فن الملاحظة - قصة عالم الأحياء لويس أغاسيز مع طالبه

  • HamzaSalim

قدّم عالم الأحياء السويسري لويس أغاسيز عيّنة من سمكة أمام طالب يُشرف عليه

الطالب: هذه مجرّد سمكة.
أغاسيز: أعرف ذلك.

ثم أكمل: أكتب وصفًا حول ما ترى، انظر ما يمكن أن تفعله من دون أن تُضر بالعيّنة، وعندما أتيقن أنّك أكملت المطلوب، سأسلك عمّا لاحظت.

هذه القصّة يرويها تلميذ أغاسيز، الذي بدوره أصبح عالمًا مشهورًا وهو ناثانيل شالر.

عندما جلست أمامه، أتى اغاسيز بسمكة صغيرة ووضعها أمامي، كان مُصممًا أن أدرسها، لكن عليّ أن لا اسأل أحدًا عنها، ولا أقرأ عنها شيئًا حتّى يأذن لي بذلك. قلت له "ماذا يجب أن أفعل؟" فأجابني بتصميم "انظر ما يمكن أن تفعله من دون أن تضرّ بالعينة، وعندما أتيقن أنّك أكملت المطلوب، سأسلك عمّا لاحظت. وعلى مدار ساعة من الملاحظة، ظننتُ أنّي ألممت بهذه السمكة، لم تكن عيّنة حرية بالدراسة، مليئة برائحة كحول قديم، لكنّه كلما مرّ الوقت، انغمست في الملاحظة أكثر، وقدّمت ملخصًا لما رأيته في هذه السمكة، كنت حريصًا على تقديم الملخّص للمشرف علي، لكنّه لم يأتِ ذلك اليوم، ولا الذي بعده، ولا حتّى بعد أسبوع.

بعد عدم قدوم الأستاذ، عرف الطالب اللعبة، كان أغاسيز يُريد منه أن يتفحّص السمكة بعمق أكثر.

بعد ما يقارب مئة ساعة من الدراسة، رأى الطالب تفاصيل دقيقة غربت عن ناظره في المرّة السابقة، لاحظ قياسات دقيقة، وتنبّه إلى انماط في تصميم السمكة، تناسقها وحتّى اصطفاف الأسنان، وعندما عاد الأستاذ بعد أسبوع، قصّ عليه الطالب ما لاحظه، فأجابه أغاسيز ببرود وهو يدخن سيجارًا "هذا ليس صحيحًا" ثم رحل عن الغرفة.

كان الطالب مُحبطًا بعد هذا الردّ، لكنّه علم انّ أغاسيز يُريد اختبار صبره، فتخلّص من الملاحظات السابقة، وبدأ العمل من جديد.

بعد أسبوع من العمل، في كلّ يوم درست السمكة لـ10 ساعات، حصلت على نتائج أبهرتني وأرضت أغاسيز، لكنّه لم يُعطني حتّى ذلك الحين كلمات ثناء طويلة، وسرعان ما أعطاني عيّنة أخرى من عظام 20 سمكة

مرّ الطالب المسكين بنفس الحال، درس العظام لمدّة شهرين ونصف، وإذا باغاسيز يُجيبه "هذا ليس صحيحًا" مرّة أخرى، إلى أن بذل مجهودًا مضاعفًا وأرضاه في المحاولة التي تلتها.

بعد هذه المحاولات المُضنية، كتب التلميذ في سيرته الذاتية: "تعلّمت فنّ مقارنة الأشياء"

كان اغاسيز مشغوفًا بفكرة التعلّم عن طريق الملاحظة، كان شعاره "انظر وتفحّص بنفسك"

في أي مجال في الحياة، لا تجد الكثيرين يُطبّقون نصيحة أغاسيز، فلا أحد يقرأ دراسة علمية كاملة، وإنما يقتبس من خلاصتها، لا أحد من علماء الأحياء يضع 100 ساعة في دراسة تفاصيل سمكة، إنما يقرأ عنها في الكتب وبحوثات الانترنت.

لا أذكر من سطع نجمه، وشاعت سمعته، وهو لم يقم بهذه الأعمال المملّة، لا أذكر من كان خبيرًا في مجاله، وهو يحاول مضغ ما في الكتب فقط، انظر وتفحّص بنفسك، كما يقول أغاسيز!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

فن الملاحظة أو مهارة الملاحظة هي من المهارات المهمة جدا لنا كأشخاص خاصةً في بيئة العمل، ونحتاج لها بشدة في مجال البحث العلمي، فالاهتمام ورؤية ما لا يمكن للآخرين رؤيته يجعل من الاستنتاج سهلا، ويجعلنا ندرك مواضع القوة والضعف، أو نلاحظ تفاصيل تكاد تكون مختفية.

