المجدّرة "حين ينقسم البيت على طبق واحد"

اليوم أحكي لكم عن المجدّرة، لا بوصفها وصفة مطبخ، بل بوصفها سردية بيت، وذاكرة جماعية، ومرآة صادقة لانقساماتنا الصغيرة التي تشبهنا أكثر مما نحب الاعتراف به.

المجدّرة، هذه الأكلة الضاربة في عمق التراث الشعبي اللبناني، تتكوّن من عناصر متقشّفة: عدس وأرز، أو عدس وبرغل، وبصل هو بطل الحكاية الصامت. مكوّناتها ثابتة، لكن شخصيتها تتبدّل بتبدّل مزاج الأم؛

تارةً تُقلى البصلة حتى تبلغ ذروة الكراملة وتُتوَّج بها الصحن كوسام شرف،

وتارةً تُقدَّم “مصفّاة”، متقشّفة أكثر، بلا زينة ولا ادّعاء.

وفي كلتا الحالتين… هي المجدّرة، لا تخون أصلها.

المثير للسخرية – أو للتأمل – أن هذه الأكلة البسيطة قادرة على شقّ العائلة عاموديًا:

مؤيد متحمّس يرى فيها وجبة كاملة لا تحتاج إلى تبرير،

ومعارض يتعامل معها وكأنها إعلان تقشّف قسري.

أما أنا، فأقف في المنتصف، منحازًا إلى المجدّرة حين تُحاط بطاولة خضار موسمية، أو تُرافقها كاسة لبن باردة مع زيتون… هناك، تكتمل الصورة ويهدأ الجدل.

المجدّرة وجبة يصرّ عليها الفقراء لأنها تشبع بلا كلفة،

ويتباهى بها الأغنياء لأنهم ملّوا فائض اللحوم ويريدون استعادة “البساطة” كهواية.

هي الطبق الوحيد الذي يعبر الطبقات الاجتماعية بلا استئذان، ويجلس على موائد متناقضة بلا حرج.

ولعلّ أصدق ما قيل فيها ذلك المثل الشعبي:

“أكلنا مجدّرة… والعيشة مكدّرة.”

مثلٌ لا يذمّ الأكلة بقدر ما يحمّلها رمزية الفقر، وكأن المجدّرة ليست سبب الكَدَر بل شاهده. فهي لم تكن يومًا ترفًا، بل حلًّا؛ ولم تدّعِ يومًا أنها أكثر مما هي.

في النهاية، المجدّرة ليست مجرّد طعام.

إنها حكاية عن القناعة، وعن الذاكرة، وعن قدرتنا الغريبة على تحويل البساطة إلى موقف.

قد نختلف عليها، نحبّها أو ننفر منها، لكننا نتفق – بصمت – أنها تشبهنا… حين نكون على حقيقتنا، بلا زينة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مجهول أضف ردا

المجدّرةومرآة صادقة لانقساماتنا الصغيرة التي تشبهنا أكثر مما نحب الاعتراف به ?!

المجدّرة

تشبهنا… حين نكون على حقيقتنا، بلا زينة ??!

Bachoutage بين طبقتين قصدت المعنى بقلب الشاعر ويحق له ما لا يحق لغيره

لم اتذوقها من قبل لكن من مكوناتها ينقصها لمسات بسيطة وتصبح كشري😊وهو أيضاً في مصر يمثل جميع طبقات المجتمع. الانقسامات الصغيرة داخل البيت تعلمنا كيف نصبح أشخاص أفضل، نصقل قيمنا، ونتعلم الصبر والمرونة. لهذا أري المجدّرة ليست مجرد انعكاس للبيت بل طريقة لفهم أنفسنا أكثر.

يقال: إن الكشري أصله هندي .. وأنه عبارة عن (أرز وعدس) جاء به الهنود إلى مصر، ثم أضاف له الايطاليون معكرونة .. ثم أضاف له المصريون إضافات أخرى ..

فالمجدّرة يبدو أنها مشابهة للكشري في أصله (إشباع بلا كلفة)

هي هيك "اشباع بلا تكلفة" والا خيرني بينها وبين لحم ماعز 🐐

اكيد اختار الثاني😂

اي صح ،عفكرة انا اكل كشري بكذا محل ولكن مش بمصر أم الدنيا واذا حابب زور مصر اكيد مش عشان اكل كشري 😂

😂اجدع ناس والله وانا اميل للصعايدة مش عارف ليش عشان بيشبهو طباعنا أهالي جبال لبنان

بالفعل!

لكن في منزلنا كلنا نحبها ونتشجّع لها سواءًا بالبرغل أو الارز وبالتأكيد مزيّنة بتاجها البصليّ إلى جانبها كأس من اللبن ويا سلام لو أضيف طبق سلطة بالطحينية😋

أول مرة أعرف أنها الاكلة التراثيّة في لبنان😄

في اغنية عنا شعبية تقال "عازموني عالعشا تاري العشا بطاطا"😂😂

تارةً تُقلى البصلة حتى تبلغ ذروة الكراملة وتُتوَّج بها الصحن كوسام شرف،
وتارةً تُقدَّم “مصفّاة”، متقشّفة أكثر، بلا زينة ولا ادّعاء.

عنصر بسيط "البصل" قد يجعل الطعام "متوّج" وفي عدم وجوده يصبح الطعام "متقشف"، رغم بساطة البصل إلا أنه يعبر عن المزاج الجيد والتمهل والعناية، فلو كانت سيدة البيت رائقة البال ينعكس ذلك على طعامها ويبدو في أفضل صورة، ولو كانت مكدرة فمهما كان الطعام سينقصه لمسة الاعتناء ويصبح "متقشف".

يا سلام صنع الطعام بحب يصنع الفارق وتحل البركة فيه وخاصة من ايدين نبع الحنان.