يوميات النزوح… حين تتبارى النساء في صناعة الفرح

في يوميات النزوح تفاصيل صغيرة قد لا يلتفت إليها كثيرون، لكنها تختصر روح الحياة أكثر من أي وصف آخر.

خرجنا من بيوتنا في شهر رمضان المبارك على عجل، تاركين خلفنا أشياء كثيرة. تركنا الغرف التي ألفناها، وأغراضنا اليومية، وحتى الثلاجات التي كانت مليئة بمختلف أصناف الطعام التي أعددناها لاستقبال الشهر الفضيل. بقي كل شيء هناك كما هو، وكأن رمضان ما زال ينتظرنا في تلك البيوت.

أتذكر أن بيتنا هذا العام شهد اهتمامًا استثنائيًا بزينة رمضان. علقنا الفوانيس والأنوار، ورتبنا الزوايا الصغيرة بعناية، وكأننا أردنا أن نجعل هذا الشهر أكثر بهجة من كل عام مضى. ومن ألذ ما حضرناه يومها حبوب التمر المحشوة باللوز، نغمسها في الشوكولاتة المذابة ونزينها بزبدة الفستق. كانت حلوى بسيطة لكنها مليئة بذكريات جميلة.

ثم جاءت أيام النزوح.

الغريب أن الحياة لا تتوقف، بل تعيد ترتيب نفسها بطريقة مختلفة. ففي مكان النزوح بدأت تظهر يوميات جديدة بطابع خاص.

تجتمع نساء العائلة في مطبخ صغير، وكل واحدة منهن تتبارى بطريقتها. المدهش أنهن يصررن على إعداد أكلات صعبة، أكلات تحتاج عادةً إلى مكونات كثيرة، بعضها غير متوفر أصلًا. ومع ذلك يبتكرن البدائل، ويضحكن، ويحوّلن ما هو قليل إلى ما يكفي الجميع.

إحداهن تتكفل بطبق رئيسي، وأخرى تصر على تحضير نوع من الحلويات، وثالثة تقول بثقة: "اتركوا هذا عليّ".

وفجأة يمتلئ المكان بروائح الطعام، وكأن المطبخ يريد أن يعلن أننا ما زلنا عائلة رغم كل شيء.

لكن ألذ ما في المشهد ليس الطعام نفسه، بل تلك اللحظة التي توضع فيها الأطباق على المائدة.

حين تمتد الأيدي جميعها في وقت واحد، ويتزاحم الصغار والكبار حول طبق واحد، فيصبح الطعام المشترك أشهى بكثير من أي مائدة مرتبة في بيت واسع.

في تلك اللحظة تحديدًا نفهم معنى بسيطًا:

ليس الطعام هو ما يصنع الدفء… بل الأيدي التي تجتمع حوله.

هكذا تبدو يوميات النزوح أحيانًا:

قاسية في ظاهرها، لكنها تخبئ في تفاصيلها الصغيرة لحظات إنسانية دافئة لا تُنسى.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

من ذالك يتبين لنا انه مع العسر يسر وان الله رحيما عزيز

ان مع العسر يسرا ،أن مع العسر يسرا.

نعم بالتأكيد لان ذلك كلام الله عز وجل القرأن الكريم

الانسان قادر حتى في أصعب الأوقات علي خلق لحظات من الإبداع والفرح وهذة ميزة خلقنا بها الله فيعيد ترتيب أولوياته. اعانكم الله أ. أيمن وهون عليكم هذة الفترة وان شاء الله تقضوا العيد في منازلكم وستبقى هذه اللحظات ذكريات قوة وأمل دائمًا.

يبدو أننا سوف نقضي العيد في النزوح😂😂

كل واحدة منهن تتبارى بطريقتها. المدهش أنهن يصررن على إعداد أكلات صعبة

هذا الجو من البهجة والتعاون يضفي على الأيام سرور بطابع خاص، ورغم أن الأيام الحالية قد تبدو لكم صعبة إلا أنكم ستتذكرونها بسعادة قريباً عندما ترجعون لمنازلكم كنوع من الذكريات الجميلة الدافئة.

رضينا بقضاء الله وقدره ،الحمدلله على كل شيء.

أعتقد أن تلك المحاولات من النساء هي من تخفف حدة الصبر قليلاً، فالحياة تستمر و لاتتوقف، المهم هو محاولة الصمود حتى تتحسن الأوضاع ويعود كل شيء كالسابق بل وأحسن.

لا بد لليل أن ينجلي ولا بد أن يستجيب القدر.

يا لجمال هذا البوح الذي يفيض إنسانية، لقد لمست في كلماتك نبضا يشبه تماما ما سطرته في كتابي "في غزة تنبت الزهور"؛ فالحياة هناك لا تستأذن الموت لكي تستمر، بل تنبت من بين شقوق الجدران المهدومة تماما كما تنبت الزهور في أصعب الظروف.

إن حديثك عن "زينة رمضان" و"حبات التمر المحشوة" ليس مجرد استحضار لذكريات طعام، بل هو استحضار لهوية وبيت وعائلة يحاول النزوح سرقتها، لكنها تظل عصية على الغياب. المدهش في نصك هو تلك القدرة العجيبة لنساء العائلة على تحويل "القليل" إلى "كفاية"، وهي المعجزة اليومية التي نعيشها؛ حيث تصبح الرائحة التي تنبعث من مطبخ النزوح الصغير بمثابة إعلان انتصار، ورسالة للعالم تقول: "نحن هنا، وما زلما نحب الحياة".

لقد أصبت كبد الحقيقة حين قلت إن الأيدي التي تجتمع حول الطبق هي التي تصنع الدفء لا الطعام نفسه. هذا هو جوهر "أنسنة" الألم؛ أن نحول المحنة إلى لمة عائلية، والنزوح إلى حكاية صمود تروى بالضحكات والمشاركة رغم كل شيء.

