر إحتكاكا بهم بحكم عملي الأكاديمي.

ما الذي قد يجذبه لقراءة كتاب مشكوك في مصداقيته أصلا؟!

الرغبة في التدرّج في مراتب الثقافة.. فكما قلت في تعليقي السابق الذي يقرأ أفضل ممن لا يقرأ أبدا أيا كان عذره

كما انّه علينا ان نطرح سؤالا مهما من أخبرنا أنّ الكتاب مشكوك في صحته؟ وهل هذه مجرد افتراضات يفترضها شخص ما مثلا لم يقرأ من قبل تاريخ تلك الحقبة الزمنية؟

فمن يحق له التشكيك في كتب التاريخ هو المؤرخ أو على الأقل المُطلّع على المجال والذي سبق وقرأ كتبا كثيرة وفهم من خلالها أنّ هناك تزويرا ما..

حسنا يا أحمد، طرحت العديد من الأمور، دعنا نفصل فيها نقطة نقطة:

التدرج في مراتب الثقافة

من الذي وضع قاعدة أن الثقافة لابد فيها من دراسة التاريخ، كل المجالات تقود لذات النتيجة فلماذا هذا الإتجاه أصلا؟!

الذي يقرأ أفضل ممن لا يقرأ أبدا

اسمح لي أن أختلف معك هنا يا أحمد، فالقراءة في الطريق الخاطئ نتائجها أسوأ بكثير من عدم القراءة، لا أخص مجال التاريخ بالذكر، ولكن بشكل عام هناك أمور الجهل بها لا يضر والعلم بها لا ينفع، وأمور أخرى الجهل بها أفضل من العلم بها، فلا يجوز أبدا أن نعمم القاعدة سالفة الذكر.

من أخبرنا أن الكتاب مشكوك في صحته

الشواهد الحياتية تقول ذلك، نحن عايشنا أحداثا كثيرة في بلادنا العربية بشكل عام وشاهدنا كيف تم توثيقها في كتبنا، الأمر لا يحتاج لأن نسمع من أحد، كذلك المؤرخون أنفسهم هم من يعيبون في كتابات بعضهم البعض!

من يحق له التشكيك

الجميع يحق له التشكيك يا أحمد حتى لو لم يكن مطلعا، بل إنه مبدأ عام لكل قارئ.

أتذكر ما قال الراحل أنيس منصور بهذا الخصوص:

" إذا كنت تصدق كل ما تقرأ، لا تقرأ! ".

مجهول أضف ردا

من الذي وضع قاعدة أن الثقافة لابد فيها من دراسة التاريخ، كل المجالات تقود لذات النتيجة فلماذا هذا الإتجاه أصلا؟!

لم أقصد أنّه يجب دراسة التاريخ أو الأطّلاع عليه ليُصبح الإنسان مثقفا، بل قصدتُ أنّ دراسة التاريخ أحد أجزاء التدرّج في مراتب الثقافة..

القراءة في الطريق الخاطئ نتائجها أسوأ بكثير من عدم القراءة، لا أخص مجال التاريخ بالذكر، ولكن بشكل عام هناك أمور الجهل بها لا يضر والعلم بها لا ينفع، وأمور أخرى الجهل بها أفضل من العلم بها، فلا يجوز أبدا أن نعمم القاعدة سالفة الذكر.

لكن لماذا بالذات مجال التاريخ تعتبره من الأمور التي لا يضرُّ الجهل بها؟ تخيل شخصا لا يعرف تاريخ أجداده ولا يعرف تاريخ الآخرين والأمم الأخرى كيف سيتعامل معهم في مستقبله.. فمعرفة الآخر تتطلب معرفة تاريخه على الأقل لتكوين فكرة عنها.. ومن باب أولى معرفة تاريخنا نحن تمكننا من تفادي الأخطاء التي وقع فيها السابقون

الشواهد الحياتية تقول ذلك، نحن عايشنا أحداثا كثيرة في بلادنا العربية بشكل عام وشاهدنا كيف تم توثيقها في كتبنا، الأمر لا يحتاج لأن نسمع من أحد، كذلك المؤرخون أنفسهم هم من يعيبون في كتابات بعضهم البعض!

