رواية التحوّل: ما الذي تصنعه العائلة السيئة بنا؟
- Jamal_7
- 2022-08-28T20:16:57+00:00
- 2022-08-28T20:25:37+00:00
نتوقّع من العائلة دائمًا أن تكون مصدر الدفء والأمان الأول في هذا العالم،
إلا أنها قد لا تكون كذلك أبدًا، وقد نجد بين الحيوانات معاملة للأبناء لا نجدها في البيت، كانت تجربة رهيبة حين قرأتُ رواية التحوّل للكاتب السوداوي فرانز كافكا،
في هذا العمل العجيب أعتقد أن كافكا كان يعكس صراعاته مع والده الذي كان يحتقره، ويُذيقه سوء العذاب والقسوة، وفكرة الحشرة العملاقة التي أصبح سامسا وقد وجد نفسه متحوّلًا إليها، يبدو أنها جاءت من أن والد كافكا كان ينعته بالطفيلي، والطفيلي هو كائن يعتاش من أجساد حية، يمتص دماؤها من دون أن يقضي عليها، واضح أن كافكا قد أخذ هذه الإستعارة، فتخيّل شخصية غريغور سامسا الذي ينقلب في الصباح إلى حشرة هائلة من الطفيليات، ما دام لا يستطيع الاستمرار في مزاولة عمله، وصار يخيف العائلة وانقلب نظام الأشياء، وبدأ الجميع يحتقره.
إنّ ما آلمني حقًا وخلَب قلبي، هو أن سامسا المتحوّل إلى حشرة، لم يمت من الجوع، ولا من ضرب أبيه، بل من احتقار الجميع له ومحاولاتهم في التخلّي عنه، وسماعه للكلمات السيئة التي انطلقت من أفواه أقرب الناس إلى قلبه.
ما أفظع أن نكون عبئًا على من نحب!
أخبروني أيّها الصحاب: ماذا نفعل حينما نكون في مكان كافكا؟
ماذا نفعل حين نختبر أقسى المشاعر وأبشعها في بيوتنا وليس في الشارع؟
لا يسعني القول إلّا أن أقول _ وإن كنت أثر الكلام المقروء يُحزِنُ المرءَ _ أنّ إذا ضاقت عليك الأرضُ بما رحبُت وأردتَ يدًا تربت على قلبك المهموم فلتكن ليدك الربتة، وليدك الثانية الاحتضانة فلا تجزعن لوحدةٍ ولا وحشة ولا انعدام حنوٍ وأُنس.
إن وُضِعت في هذا المقام فسأفعل هذا يا جمال.
وبعيدًا عن الحديث بصدد انشغال الأهل، بعد الرفقة والصحب، فستأتي عليك أيام لن يغيثك بعد اللّه سوى نفسك، ولن يكون لبشر حول ولا قوة على انتشالك من انهيارك سواك.
أعلمُ أنّ أدوارهم بمثابة الدعم الذي نتنفس، ولكن المرء إن كان هشًا مهزومَ النفس فلن يسعه دعم العالم أجمع.
وحين نختبر تلك المشاعر في بيوتنا، فلبيوتنا البرّ متى كانوا، أينما كانوا، ولنفوسنا علينا الحقّ والرفق والعون الأكبر، إن كان من يستقبل من بيته من المشاعر ضِعفًا ، نبذل نحن تجاه ذواتنا الضِعفين.
إن المشاعر التي منحتني إياها العائلة لتُشعرني برهبة كبيرة وتعقيدًا حقيقيًا ورعبًا لا يٌطاق من فكرة أن أمنحها لأحدٍ في الشارع يا نُورهان، ناهيكِ عن التفكير في أن يكون لديّ أبناءً يومًا ما، إن ما عانيته في حياتي يجعلني أرتجف من فكرة أن أبني عائلة، لا شيء أحتاج لفعله أو أفكر في فعله إلا ويتدخل الخوف به ويحشر أنفه فيه وفي كل مناحي حياتي، أشعرُ أحيانًا أنني الخوف كائنًا يسعى، وأشدُّ ما يُضنيني أن ما تمنحه العائلة يبقى عالقًا فينا إلى الأبد، لقد حاولتُ كثيرًا أن أنتزع نفسي من هذا الدوامة السحيقة، لكنها أشياءً قد تشكلت معي، ورغم أنني قد وُلدتُ مرارًا من رمادي، إلا أن آثار موتي الأولى تلحق بي أينما ذهبت.
