كيف تبدأ دولة ما عملية التنمية الاقتصادية فى القرن الواحد و العشرين ؟

برزت ومن بعد الحرب العالمية الثانية العديد من المصطلحات الإقتصادية للتعبير عن العالم الإقتصادى الجديد ، ومنها مصطلح التنمية و مصطلح التخلف ، وبالطبع هذه المصطلحات انطوت على تعديلات و تغييرات هيكلية تمت فى الولايات المتحدة الأمريكية على ارض الواقع باعتبارها المستغل الأول للعالم كله فيما بعد الحرب ، لكنها ومع تنامى أزمة الكساد الكبير العالمية آنذاك تغيرت على إثرها العديد من القواعد الإقتصادية الهامة و المساهمة فى بناء نظريات آدم سميث و المنسوب إليه النسق العام للإقتصاد العالمى الجديد بعد الحرب العالمية الثانية ، ومن أهم هذه القواعد التى تغيرت فى نظرية السوق الحر ، أنه لا يمكن للسوق أن يستمر دون تدخل و توجيه من الدولة فى مراحل الأزمات و مراحل التنمية البكر ، لأنه وعند مراحل معينة من الأزمات لا يمكن للسوق أن يوازن نفسه تلقائيا بمجرد توافر المصالح الخاصة لدى أطراف عمليات التبادل داخل إقتصاد ما ، وهو ما حدث على أرض الواقع فى حل أزمة الكساد الكبير ، إذ سعت الحكومة الأمريكية جاهدة لرفع الطلب الكلى داخل السوق لتقليل نسب الركود لتحل نظرية كينز المعادلة الناقصة فى نظرية آدم سميث ، وتدخل الدولة القوى حتى فى الأزمة العالمية فى عام 2008 ، وهنا يتطابق حال أى سوق لأى دولة فى حالتين : الأولى : محاولات التنمية الشاملة لا تتم بدون رأس مال قومى وهذا ما أثبته التاريخ الحديث ، والحالة الثانية : حالة الأزمة الحادة التى تمنع السوق الحر من التوازن ، وبالتالى لا يمكن للسوق أن يعيد توازنه مرة أخرى إلا من خلال تدخل الدولة لمعالجة الأزمة بعيدا عن القطاع الخاص .

و الباحث فى إطار التنمية الإقتصادية بمصطلحاتها سواء شاملة أو مستدامة أو متكاملة أو متخصصة ؛ فإنه سيفاجئ أن كافة المؤسسات الدولية العاملة فى الحقل الإقتصادى عامة ، أنها مؤسسات مخادعة من الدرجة الأولى لكونها تحاول زعم سياسات تنمية إقتصادية تخالف ما تم فى البلاد المتقدمة لتكون متقدمة إقتصاديا ؛ فتجد مثلا البنك الدولى للإنشاء و التعمير ،كما فى تقرير صدر له فى أبريل عام 2014 عن دول ثورات الربيع العربى وتوصياته لها ، وشأنه شأن كافة تقاريره يحث الدول المتخلفة أو دول العالم الثالث على تخفيض الحكومة لإنفاقاتها عموما و سحب يدها و مشروعاتها كدولة من السوق وفرض المزيد من الضرائب ، وهو ما يعنى تخفيض عدد موظفين الحكومة وتحصيل الضرائب بصورة مبالغ فيها على كل شئ فى الدولة ، والدولة مدينة للبنوك محليا و دوليا ، وهو ما يعنى سحب السيولة داخل الدولة لصالح البنوك المحلية التى تحقق مكاسبها من تسليف الدولة قروض قصيرة الأجل تتراوح من 9 أشهر إلى سنة لكنها لا تستثمر على أرض الواقع إلا بالنذر القليل جدا ، وسحب الدولارات التى تحصلت عليها الدولة لصالح المؤسسات العالمية الدائنة لها ؛ ليبقى سوق الدولة فارغا من أى توجيه عام ، وهنا و مثلما حدث فى العديد من دول أمريكا اللاتينية ستدخل شرائح عديدة غير محمية بأى وسائل ضمان إجتماعى تحت بند الفقر اكثر و أكثر ، و العديد من السياسات التى اتخذت لتقليل الإنفاق الحكومى ستؤدى و بالضرورة إلى خفض اهتمام الدولة وضمانها للسلع الغذائية الأساسية على سبيل المثال وهو ما يزيد من فقر العديد من المواطنين ، و ضع فى الحسبان أن دول العالم الثالث من الأساس مليئة بالمحرومين من خير الدنيا تحت ما يسمى خط الفقر ، أضف إلى ذلك تفتيت الرأسمال القومى وهو ما يمثل صناعات الدولة ، و الملفت فى الأمر هنا أنه لا يتم خصخصة هذه الصناعات فعليا بل يتم حرقها تماما وإن سميت كذبا خصخصة (راجع أحكام مجلس الدولة المصرى فى هذا الشأن بعد ثورة يناير 2011 ) ، وكذلك ما حدث من انفتاح اقتصادى فى مصر فى عهد السادات وأدى إلى إنهيار القطاع العام المصرى وهجرة أفضل العمالة إلى الخارج .