قوة الملاحظة تجعلنا منتبهين دوما ولأدق الأمور، وما حدث مع ناثانيل مع زيادة الملاحظات مع التكرار وكلما عاد ليدقق جاء بملاحظات أعمق أعتقد يحدث مع الأغلبية عند ملاحظة أمر ما أو عمل ما، فمع كل تجربة كنت أجريها بالمعمل كنت أصل لملاحظات أعمق وأدق، وكان السؤال الذي يراودني كيف أصل لهذه الملاحظات من أول مرة، وكيف يمكنني تنمية هذه المهارة لأكون بكامل انتباهي من أول مرة؟

وكان السؤال الذي يراودني كيف أصل لهذه الملاحظات من أول مرة، وكيف يمكنني تنمية هذه المهارة لأكون بكامل انتباهي من أول مرة؟

اظن ان الفكرة ان الامر ياتي بعد "جرعات ملل" وساعات طويلة تُصرف، لا أظنّ أنّنا نملك المهارات الكافية التي تجعلنا دقيقي الملاحظة من المحاولة الأولى.

المشكلة في زمننا هذا، ولا أدري حقيقةً إن كانت حقا مشكلة، أن هذا التجريب والملاحظة والعمل المضني قام به أولئك الذين جاؤوا قبلنا وقدموا إلينا خلاصته التي نجدها متوفرة على الانترنت. هذا زمن السهولة.

ولا أدري حقيقةً إن كانت حقا مشكلة

أنا كذلك! لولاهم لما بنينا علومًا على علومهم، لكن أحيانا كثرة الاتكّاء تُورث الكسل!

مرحبًا حمزة،

ذكرتني هذه القصة بأستاذي في كلية الطب كان دائمًا ما يقول لنا ((الطبيب الجيد هو ملاحظ جيد)) ويروي لنا كيف يمكن لنظرة فاحصة أن تجعلك تقترب من التشخيص الصحيح للمريض حتى دون أن يتكلم المريض بكلمة وقبل أن تبدأ الفحص السريري، والأمثلة على ذلك كثيرة

حين يدخل المريض ضاغطًا على بطنه عليك أن تفكر في العديد من الأشياء أولها التهاب الزائدة الدودية

تسارع أنفاس المريض تدل على مرض ما وهكذا دواليك

وكان يسألنا عما لاحظناه حين يدخل المريض إلى الغرفة قبل أن نبدأ بالحديث معه.

الطبيب الجيد هو ملاحظ جيد

أهلًا سالي

أتذكّر أنّ طبيب الجراحة قال لنا مثل هذا الشيء هذه السنة، لكنّه بالغ وأسرف حتّى أصبح يشبّهه بشارلوك هولمز، ويقول عليكم أن تنتبهوا حتّى لرباط الحذاء 😂

كيف يمكن لنظرة فاحصة أن تجعلك تقترب من التشخيص الصحيح للمريض حتى دون أن يتكلم المريض بكلمة وقبل أن تبدأ الفحص السريري

صحيح! لكن هذا الموضوع يسبب لي الارق، فالمواضيع السريرية وكثرة التجارب بعيدة عني، قضيت معظم وقتي على الكتب، فاخشى أن اعرف هذه المعلومة لكن لا أطبّقها لقلة التجارب وعدم خبرة العين.

لا تقلق حمزة،

ستأتي الخبرة بمرور الوقت مع كثرة الممارسة والطبيب الذي يخبرك عن أهمية استخدام الملاحظة وكيف استطاع تشخيص الحالة بمجرد النظر، وصل إلى ذلك بعد سنوات طويلة من الممارسة والخبرة لم تكن بين ليلة وضحاها.

الأحياء الدقيقة كانت مجال دراستي في الجامعة، وقد درست البيولوجيا بشكل عام وتاريخها خلال عامي الأول التمهيدي في البكاليريوس. وقد استخلصت من هذه الفترة شيئًا ملفتًا للغاية تمامًا كما تشيرين أنتِ، وهو ما يتميّز بها علماء الأحياء من دقة وقدرة على الملاحظة بشكل مبهر. عبقري آخر أود أن أطرح اسمه في نفس السياق، وهو ميندل الذي كشف للمرّة الأولى القواعد الأساسية لعلم الجينات الذي نعمل بأساساته جميعًا في عصرنا الحالي، حيث أنه استنبّط نتائجًا رائعة وشديدة التعقيد بمجرّد المراقبة الحكيمة والدقيقة لنبتة البسلّة، وقد كانت أسس اختياره لهذه النبتة لا تعتمد على التقنية البيولوجية فقط، وإنما تعتمد أيضًا على امتلاك نبات البسلة الخصائص البيولوجية المناسبة للمراقبة ودقتها.

مرحبًا علي، شكرًا لذكرك مندل، يبدو أنّ نمط حُسن الملاحظة يتكرر مع علماء الأحياء البارعين :)

موضوع في الصميم، الملاحظة تعد من بين اهم الادوات البحثية المهمة في جمع البيانات الا انني دعني اعترف بأنها لم تأخذ جانبا من الاهتمام من قبل الباحثين، ولا يعلمون بأن الملاحظة المقننة قد تثمر بنتائج مهمة عقب صياغة المشكلة وبلورة الموضوع، يضيفونها ضمن الابحاث بشكل سطحي وغير علمي.

في حين ان البعض من الدارسين خصوصا في حقل العلوم الانسانية والاجتماعية من وضعواا ملاحظة ضمن دراسة مفصلة تسمى بالدراسة الاستطلاعية.

لذلك الملاحظة مهمة جداا قبل صياغة الموضوع واثناء بلورته وبعد تحليل النتائج.