كلماتك ليست مجرد مقال، بل هي قطعة من روح تشبه أرواحنا التي تصر على أن تزهر مهما اشتدت الرياح.

ارفق لك مقطعا من كتاب في غزة تنبت الزهور أتمنى ان ينال اعجابك:

"أن تطبخ بما توفر، أن تقتسم الماء، أن تُضمّد جراحاً بإمكانات محدودة، أن تواسي طفلاً، أن ترفع ركاماً بحثاً عن حياة، أن تُقيم صلاة في العراء، أن تفتح صفاً دراسياً تحت شجرة — كل ذلك لم يكن تفاصيل صغيرة. كان إعادة تعريف للكرامة. في المدن المدمرة عادةً ما يُقال إن الحياة توقفت. لكن في غزة، لم تتوقف الحياة؛ تغيّر شكلها. صارت أكثر عُرياً، أكثر هشاشة، وأكثر صدقاً. حين تسقط الزخارف، يبقى الجوهر. والجوهر هناك لم يكن الاستسلام."

يا الله، ما أجمل كلماتك وما أصدق ما شعرت به وأنا أقرأك… شعرت وكأنك تمسك بيدي وتخبرني أن الحياة، مهما كانت قاسية، لا تُهزم، وأن الكرامة لا تُقاس بالمكان أو بالظروف، بل بالحب والدفء والوفاء للذات والعائلة.

قرأت مقطعك من كتابك، ووجدت فيه كل ما أحسه في غزة، في الخيام، في أصغر التفاصيل: الرائحة التي تنبعث من مطبخ صغير، الضحكة التي تتسلل بين الركام، اليد التي تمد لتطعم أو تعانق… كل ذلك ليس مجرد حياة مستمرة، بل صمود بعيون مفتوحة وقلب كبير، صنع المعجزات من القليل، وأثبت أن الإنسان قادر على أن يصنع الجمال من قلب المحنة.

شكراً لك على هذا البوح الذي يعيد لي الإيمان بأننا، حتى وسط كل الخراب، قادرون على أن نحب الحياة، أن نحمي ذواتنا، وأن نزرع الزهور حيث يبدو أن الأرض جافة.

كلماتك هذه وسام أضعه على صدر حروفي فليس أجمل من أن يجد الكاتب صدى لروحه في روح قارئ مبدع ومثقف مثلك إن شعورك بأن الكلمات تمسك بيدك هو أسمى ما كنت أطمح إليه حين كتبت في غزة تنبت الزهور فالحروف في أوقات المحن لا تعود مجرد حبر بل تصبح ملاذا ويدا تربت على الكتف وصوتا يهمس بأن الجمال لا يموت طالما أن هناك قلوبا تنبض بالحب والوفاء لقد أضفت بحديثك عن الخيام والضحكات المتسللة بين الركام بعدا جديدا لمعنى الصمود وهو الصمود بالجمال والصمود بالابتسامة وصناعة المعجزات من أبسط الأشياء شكرا لك لأنك قرأت بقلبك قبل عينيك ولأنك أكدت لي أننا رغم كل الخراب نملك قدرة فطرية على زرع الزهور في أكثر الأراضي قسوة دمت بذاك القلم النابض وبالروح التي ترى النور في أحلك الظروف

هذا النص  هو وثيقة صمود إنساني مكتوبة بلغة العظمة والإباء،و بنكهة "الروائح والذكريات".

إن تذكّر تفاصيل دقيقة مثل "حبات التمر المحشوة باللوز" وسط الركام، هو تمسك شرس بالحق وبالذات؛ فالإنسان الذي يستحضر زينة بيته وهو في قلب الخيام، هو إنسان يرفض أن تتحول حياته إلى مجرد "رقم" في كشوفات اللجوء.

إنه تاريخ، إنه مجد الوجود العظيم،إنه رائحة الأرض وصاحب الأرض، وسيدها.

و​إن إصرار النساء على إعداد "أكلات صعبة" بمكونات ناقصة هو ذروة التحدي،

نعمة الوجود وكبرياء الشموخ، إنهن لا يطبخن للإطعام فقط ، إنهن يطبخن لترميم "البيت المعنوي". رائحة الطعام في مكان النزوح هي إعلان سيادة،وتمسك بالحق، وقول صريح: "نحن هنا، وما زلنا عائلة، وما زلنا نملك ذوقاً وحياة".

 هذا النزوح يكشف واحدة من أجّل الحقائق الكبرى؛ وهي أن الدفء ينبع من تلامس الأيادي ولمة العائلة حول طبق واحد، لا من سواها.

​كم أنتم عظماء.

 إنكم لا تعيشون النزوح، بقدر ما تعيدون تعريف "الوجود" نفسه. 

وكم أن كل امرأة هناك هي مصنعٌ للعظمة والبطولة، وخط الدفاع الأخير عن جمال الروح وبقاء الهوية.

إنهن يحوّلنَّ المطابخ الصغيرة إلى ساحات نصر، واللقمة البسيطة إلى نشيد وطني.

سلام الله عليكم،سلام الله عليكم.

و​سلامٌ على الأيدي التي تُطعم الصمود، وتغزل الدفء من ركام النزوح والمعاناة.

شكراً لك على كلماتك الرائعة، شعورك يلامس القلب ويُقدّر كل لحظة صمود وبسمة وسط الصعاب. فعلاً، كل ما تصفه هو الحياة بأبهى صورها، والكرامة التي لا تُقاس بالمكان ولا بالزمان. كلماتك تُحيّي الروح وتُذكّرنا بعظمة الإنسان وقدرته على صنع الدفء والمعنى حتى في أصعب الظروف.