ولذلك ستجد أنه على مدار أكثر من ستين عاما لهذه التنميات المزعومة لم ينهض سوى عدد قليل من الدول وبوسائل و طرق تختلف عن التنميات المزعومة من البنك الدولى وصندوق النقد وغيرهم من كهنة العالم الرأسمالى الحالى

إذا وبمفهوم المخالفة لبعض ما سبق ؛ فإنه يمكن تصور السبل المتاحة أمام الدول الناشئة لتنهض و تتخذ موقفا أفضل فى عملية التبادل الإقتصادى العالمى ، ولعدم الإطالة سنذكر بعضا من السبل التى انتهجتها الدول التى نمت فعلا :

الصين فى السبعينات و الثمانينات و التسعينات وما قبلها كانت منغلقة و بعيدة عن خطط التنمية المزعومة هذه ، وكونت خلال هذه الفترة رأسمال قومى للحاجات الاقتصادية الأساسية للدولة ، وكانت دولتهم مغلقة عليهم لا يسمحون بمرور العديد من السلع إليها وأكثرها استيرادا كانت الآلات و المعدات والمواد الخام اللازمة لإقامة صناعتها ، حيث يقومون تدريجيا بصنع أغلب ما ينقصهم بتكلفة عالية أولا ، لأن صناعاتهم المحلية كانت فى المهد ولم تتطور لتنافس الصناعات العالمية ، وحاولوا تكوين صناعات محلية فى مجالات متعددة سواء تنتمى للدولة أو للقطاع الخاص المحلى ، و منذ آواخر السبعينات وهم يفتحون بلادهم للإستثمار الأجنبى ليستفيد من العمالة الرخيصة ويدربهم ، ولكن بشروط تستفيد منها الدولة المستضيفة ولا تؤثر على صناعتها الأساسية ، وبناء مراكز أبحاث علمية والإنفاق الضخم عليها تدريجيا ، و كانت الضرائب مرتفعة من أجل بناء رأسمال قومى ، وتم ذلك بالفعل مع الوقت ، وعند مستوى معين من حجم التشغيل بدأت الصين فى عملية الخصخصة و بشروط لتسلم القطاع الخاص سوقا قوية جدا ، وفى ديسمبر عام 2001 وقعت الصين على اتفاقية الجات لتدخل عالم التبادل على المستوى الاقتصادى كشريك قابل لتطوير و زيادة نفوذه فى هذا المجال ، وهو ما يعنى تخلى الصين عن العديد من سياساتها الاقتصادية الحمائية بتوقيعها على الجات ، وهو تخلى أتى فى الوقت المناسب ، وقد عملوا لهذه اللحظة كثيرا ، وهو ما يؤكد كذب سبل التنمية المزعومة من قبل المؤسسات الدولية الاقتصادية الكبرى فى العالم ؛ فشركاتهم العابرة للقوميت التى تقرر مصير العالم اليوم لم تنشئ بتوصياتهم المزعومة ولا من خلال روشتة صندوق النقد الدولى التى لا تمت لعلم الاقتصاد بصلة .