تذكّر دائمًا أنّ فاقد الشيء يعطيه وبغزارةٍ يا جمال.
وأنّك في كلّ مرّةٍ ستفكر فيها أن تنتقص من حنوٍ لأبناءك أو معاملتهم بقسوة، ستتذكر أنك عانيت من ذي قبل، ولا يوجد شخص سويّ سيحبّ أن يعيش شخصًا آخرًا مأساته ، فما بالك قطعة من قلبك!
احمد اللّه أنك الآن على دراية بخطبك، وأنك تستشعر سوء الشعور الذي غرس بك، واعهد على ألا تذيقه لإنسان من بعدك.
كنت أشعر بهذا الشعور منذ صغري لأني كنت طفلة مريضة لذا سعيت بكل الطرق للنجاح، وفعلت لأبي وأمي ما لم يفعله أخوتي حتى الآن، ولكني شعرت أن ما أفعله عبء عليهم؛ لأن كل الآباء والأمهات لا يريدون من أبنائهم أن يردوا الجميل لهم، هم فقط يريدون أن يروهم أصحاء وفي أحسن حال.
ربما كافكا لم يفهم والده جيدًا ربما كان يكرهه بسبب عقدة نفسية بالضبط كعبد الوهاب في مسلسل لن أعيش في جلباب أبي، لا يوجد أب أو أم يشعرون أولادهم بأنهم عبء عليهم إلا لو كان الأبناء جاحدين وأنانيين واعتادوا على العيش كالطفيليات، أعتقد أن أغلب الأبناء الآن مع الأسف حتى بعد زواجهم يعتقدون أن الأب أو الأم مسئولين عنهم ويجب أن يتحملوا عنهم أعبائهم، هذا أراه بكثرة في مجتمعنا ويؤسفني رؤية الآباء والأمهات يمزقون أنفسهم من أجل ابنة أنانية وابن عاق.
ليس بالضرورة أن يكون الابن عاقًا ليتصرف الآباء كذلك يا هِبه، فليس دائمًا يكون مبرر الآباء قويًا، وكونهم آباؤنا فهذا لا يتيح لهم تحقيرنا، فطبيعة الآباء وجمالها يقتضي في أن يكون الابن حبّة قلبه مهما فعل، مشكلة الآباء ليست في أنهم لا يحبوننا، المشكلة دائمًا تكمن في أنهم لا يعرفون كيف يحبوننا، ودائمًا يعتقدون أن ما يفعلونه لصالحنا، وبالطبع مصلحتنا تهمهم كثيرًا، لكن لا يعرفون كيف، وهذا الجهل يتسبب في عُقد نفسية لدى الأبناء، وهذا ما يخلق لنا جيلًا مُشوّهًا لا يُقدّر نفسه أبدًا
المشكلة لا تكمن في معرفة كيف يتعاملوا معنا، ولكن المشكلة الأكبر في اعتقادهم أن ما يفعلونه صواب دائمًا، وهذا نابع من طريقة تربيتهم؛ ففي الماضي كان الطفل يسمع ويقول حاضر يا أبي، ولهذا هم اعتادوا على تطبيق تلك الطريقة مع الأبناء معتقدين أن الابن يجب أن يستمع لهم دون نقاش، ولهذا السبب تحدث الازمة.
الأبناء يجب أن يكونوا أكثر دهاءًا لو أرادوا التعامل مع الآباء بحكمة، يعني أنا مثلًا أبي صعيدي وأمي عصبية؛ لذا كل واحد منهم له طريقة معينة فأبي مثلًا لا أتحدث معه إلا لو فتح هو الموضوع بنفسه وقتها أسمعه للنهاية حتى ولو كنت غير مقتنعة بأيّ شيء وأبدء بعدها وأقول أنت محق في كذا وكذا، ولكن.....