لكن هكذا أن تُرسّخ فكرة الأصل هو الشك حتى يثبت العكس! وهذه مشابهة للقاعدة الخاطئة المعروفة في القانون والتي تقول الجميع بريئ حتى تثبت إدانته فكيف حكمت بالإدانة على التاريخ وأنّه مزور فقط لأنّه يتم تزوير أجزاء منه اليوم أما أعيننا.. مع العلم أنّنا اليوم نعيش في عالم تحكمه أجندات خفية ووسائل إعلام قوية مملوكة لنخبة غير ظاهرة للعلن لديها أهداف كثيرة وتسعى لقلب الحقائق وموازين الفِطرة البشرية..

أما القدماء فصدقني وأنا دارس للتاريخ بشكل جيد فقد كانوا في غالبهم بسطاء وتشيعُ بينهم الأمانة العِلمية وأغلبهم رغم عدم موضوعيته إلا أنّه لم يكن يحمل أجندات خفية

سأعطيك مثالا هناك مؤرخون رومان أرّخوا للحرب التي خاضها يوليوس قيصر ضد النائب البرلماني بومبيوس وانتصر فيها وأغلبهم متفقون في تفاصيل الرواية ولم يُفضلوا أحدا على الآخر، ومؤخرا قام أطباء وعلماء حفريات بإجراء اختبارات نفسية حول ما قرأوه عن يوليوس قيصر لمعرفة ما إذا كان ما قاله المؤرخون صحيحا حول اضطرابه السلوكي ووجدوا أنّه بالفعل كان يُعاني من مرض معين لم يكتشفه البشر إلا في العصر الحديث.. فهنا العلم التجريبي اليوم أصبح يساعد في فهمنا للتاريخ ويجعله أكثر دقة وموضوعية.. كُنتُ قد شاهدت هذا الوثائقي اليوم على قناة BBC

مثال آخر: كل ما رُوي عن الفراعنة تقريبا صحيح أغلبه مكتوب في لوحات بالهيروغليفية وهذا بشهادة علماء اللسانيات والحفريات والأطباء، فقد قاموا بإجراء تجارب واختبارات على جثث ملوك مصر المحنطين وغيرهم ووجدوا مثلا سبب الوفاة الحقيقي مطابقا لما جاء في تلك الكتابات الهيروغليفية وأنّه تم تسميم هذا الملك أو ذاك وهكذا..

الجميع يحق له التشكيك يا أحمد حتى لو لم يكن مطلعا، بل إنه مبدأ عام لكل قارئ.

التشكيك الذي يقصده أنيس منصور ليس ذلك التشكيك الذي يكون صاحبه متأكدا 100%!!! بل التشكيك الأولي فقط الذي يسبق القراءة، ثم بعد القراءة للمرء الحرية في التصديق أو التكذيب أو تصحيح المفاهيم أو انتقادها أو الإتيان بألإضل منها..

أما أن يُشكك شخص لم يقرأ في حياته تاريخ الفرس مثلا في تاريخ الفرس فهذا غير منطقي!!

حسنا يا أحمد أتفق معك أن دراسة التاريخ هي أحد الطرق المؤدية للثقافة بشكل عام، وأنه أيضا لا يمكن أن أشكك في تاريخ الفرس وأنا لم أطلع عليه يوما.

وأنا لا أشكك أبدا فيما ذكرت من أمثله، وأثق تماما في أمانتك العلمية في النقل والسرد، ولكن ...

لماذا أولا ترفض مبدأ الشك بشكل عام، في رأيي أن هذا المبدأ كان سبيلا لكثير من الإكتشافات والإختراعات، فلو صدق كل جيل بما أخبره به الجيل السابق، لما كانت هناك حضارة ولما كان هناك تقدم ولما كان هناك تاريخ!!

كذلك الحال بالنسبة للقاعدة القانونية، لست متخصصا بشكل عام، ولكن ما الذي يمنع صحتها من وجهة نظرك، أليس ذلك أفضل من العكس؟!

في رأيي أن هذا المبدأ كان سبيلا لكثير من الإكتشافات والإختراعات

عند تطبيق هذه القاعدة على الجانب العلمي التجريبي فلا مشكلة.. بل حتى تطبيقها على مجال الأدبيات والمجالات الغير التقنية كالتاريخ ممكن لكن بشرط أن يكون المشكك بناءا لا هادما ومنتقدا فقط!!