فما رأيكم فيما يمكن اتخاذه من خطوات تمكن الدول المتخلفة أو النامية أو الأقل نموا من خوض تعديلات جوهرية و هيكلية شاملة للتنمية الاقتصادية ؟؟؟؟؟؟ ، وهل يمكن حدوث مثل هذه التنمية على استقلال فى ظل أزمات سياسية كبرى تنبئ بعدم توزيع الموارد الاقتصادية و عدم توزيع السلطة بالشكل العادل ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ربما تناقشنا على موضوع مشابهة ووضعت رأيي هنا

وهل يمكن حدوث مثل هذه التنمية على استقلال فى ظل أزمات سياسية كبرى تنبئ بعدم توزيع الموارد الاقتصادية و عدم توزيع السلطة بالشكل العادل ؟

بالتأكيد لا، التنمية الاقتصادية ستتحقق عندما تكون مصلحة البلد واقتصادها هو الأولوية بعيدا عن الاستغلال الناجم من كل سلطة بالبلد.

love_2010512 أضف ردا

بالطبع ، لأن الإرادة السياسية هى متخذة القرار ؛ و يجب أن تعبر عن إرادة الأمة وليست إرادة فئة بعينها .

فكرة تطبيق أو تعديل هيكل كامل للتنمية الاقتصادية سيتسبب بالفعل بفقدان الدولة العديد من الأموال التي تمت استثمارها بالفعل ناهيك عن أن الدولة لن يكون باستطاعتها تطبيق الهيكل الاقتصادي لها دون الموافقة الدولية خاصة بالوقت الحالي فصعب على الدولة تغير خطط استثمارها فجأة خاصة بعد أن تم اتخاذ خطوة وخاصة أن العديد من الدول لا تحتكم على مبالغ رأس مالية كافية لإنشاء الهيكل الاقتصادي الذي ترغب به فلا حل آخر أمام الدول سوي الانسباق خلف القوانين الدولية المنطبقة على دول العالم الثالث وغيرها لتطبيق أفكار الاقتصاد المرتبطة بها مثل جذب الاستثمارات الأجنبية،بسبب ضعف العملات المحلية وانخفاض قيمة الأيدي العاملة وغيرها من استراتيجيات تحاول الدول أبرزها للاستمرار .

وللانسياق خلف قوانين صندوق النقد الدولي وقبول شروطه للحصول على القروض الدولية.

مجرد الانسياق ليس حلا علميا أبدا لأنه يعنى ترك الأمور تزيد سوء ، وترك من يموت يموت ، و أظن من الأفضل أن نقول الانسياق و محاولة إبداع حلول وفقا للواقع المفروض ، وهنا ستتجلى عظمة الباحثين فى إبداع حلول تستفيد حتى من أسوء الأوضاع وفى النهاية فكل التجارب التى حققت تنمية فعلية على أرض الواقع بمناسبة ممارستها للنشاط الاقتصادى إنما حققت ذلك ببناء رأسمال قومى مثل الصين و سنغافوره ، واختلفت الحلول الإبداعية كمحاولة للتوافق مع المجتمع العالمى إقتصاديا و الذى بات الآن أكثر توحشا عن ذى قبل .