وبالنسبة لأمي فمصارحتها بأخطائها لا يجب أن يحدث أبدًا وقت عصبيتها أقربها في الأمس كادت تتبرأ مني في لحظة غضب (لأني قلت كلمة حق ووقفت في صف أبي) ولتدارك الأمر جئت بكل شيء كوميدي حدث في تلك المشاجرة وبدأنا نضحك حتى هدأ غضبها.
التعامل مع الآباء والأمهات بذكاء ليس فقط بر للوالدين ولكن سيعود بالمنفعة على الأبناء أيضًا فما فائدة الصراعات طالما نستطيع الوصول لنقطة مشتركة في النهاية.
بداية النهاية تكون عندما نسمح لعقولنا ونفوسنا بتصديق كلماتهم تلك، والإيمان بأنها حقيقتنا المطلقة. لا أقول أنه يمكننا أن لا نصدقها منذ الصغر، ولكن منذ أن أصبحنا بالغين، واعين، مدركين للسوء الذي اُرتكب في حقنا، صار التعافي مسؤوليتنا نحن لا غير. يجب أن نصنع نفوسنا، أن نصدق بأننا رائعين، أن نستعين بمعالج نفسي إن اضطر الأمر. والأهم من كل هذا أن لا نكون معتمدين على من كانوا سببًا في أذيتنا بأي شكل أو بأي صورة.
الوعي هو بداية التعافي ...
لا أختلف على أننا لا يجب أن نلعب دور الضحية دائمًا، ويمكن للوعي أن ينقذنا في مرحلة ما، بحيث نبدأ في تحمّل المسؤولية والعزم على تقدير أنفسنا، لكن هل تدركين يا ساره كم نحتاج من الوقت والطاقة لكي نُرمم ما خلّفه الآباء في أعماقنا من تشوّهاتٍ نفسية واختلالاتٍ وعِلل؟
الكثير والكثير من الوقت حتى نستطيع أن نصبح أشخاصًا طبيعين تمامًا، وربما لا نصل من الأساس قبل نهاية العمر.
أنا أحد أولئك الذين بدأت هذا الطريق، طريق التعافي النفسي، انفقت فيه سنة من عمري وآلاف الجنيهات من جيبي، وما اعرفه حتى الآن من معالجي أنه ما زال أمامي الكثير من السنوات أقل ما يُمكن تقديره هو ثلاث سنوات بعد. الرقم بالنسبة لي صادم. ولكني عدت وقلت إن لم أبدأ الآن متى سأبدأ، أنا اشعر بالكثير من الآلام إلى متى سأظل اتحملها وحدي دون مساندة، خاصة أنه تهل علي آلام أخرى جديدة في كل يوم.
صحيح أن البداية لم تحل حياتي جنة، ولكن استطيع القول أن بعض الآلام قد توقفت بفضل الله وبفضل طبيبي وأخيرًا قوتي في الحرب والتقبل. سعيدة بهذا لأنه ربما جعلني أشعر بدرجة أني قادرة على التخلص من كل الألم يومًا ما
أعتقد أننا بالنظر إلى هذه الحياة، لا نحتاج إلى سعادة كاملة، بل إلى ألم أقل، ولا نحتاج إلى غياب كامل للآلام، بل إلى القدرة على التحمل،
وأنا لا أعدكِ أن كل شيء سيكون بخير، لكن حتمًا كل ألم سيصبح أقل،
هل تعتقدين أنه في مرحلة ما علينا أن نستعين بطبيبٍ مُختص؟ وهل الأمر يُجدي نفعًا؟
هل تعتقدين أنه في مرحلة ما علينا أن نستعين بطبيبٍ مُختص؟ وهل الأمر يُجدي نفعًا؟
هذا ما فعلته بالفعل؛ فأنا من جهة لم أجد من يساندني أو يشبهني ويقدم لي العون، ومن جهة ما عدت قادرة على التغلب على الاكتئاب والحزن بنفسي.
