ما الإجراء الصحيح إذا اشتبه الطبيب في أن مريضه يتعرض لتعنيف عائلي لكنه لا يريد الإفصاح؟

raghd_agaafar

أخبرني أحد الأطباء عن حالة ظلّت عالقة في ذهنه لسنوات. كانت لمريضة في الثلاثينات من عمرها، تزور العيادة بشكل متكرر بأعراض جسدية لا تفسير عضوي لها: صداع مزمن، دوخة، وألم مبهم في البطن. بدا واضحًا للطبيب أن شيئًا خلف هذه الشكاوى، لكن المريضة كانت متحفّظة، ترد بإجابات قصيرة، وتحرص على مغادرة العيادة سريعًا. في إحدى المرات، لاحظ كدمة خفيفة على ذراعها، وعندما سأل، أجابت أنها نتيجة "سقطة بسيطة". لكن نظراتها المرتبكة وتجنّبها التواصل البصري كانت تقول شيئًا مختلفًا.

قرر الطبيب ألّا يضغط، فغيّر أسلوبه تدريجيًا: طرح أسئلة بعناية، وحرص على خلق مساحة آمنة بدلًا من المطالبة باعتراف. مع الوقت، بدأت المريضة تتحدث، واكتشف أنها تعاني من تعنيف منزلي مستمر. الطبيب وثّق ما سمعه، وأحال الحالة بسرية إلى وحدة الحماية الاجتماعية، مقدمًا الدعم دون أن يضعها في مواجهة مباشرة مع الخطر. يقول هذا الطبيب إن اللحظة الفاصلة كانت حين شعرت بأنها لن تُدان لو تحدثت. وهنا يُطرح سؤال، لو كنت طبيبًا فكيف تبني ثقة تسمح لمن يتألم بصمت أن يرى في الطبيب بداية للنجاة؟

أتطلع لسماع الآراء من الجميع، سواء له علاقة بالمجال الطبي أو بعيد عنه.

وماذا عن آراء الأطباء هنا كذلك؟ أتطلع لقراءة تعليقات حضراتكما.

@Yassen_Hassan

@ErinyNabil

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شكرًا عزيزتي رغدة للإشارة،

أتفق جدًا ما ما فعله الطبيب، فهو بذلك من ناحية جعلها تتكلم دون ضغط وتحكي تفاصيل كانت تخفيها تمامًا، لأسباب تهديدية ممكن، وعلى الناحية الأخرى، التعامل بسرية مع الحالة ونقلها للحماية الاجتماعية لدراسة شؤون السيدة وإتخاذ الاجراءات السليمة.

في رأيي بناء الثقة يأتي من تفهم ظروف الشخص، بمعنى لو أنني أرى من الأفضل مثلًا أن يحدثني الآن عن مشكلته، وذلك دون العلم بحيثيات وتفاصيل تهمه هو، إذن أنا أخترق حدوده وأضغطه بنفس الأسلوب المؤلم في حياته، ولكن -بالطبع- إرسال كل الإشارات سواءً مسموعة أو مرئية بإن الوضع آمن ويمكن للشخص أن يتحدث، وأن الدعم سيكون كامل ما إن نصل إلى خيوط المشكلة، فهنا الشخص سيجد مساحة آمنة للتعبير والبوح بحقائق مهمة.

على الرحب والسعة دكتور. يشرفني ذلك.

إذن أنا أخترق حدوده وأضغطه بنفس الأسلوب المؤلم في حياته

لكن ألا ترين أن كل حالة فريدة؟

وما يصلح لمريض قد لا يصلح لآخر. الأهم هو أن يكون لدى الطبيب القدرة على تقييم الوضع واتخاذ القرار الأنسب بناءً على الظروف.

يعني أحيانًا عدم المواجهة المباشرة قد يؤخر التدخل اللازم. في بعض الحالات، قد يكون من الأفضل التحدث بصراحة إذا كان الأمر ظاهر، واتخاذا إجراء فورًا.

لأن ضحية العنف غالبًا لا تتحدث خوفًا من أن يُنكل بها أكثر.

فرضا اتخذ قرار سريع وجاءت هي وأنكرت تماما أنها تتعرض لهكذا عنف، ماذا سيكون موقف الطبيب؟

هذا وارد.

لكن ليخلي مسؤوليته إذا قامت الضحية بهذا الفعل.

من المفترض أنهما لن يخرجا من العيادة إلا وقد أعلمها بالإجراء الذي سيتخذه. لكني قصدت الصراحة والمباشرة بدلًا من محاولة قد تجدي نفعًا أو لا. بدلًا من ذلك سيعمل على إقناع الضحية بالإجراء الذي يريد اتخاذه.

وإن أنكرت لحظة التنفيذ، فإنه سيقول بهدوء إنه أساء الفهم، ويخبرها على انفراد أنه سيكون موجودًا لمساعدتها لاحقًا وينتهي الموضوع، وتكون هي من اختارت.

لا بد للطبيب أن تكون لديه خطة تصرف بديلة حتى لا يضع نفسه في مأزق وموقف سخيف.

قد نكون أمام تحدي بين احترام خصوصية المريض ومحاولة إيصال المساعدة في الوقت المناسب. ولكن ماذا لو كانت المريضة في حالة تهديد حقيقية، وأبطأ الطبيب في اتخاذ الخطوة المناسبة؟ هل كان من الأفضل أن يُسرع أكثر في هذه اللحظة الحاسمة؟ أرى أنه من البداية أن يعرضها على الجهات المختصة.

رأيي من رأيك.

هناك حالات لا تحتمل الانتظار، وينبغي من اللحظة الأولى عرضها على حماية المرأة. الطبيب ليس جهة تحقيق، لكن عليه إشراك المختصين فورًا عندما يشك في وجود تهديد حقيقي.

لكن هل فعلًا هناك بروتوكولات في المستشفيات تحمي تلك الفئة من المرضى بعد أن يبوحوا؟ هل سيدعم المشفى الطبيب أم سيقول له لا تتدخل، وهذه ليست مهمتك، ...

المستشفى التي أعمل بها في مصر، توجد وحدة متخصصة تُعرف بـ"وحدة حماية المرأة"، وهي معنية بالتعامل مع مثل هذه الحالات بسرية وحرفية، وتشترك مع الأطباء والفرق الاجتماعية لتقديم الدعم والحماية اللازمة للناجيات. الطبيب قد لا يكون جهة تحقيق فعلًا، لكنه غالبًا ما يكون أول من يلتقط الإشارات، ومن هنا تبدأ سلسلة الحماية، وليس نهاية دوره.

الطبيب ليس معالجًا نفسيًا ولا قديسًا... دوره أن يكون جسرًا للنجاة، لا مجرد صندوق أسرار. إذا كان يشتبه بالعنف، فليتحرك بذكاء وقوة يسجل الأدلة كأنها قضية جنائية، يتصل بالحماية الاجتماعية حتى لو قاومت المريضة (لأن الضحايا غالبًا لا يطلبون المساعدة حتى يصل الضرب إلى العظم)، ويوفر لها رقم طوارئ يمكنها حفظه في جوربها مثلًا.

الثقة؟ نعم، مهمة. لكن الضحايا يموتون كل يوم بسبب طبيب انتظر حتى تبني الثقة بينما الجلاد كان يبني القبر

الرحمة الحقيقية هي أن يمنحهم مخرجًا حتى لو كرهوه... لأن الأحياء فقط لديهم رفاهية اختيار مشاعرهم.