فما الفائدة من شك كثير ومتواصل في كل شيئ دون تقديم بديل أو حل أو إضافة أو السعي وراء فهم الشيئ في الأول ثم تقرير الإنسحاب منه وعدم تصديقه..!! أليس ذلك أولى من مبدأ الشك العبثي الذي يجعل الإنسان يُبرر لنفسه ويجعله لا يشعر بأنه مخطئ أو مقصر في مجال ما..

المشكلة في مجال التاريخ بشكل عام أننا نعتمد فيه كليا على ما تركه السابقون، بخلاف أغلب المجالات الأخرى التي يمكنك فيها أن تجرب بنفسك لتحكم على صحة الشئ من عدمه.

فمثلاً لو أردت دراسة تاريخ الأندلس، فلا مفر من الرجوع إلى مراجع محددة هي التي نستقى منها ما وصل إلينا من تاريخها والأحداث التي مرت بها.

ومهما تعددت المصادر، فهي محددة ويمكن حصرها، وكلها يعتمد بشكل كلي على أقوال صاحب المصدر!

وهنا أود أن أسألك يا أحمد كونك من المتخصصين، هل يوجد في علم التاريخ علم مشابه لعلم الرجال في الحديث؟

بمعنى أنك يمكن أن تتيقن من صدق وصحة ما يرد إليك من رواية تاريخية من خلال سلسلة من المؤرخين الثقات أو ما شابه؟

في الغالب لا يوجد إلا رواات فردية، لكن يُمكن مقارنتها مع روايات لمؤرخين آخرين..

علم الرجال هو علم فريد من نوعه ابتكره المسلمون ولازال يُبهر المعاصرين وخاصة المستشرقين الغربيين والمهتمين بحضارات الشرق منهم..

والجميل في الامر أن مؤرخين مثل الطبري مؤلف كتاب تاريخ الأمم والملوك كان ينقل في كتابه عن سلسلة من الأشخاص مثلما يفعل علماء الحديث عكس كتب الحديث الأوروبية التي تعزو الأخبار غالبا إلى مؤرخ واحد أو شخص واحد..

مثلا أغلب التاريخ الروماني القديم مستمد من المؤرخ الروماني الأشهر "بيليني الأكبر"

إن كان الأمر كما تقول يا أحمد فكيف يتمكن المؤرخين المعاصرين من التيقن حول صحة ما يرد من روايات، مصدرها هو الشخص نفسه!

بالنظر مثلا لعلم الحديث فرغم وجود علم الرجال إلا أننا لا نزال نواجه يوميا من يشكك في أحاديث معينة، ويعتمد على التجريح في شخص الناقل، والذي يتخلل مجموعة من الرجال قبله وبعده، فما بالك برواية لا مرجعية لها سوى صاحبها!!

لم تفهم قصدي أخ محمد.. فأنا فقط أوردت مثال التاريخ الروماني للدلالة على تفوق المسلمين في تأريخ حضارتهم بابتكارهم لعلم الرجال.. ولست أقول أنّ تصديق رواية مؤرخ واحد كما هو الحال في مثال التاريخ الروماني جيد..

ما الذي قد يجذبه لقراءة كتاب مشكوك في مصداقيته أصلا؟!

الرغبة في التدرّج في مراتب الثقافة.. فكما قلت في تعليقي السابق الذي يقرأ أفضل ممن لا يقرأ أبدا أيا كان عذره

كما انّه علينا ان نطرح سؤالا مهما من أخبرنا أنّ الكتاب مشكوك في صحته؟ وهل هذه مجرد افتراضات يفترضها شخص ما مثلا لم يقرأ من قبل تاريخ تلك الحقبة الزمنية؟

فمن يحق له التشكيك في كتب التاريخ هو المؤرخ أو على الأقل المُطلّع على المجال والذي سبق وقرأ كتبا كثيرة وفهم من خلالها أنّ هناك تزويرا ما..

كنت سوف ابدأ تعليقي بنفس الجملة.

التاريخ يكتبه المنتصر!

شخصيا عشت جزء هام من تاريخ سوريا المعاصر.

وشهدت بنفسي كيف يتم تزوير الاحداث ... التي سوف توثق بالاخير كمراجع تاريخية.

الجميع بلا استثناء قام باقصى تزوير ممكن.