من رأيي هذه الخطة هي أكثر خطوة مهمة وصحيحة، فالطبيب أو المعالج النفسي يساندك للوصول إلى تخفيف وطء الحالة النفسية عليك بطريقة سليمة صحيحة لا ضرر فيها على نفسك أو على من حولك.
الطبيب لا يجعل طريق التعافي آمن وفقط، بل أنه يساعدك على فهم ألمك وما تمت ممارسته تجاهك من أخطاء وصدمات. في كلا الحالتين طريق العلاج طويل ولكن هناك احدهما يكون منيرًا مليئًا بالإرشادات اللازمة على عكس الآخر الملبد بالغيوم والأعاصير
مرحبًا بك بيننا في عائلة حسوب i/o يا جمال. أسعد للغاية بتطرّقك إلى رواية عزيزة للغاية هي وكاتبها على قلبي.
ماذا نفعل حين نختبر أقسى المشاعر وأبشعها في بيوتنا وليس في الشارع؟
كانت لكافكا سيادة لغوية مدهشة في هذا الصدد، حيث أن طرقه كانت مميزة دائمًا في رصد المشاعر المجرّدة، كان مجرّبًا فيما يخص الألم الإنساني الداخلي، وماهرًا في تصوير الحالة التي تضعنا في هذا الموقف بمنتهى السهولة، لنعاني أشد الصعوبات.
في سياق سؤالك، لا أستطيع أن أضع نفسي في المحلّ الممكن تحليله. يمكنني أن أتخيّل، لكن التخيّل في هذه الحالة لا يشعرني إلّا بالاختناق. لهذا السبب أرى أن مواقفنا من هذا الواقع المتخيّل شيء، وتصرّفاتنا الفعليّة في إطاره لو تحقّق شيء آخر لا نعلم عنه الكثير.
أسعدني حضورك يا علي، وأحبُّ حقيقة أن ألتقي بمن هو قارئ للرواية، حيث أن بإمكانك فهمي على نحوٍ أوسع،
لقد قرأت مرةً عن فتاةٍ تشعر بالأسى لأنها وُلدت في عائلة سعيدة، وقد كانت تحسد أولئك الذين وُلدوا في عائلاتٍ مُفككة، وقد كانت هذه الفلسفة غريبةٌ جدًا بالنسبة لي، وعندما سألوها لماذا؟
أجابت وقتها: أن أبناء العائلات المُفككة يُصبحون أعمق ويبلغون درجة من الجمال لا يبلغها أبناء العائلات السعيدة، وأنا أرغبُ كثيرًا في أن أكون عميقة.
لا ننكر أن للأمر طابع جميل وآثارٌ لطيفة في النفس، ويمكن لها أن تخلق إنسانًا رحيمًا بغيره يحاول أن يمنح الآخرين ما فقده، لكن الضريبة غالية، ولا يقدر الجميع على دفعها.
هذه قصّة ألاف الشبان والبنات خاصّة في عالمنا العربي، هناك نسبة غير طبيعية من الشباب يبحثون عن مهرب للسجن الذي قد نسميه بتجاوز لغوي أحياناً: عائلة لهم. كلمة عائلة تأتي من العَيل والرعاية، يبدو أنّ في حالة الكثيرين هي مجرّد أسرة، أي مكان لتجمّع الأسرّة.
قرأت كتاب مؤخراً كان يُعد إحصائياً نوعاً ما، يدرس كُل ما يقلق الشباب العربي ويصعّب عليه الحياة من أفكار وكان موضوع: عدم اليقين (أي الخوف من المجهول وعدم الاستقرار) ومشاكل العنف والضغط الأسري من أكثر المواضيع تأثراً في العقلية الجمعية العربية والحياة عندهم.