Najla_Arafa أضف ردا

يمكن لأي دولة دولة أن تبدأ عملية التنمية الاقتصادية من خلال اتباع السياسات الثلاث الأتية التي تشمل بأوسع معانيها ثلاثة مجالات رئيسية هي:

  • تحقيق أهداف اقتصادية واسعة مثل استقرار الأسعار وزيادة فرص العمل والنمو المستدام. وتشمل هذه الجهود السياسات النقدية والمالية ، وتنظيم المؤسسات المالية ، والسياسات التجارية والضريبية.
  • وضع البرامج التي توفر البنية التحتية والخدمات مثل الطرق السريعة والمتنزهات والإسكان الميسور التكلفة ومنع الجريمة والتعليم بدءً من رياض الأطفال وحتى التعليم الثانوي.
  • خلق فرص العمل والاحتفاظ بها من خلال جهود محددة في تمويل الأعمال ، والتسويق ، وتطوير الأحياء ، وتنمية القوى العاملة ، وتطوير الأعمال الصغيرة ، والاحتفاظ بالأعمال التجارية وتوسيعها ، ونقل التكنولوجيا ، والتطوير العقاري. وهذه الفئة تحديدا هي التركيز الأساسي لمحترفي التنمية الاقتصادية.

هذا رائع ، لكن وبكل أسف هناك الكثير من العقبات التى توضع فى طريق هذه الخطوات عن عمد ؛ فضلا عن العقبات الطبيعية فى تنفيذ هذه الخطوات حسب وضع كل دولة ، لذلك فكل خطوة من هذه تحتاج إلى تفصيل حسب كل بلدة حتى يكن لها قيمة حقيقية على أرض الواقع .

فما رأيكم فيما يمكن اتخاذه من خطوات تمكن الدول المتخلفة أو النامية أو الأقل نموا من خوض تعديلات جوهرية و هيكلية شاملة للتنمية الاقتصادية؟

يندرج الأمر تحت مفهومين لا ثالث لهما: الإنتاجيّة، وتشجيع الاستثمار. يمكن من خلال كل مفهوم منهما على حدة أن يعتني بتدوير العجلة بالطريقة المرغوبة. في هذا السياق، يمكن التطوير على مختلف الأصعدة، من خلال إنتاج إلى حدٍّ ما متوافر، وفرص استثمارية توفّر فرص العمل المناسبة، وبالتالي ترفع العديد من مؤشّرات المشكلات العامة وتأثيرها كالانفجار السكّاني وقلّة الموارد وخلافه. بالإضافة إلى تحاوز الأزمة الاقتصادية الأكبر، والتي تتمثّل في احتياطي العملة الصعبة الذي تعاني منه هذه الدول في الوقت الحالي، ممّا يسحب البساط من تحت عملتها المحلّية بكل تأكيد.

وهل يمكن حدوث مثل هذه التنمية على استقلال فى ظل أزمات سياسية كبرى تنبئ بعدم توزيع الموارد الاقتصادية و عدم توزيع السلطة بالشكل العادل؟

كي نكون صريحين مع أنفسنا، لا نستطيع تحقيق هذه الاستقلالية في الوقت الحالي أو في وقت قريب بالتأكيد. لأننا لا نمتلك البيئة الاستثمارية المشجّعة من الأساس. وعلى سبيل المثال، لدينا بيئة مثل الاقتصاد السعودي، وما نشهده من تطوّر غير مسبوق في تاريخه. لماذا؟ لأنه استخدم الموارد التي يمتلكها بالطريقة الصحيحة، وشجّع مستثمرين عمالقة في عالم التكنولوجيا والصناعات الثقيلة والمحروقات وغيرهم وفتح أمامهم باب أسواقه بكل التسهيلات.

هذا هو ما يجب أن يتحقّق أولًا، وذلك كي يكون الاستقلال الاقتصادي ممكنًا خلال عدد سنوات أقل.

اتفق معك تماما فالمشكلة الاقتصادية فى هذا المقام هى مشكلة فى العلملية الانتاجية أساسا ، ونحن نطمح لمركز تفاوضى أفضل ولن يحدث ذلك بدون إنتاج فعلا ، أما عن تجربة السعودية و الإمارات فأنا لا أحبذ الاستدلال بهما فى هذا الشأن لإختلاف الكثير من الظروف الإقتصادية عن العديد من الدول الأخرى والتى تعد أقل نموا وأقل إمتلاكا للرأسمال النقدى .