من ناحية ثانية ...

طريقة دراستنا للتاريخ في المدارس كانت مملة . حفظ١٠٠% ( كانت اسوء علاماتي في مادة التاريخ وبأحد السنوات اصبحت بالاحمر ).

ربما لو تعلمنا التاريخ بهدف فهم الواقع كان افضل.

مثل دروس الجغرافيا التي تشرح اسباب تغير الفصول وطول النهار.

لقد حصلت على درجة النجاح فقط في مادة التاريخ في الصف الثالث الإعدادي، وأتفق معك أننا واجهنا مشاكل جمة بخصوص طريقة تدريس هذه المواد.

أتذكر ذلك الكتيب الصغير الذي كان يحتوى على التاريخ والحدث بجانبه حتى نقوم بحفظه قبل الإمتحانات!!

ربما لو تعلمنا التاريخ بهدف فهم الواقع كان افضل.

نعم فكرة جيدة وينبغي تطبيقها على جميع المواد الدراسية.. ففي النهاية الهدف من الدراسة هو بناء شخصية وفكر التلميذ ليستطيع التأقلم مع واقعه وحل مشاكله وفهمه بشكل أفضل وليس مجرد الحصول على شهادة ولقب ما!

أنا كانت علاماتي ممتازة في مادة التاريخ ربما لأني كنت أشاهد الوثائقيات كثيرا في سن مبكر ولأني أعتبر التاريخ شغف وليس مجرد تخصص..

الملاحظة على ثقافة القراء العرب الميل لقراءة الرةايات بدرجة أولى، أما كتب التخصص فلا تلقى الكثير من الاقبال إلا فيما يخص التخصصات التقنية التي يجد أصحابها أنفسهم مضطرين عليها لتطوير أنفسهم.

هل ترى التاريخ مهمّا لنعرف حاضرنا ونتحضّر لمستقبلنا؟

من المؤكد أن التاريخ مهم، فمن لايعرف أصله لا هوية له.

التعمق فيه وفي تجارب الأمم السابقة يعطينا الدروس لتجنب اخطائها واختيار قرارات أفضل

التخصصات التقنية حسب ما لاحظت نفس الشيئ والله أعلم.. ومما لاحظته هو عدم الإقبال الكبير على كتب البرمجة والتصميم حتى وهي باللغة العربية ومتعوب عليها من قبل أكاديميات عربية مثل اكاديمية حسوب التي لم تدخر جهدا في تقديم كتب أكثر من رائعة مجانا للجميع..

ربما مستقبلا سينتشر الوعي بالتاريخ والتقنيات الحديثة وتصبح ثقافة القراءة راسخة عند الجميع وتتقلص هيمنة الروايات قليلا..

هل من كتب جيدة في التاريخ تُرشحينها لنا لقرائتها؟

مما لاحظته هو عدم الإقبال الكبير على كتب البرمجة والتصميم حتى وهي باللغة العربية ومتعوب عليها من قبل أكاديميات عربية مثل اكاديمية حسوب التي لم تدخر جهدا في تقديم كتب أكثر من رائعة مجانا للجميع..

مؤسف حقا الوضع

بالنسبة للترشيحات، أعتقد يمكنك قراءة:

الاندلس من الفتح الى السقوط

حضارة العرب لغوستاف لوبون

قصة الحضارة لويل ديورانت

الاندلس من الفتح الى السقوط

لم أقرأه بعد.. سأفعل قريبا إن شاء الله

قصة الحضارة لويل ديورانت

سبق لي قراءة بعض أجزاء قصة الحضارة لويل ديورانت خاصة الجزء 13 الخاص بالحضارة الإسلامية ومنجزاتها، كان ديورانت مبهورا جدا بالحضارة الإسلامية..

حضارة العرب لغوستاف لوبون

قرأت أجزاءا من حضارة العرب لجوستاف لوبون وهو الآخر أبدع في كتابه هذا في إخباره عن المسلمين وحضاراتهم، استفدت من الكتابين الكثير لدرجة أني استنتجت بعد قرائتهما أنّ نصف علوم الأرض حاليا أو أكثر إمّا طوّرها المسلمون كالطب والكيمياء أو ابتكروها من الصفر كعلم الجبر والهندسة التحليلية أو أضافوا فيها كالجغرافيا والفلك..