وهناك معاناة وضغوطات مختلفة، منها:
- مادي (عدم الحصول إلا على منزل للمأوى)
- عنف (تعنيف للشاب أو الطفل الموجود في العائلة)
- توتر (بيئة غير صالحة للعيش بسبب المشاكل العائلية المستمرة)
- عدم مبالاة وعلاقة مصالح (وهذا أكثرها، حيث يشعر الشاب بأنّه غير ضروري لحياة الأسرة عاطفياً)
سمعت مرّة قصّة قد أثّرت بي كما أثّرت بي رواية المسخ أو التحوّل لكافكا، قصّة عن شاب كان في الجيش، يرسل راتبه كاملاً لأهله أثناء خدمته وكانوا مُهتمين جداً به بسبب هذا الراتب وكان يشعر بهذا، في مرة من المرّات تعرض لإصابة كارثية اضطر بها قطع أرجله، تسرّح من الجيش وقبل أن يذهب لعند أهله أتصل بهم وقال: هناك شاب صديقي تعرّض لإصابة وأصبح بلا أرجل وأنا أرى أن نعتني به لأنه ما له في الحياة غيري نهائياً وسيموت حرفياً بلا عناية ولكن لن يبقى لكم أموال زائدة لا لي ولا لكم، قررت العائلة فوراً بدون تردد رفض الأمر وقرر هو فوراً أن يطلق النار على نفسه!
إذا عرف أنّهُ سيكون عبء على أسرته التي لا تهتم كثيراً بالحياة والإنسان بقدر اهتمامها بمصالحها الشخصية (وإن كانت مشروعة).
لماذا لا تعرف العائلة أن من الأبناء من يموتون في اليوم مئة مرة من حقيقة أنهم عاجزون، لماذا يُخيّل للآباء أن الابن قد يختار وضعه، وأنه لا يسعى أبدًا للتغير؟
بما أن طرحك قد أعجبني، أحبُ أن تقول لي كيف يمكن للأبناء أن يتعاملون مع هذه المُعضلة؟
وقد تعمدتُ أن أصفها بالمُعضلة لأنها هكذا بالنسبة للكثير من الشباب الذين لم يصلوا بعد، إلى الوعي الكافي الذي من شأنه أن ينقذهم منها.
البلاد العربية مُختلفة بشكل كُلّي عن البلاد الغربية من ناحية الحل برأيي.
من منظور شخصي للأمر لا أعتقد بأنّ هناك أي حل قد يكون مناسباً إلّا الحل المادّي (بأن يخرج الشاب من المنزل ولكنه يحافظ على علاقة قوية بذات الوقت، يعني أن يستقل) وهذا لا يمكن تحقيقه بسهولة بالمنطقة العربية، بسبب سوء الوضع المعيشي وانخفاض مستوى الدخل وأحياناً العادات الاجتماعية العنيفة التي قد تنفي الشاب أصلاً من العائلة لمجرّد طلبه لاستقلالية ما.
أما في البلدان الغربية الأمر أسهل، من حيث مساعدات حكومية أو وهذا الأغلب الأعم: انتقال كثير من الشباب إلى مساكن مشتركة بأسعار رخيصة ومناسبة مع المحافظة طبعاً على علاقة مع العائلة.
يعني الأمر أولاً وأخيراً سيكون حل مادي بحت للأسف.
الخروج إلى الحياة!
لا سبيل لتحمّل هذه الفترة المزعجة بعتقد إلّا بالخروج إلى العمل أو الدراسة أو الأصدقاء، أي ممارستها خارجياً بسبب أنّها محدودة ومزعجة داخلياً، أي الرضا بأنصاف الحلول مبدئياً، ثُم برأيي عليه أن يُفكّر بعقلية سجين!
أي التفكير بخلاصه! سواء بتعلّم مهنة ما قد تستطيع تحمّل أعباءه المادية أو ربما بمهارات قد تنشله فعلاً إلى وضع أفضل بكثير حتى من حالة أهله، لإنهُ كما قلت سابقاً والأمر مزعج أن أقوله: الحل مادي فقط.
يمكنهم ذلك فعلاً ولكن غالباً هؤلاء الشباب يكونون بأعمار صغيرة جداً يصعب عليهم فعلاً وضع فلسفة حقيقة لهم بالحياة والتعامل مع المصاعب، لكن إن استطاع واحدهم فقط أن يعي بأنّ لكل إنسان مشكلة أو فخ يحاول الخروج منه دائماً، سيُقدّر وضعه ويحاول أن يخرج منه بخطة واحدة، لإنهُ يعي جيداً بأنه ليس وحيداً.
إنّ ما آلمني حقًا وخلَب قلبي، هو أن سامسا المتحوّل إلى حشرة، لم يمت من الجوع، ولا من ضرب أبيه، بل من احتقار الجميع له ومحاولاتهم في التخلّي عنه، وسماعه للكلمات السيئة التي انطلقت من أفواه أقرب الناس إلى قلبه.
تعلم يا جمال، دائمًا ما كنتُ أُحسد على عائلتي المترابطة المليئة بكل أنواع الأمان والدفء والإهتمام، كل من رآني وأنا متمسكة بيد أبي أو أمي وأتنقل بين المدرسة والدروس أو الكنيسة يحدثني قائلًا "يا بختك بيهم".
لا أنسي كلمة أبي لي عندما تمسك بيدي وأوصلني لباب مدرستي لأؤدي أمتحانات الثانوية قال لي "كنت بروح لوحدي، كان نفسي أبويا يوديني الأمتحان"
عندما كنت أستمع لأصدقائي وهم يتمنون أن يخرجوا من بيوتهم ولو ليومٍ واحد، أتحسّر، كان يعتصر قلبي حزنًا لما أعيشه أنا ولا يشاركوني به.
وعندما كبرت وبدراستي أحببت مساعدة الآخرين وصلتني رسائل بها الكثير من المشاكل النفسية سببها الأول والأخير يرجع للأهل إن كان عن قصد أو جهل منهم.
بكل مرة أستمع لمثل تلك الكلمات أتوجع وأصدم بشدة، هذا أب وأم أي ما تعنيه كلمة الحنان والأمان، كيف لهم يكونوا بهذا الشكل!!! كان الله بعون كل أحد في مثل تلك الظروف.
ماذا نفعل حين نختبر أقسى المشاعر وأبشعها في بيوتنا وليس في الشارع؟
أما بالنسبة لسؤالك، فأنا على يقين دائمًا أن كل ما نمر به خلال سنوات حياتنا تم تدبيره إلهيًا، الله يعلم أنّي في مثل تلك البيئة لن تقصر مع أولادي فيما بعد وسأكون لهم ما أردت أبي أن يكونه لي، لذا فقط أريد توجيه نصيحة لكل من في تلك البيوت بأن يجاهد ليعيش حياته بطريقته ورسمها كما بأحلامه ويتناسي الكلام السلبي، ويحاول أن يثبت لنفسه لا لغيرها بأنه قادر أن يكون عائلة لذاته وأنه سيستطيع تقديمها لأبناؤه.
لقد وجدتُ لديكِ فلسفة رائعة في الشعور بالآخرين، فغالبًا من يده في الماء لا يعرف شعور من يده في النار، إن رحمتكِ وتفكيركِ بالآخرين لهو نبلٌ شديدٌ فيكِ، وهو أمرٌ نادر أن يشعر شخصٌ يعيش في رفاهيةٍ بآلام الآخرين ويحزن بشأنها،
هل ما نجنيه من كل هذه المعاناة من شأنه أن يجعلنا نحبها؟ أحيانًا تضيق بنا الدنيا فنقول أننا لا نريد أن ندفع مثل هذه الضريبة لكي نغدو أشد صلابة وحكمة ولكي نحرص على أن لا يحدث هذا لغيرنا، فكيف نعالج هذا؟
لقد وجدتُ لديكِ فلسفة رائعة في الشعور بالآخرين، فغالبًا من يده في الماء لا يعرف شعور من يده في النار، إن رحمتكِ وتفكيركِ بالآخرين لهو نبلٌ شديدٌ فيكِ، وهو أمرٌ نادر أن يشعر شخصٌ يعيش في رفاهيةٍ بآلام الآخرين ويحزن بشأنها،
أشكركَ على كلماتك يا جمال، لا أعلم لكني أجدها بطبيعتي في كل مرة أقابل موقف حزين أو سيء لغيري، وأحاول مد يدي علّي أساعده ولو قليلًا، وهذا بالتأكيد وضعه عقلي الباطن تلقائيًا ضمن أسبابي عند اختيار علم النفس في دراستي بالكلية.
هل ما نجنيه من كل هذه المعاناة من شأنه أن يجعلنا نحبها؟
حسنًا نوعًا ما هذا صحيح، فَبِلا المعاناة ما وصلت للخبرات التي ساعظت بتكوين شخصيتك التي أنتَ عليها الآن، بِالتأكيد لا نفهم هذا ونحن داخل المعاناة، إنما فيما بعد، ولهذا يجب أن يكون كل شخص بمعرفة أن ما يعانيه الآن سيريحه في المستقبل، وهنا يأتي دور إيمانه بِالله المدبر لكل حال وخلفيته الثقافية.
فنقول أننا لا نريد أن ندفع مثل هذه الضريبة لكي نغدو أشد صلابة وحكمة ولكي نحرص على أن لا يحدث هذا لغيرنا، فكيف نعالج هذا؟
ولكن لكل شيء ثمن يا جمال، لكي تنمو بشخصيتك وخبراتك وثقافتك يجب أن تعاني، "المعاناة هي باب الخبرات".
أما بالنسبة لكيفية علاج هذا، حسنًا لن أتحدث في أن الأهالي يجب أن يكونوا أكثر علمًا وحرصًا مع أبناؤءهم وأن ما يحصدوه فيهم سيزرعوه عاجلًا أم آجلًا، تلك أساس المشكلة هنا وهذا هو العلاج الفعلي لها ولكن الأهل عالمون سابقًا تلك الأشياء لكن يدعون التناسي، أتحدث الآن عن من يواجهون تلك الظروف وليس بقدرتهم تغييرها، يجب عليهم أولًا وأخيًرا الإيمان بأن كل ما يمرون به هدفه خير سواء إذا رأيته الآن أم لا، وأن ما يفعله الأهل لا يجب أن يشوه ما بداخلي من أحلام وطموحات ونقاء، والتوجه للطرق السلبية في التعامل معهم.
فمثلًا أن كنت أنا من يعاني من الأهل، سأحاول على قدر طاقتي أن أتجنب تلك المشجارات التي تزيد معاناتي، أتجنب الأحاديث التي أعلم بنهايته المتوقعة، وأهم شيء إذا ما سمعت أو تم تجاهي شيء سلبيًا منهم، سأخذ بعين الإعتبار بأنهم أهلي وأن ما يفعلوه هو ما يرونه صحيح من وجهة نظرهم، وبالتاكيد تغير نظرتهم بسنهم هذه سيكون صعبًا، بينما داخلي لن أكن لهم الكره فلا يوجد أحد يستحق أن يأخذ من طاقتي إلا نفسي، لن أسمح لأحد بتشويهي حتى وإن كان هم.
هل وضح رأيّ لكَ أم يحتاج لبعض الشرح ؟
لقد فهمتكِ جيدًا، ولقد أعجبتني الطريقة التي تفكرين بها،
لكنني أحاول إيجاد حلًا جذريًا لمعاناة الأبناء في بيوتهم، هل تعتقدين أن الزواج المتسرع هو السبب الأساسي في إنجاب جيل يعاني بسبب أب وأم في نزاعٍ دائم؟ هل زواج طرفان لا انسجام بينهم ولا توافق هو السبب الأساسي في خلق أسرة مضطربة؟
مجتمع لعشاق الكتب والروايات لمناقشة وتبادل الآراء حول الأعمال الأدبية. ناقش واستكشف الكتب الجديدة، مراجعات الروايات، ومشاركة توصيات القراءة. شارك أفكارك، نصائحك، وأسئلتك، وتواصل مع قراء آخرين.