عمري يضيع بين الصحراء والحقائب..

​صديقي يعمل في منطقة صحراوية نائية جدا، ونظام حياته عبارة عن "حقيبة سفر" لا تغلق أبدا..بحيث كل أسبوعين يتم نقله لمنطقة جديدة، يقول لي بالحرف: أنهي 15 يوما في منطقة صعبة وأعود لثكنتي العسكرية الأساسية (التي تقع ايضا في منطقة صحراوية صعبة) لأجد الحقيبة تنتظرني بعد أسبوعين أيضا لمنطقة أخرى وهكذا!

حياة غير مستقرة تماما.. رغم ذلك قال لي أن المخيف فيها ليس التعب الآن، بل رؤية زملائه الذين وصلوا للأربعين من عمرهم وما زالوا يحملون نفس الحقيبة، يركضون من منطقة لمنطقة وكأنهم شباب في العشرين!

​هو الآن يرى أن العمر يهرب منه في روتين صعب قاتل. قال لي: "أنا ما أقدر أتخيل نفسي بعد 15 سنة هكذا".

أصبح يفكر بجدية في تقديم استقالته والمخاطرة بدخول عالم الاستثمار أو التجارة الإلكترونية أو حتى البحث عن فرصة سفر لأروبا مثلا!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

عموما الشخص تتغير اهتماماته من مرحلة عمرية الى أخرى. ففي وقت من الأوقات ربما لم يجد صديقك مشكلة في عدم الاستقرار الذي يفرضه عليه عمله، لكن مع الوقت من الطبيعي أن يشعر أنه بحاجة لبعض الاستقرار والراحة من أسلوب الحياة القاسي هذا، وبالتالي فالأمر منطقي وكل ما عليه فعله هو الموازنة بين المزايا والعيوب وما يناسبه في هذه المرحلة في حياته

المشكلة في حالة صديقي ليست في تبدل الرغبات فحسب بل في ادراك ان المسار الحالي لا يؤدي الى تراكم الخبرة بل الى تآكل العمر.. هو يرى اشخاصا بعمر أبيه مع الحقائب والتنقلات ولم يكن يتوقع هذا السيناريو الثابت..

الموازنة بين المزايا والعيوب يجب ان تتم قبل ان تصبح الحقيبة جزءا لا يتجزأ من تكوينه البدني والروحي!

الحياة الميري صعبة في كل تفاصيلها، وتكسب الإنسان صفات ما كانت فيه.. جربت مثل تلك التنقلات في الجيش، فترة الجيش هي أكثر فترة سافرت فيها لأماكن مختلفة.. ولكنه الجانب المر من السفر.. حيث تسافر لترى الجبال والصحراء وليس البحار والحدائق.

لذا إن كان لا يستطيع أن تكون هذه طريقة حياته فعليه بأن يستقيل لأنه سيظل على هذا الحال حتى يبلغ سن التقاعد إن كان ضابط أو ضابط صف أو صانع.

هناك من يتأقلم على الحياة العسكرية

وهناك من لا تناسبه

هناك من يتأقلم على الحياة العسكرية.. وهناك من لا تناسبه

وهو كذلك

صديقي الان يقف عند تلك النقطة المفصلية التي يدرك فيها ان الاستمرار يعني التحول الى تلك النسخة الاربعينية التي تثير ذعره.. مما يجعل الاستقالة ليست مجرد خيار بل هي محاولة اضطرارية لانقاذ ما تبقى من ذاته قبل ان تبتلعها الرمال تماما!

الخطر ليس في الاستمرار ولا في الاستقالة، بل في الانتقال الأعمى. القفز إلى الاستثمار أو التجارة الإلكترونية بدافع الهروب فقط قد يصنع حقيبة أخرى، لكنها هذه المرة بلا راتب ثابت ولا إطار واضح. كثيرون غادروا وظائف مرهقة، ليجدوا أنفسهم مرهقين بشكل مختلف، ولكن بلا شبكة أمان.لو افترضنا انه تعامل مع هذه المرحلة كمرحلة مؤقتة ذات سقف زمني واضح؟ سنتان مثلًا لبناء مهارة، دراسة سوق، أو اختبار مشروع صغير بجانب العمل. هنا لا تكون الاستقالة قفزة في المجهول، بل انتقالًا محسوبًا، ولا تبقى الحقيبة قدرًا مفتوحًا.

بالضبط وهذا ما نبهته عنه انا ايضا حينما استشارني، "يجب ان تكون مستعدا لعدم نجاحك في المجال الذي ستقفز اليه من وظيفتك" وقد وجدته اخذ بباله هذا الاحتمال بالفعل كما قال.. وقد جمع بعض المال استعدادا لذلك لكي لا يبدأ من الصفر. بالنسبة لنقطة الزمن.. القواعد شوي مختلفة، يعني العقود ليست بالسنتين بل اذا امضى العقد التالي فهو عقد 7سنوات كما قال. عقده الحالي لازالت عنده سنة وبضعة اشهر حتى ينتهي لذا يمكن استغلالها ايضا.

الاستقرار في مكان واحد طبعا يمنح الإنسان شعوراً بالراحة، لكن ايضا التنقل المستمر يخلق شخصية مرنة قادرة على التكيف. هذه التجربة يمكن أيضا اعتبارها رحلة ذاتية بعيداً عن المغريات. الزملاء الذين وصلوا للأربعين وما زالوا يمتلكون طاقة الشباب في التنقل هم نموذج للحيوية والنشاط الدائم، وهو أمر يفتقده الكثير من الموظفين خلف المكاتب المغلقة الذين يعانون من الركود الصحي والذهني في وقت مبكر.

. فكرة الاستقالة هي مخاطرة طبعا، وبقية الإحتمالات كلها قد تحمل عدم استقرار من نوع اخر.​لو كنت مكانه سافكر ان البقاء في هذا المسار لفترة أطول قد يكون هو الاستثمار الحقيقي لتأمين مستقبل لا يحتاج فيه للمخاطرة بكل شيء.

لا أعتقد أن الاستمرار في حمل الحقائب والتنقل والعمل الشاق للعساكر هو نشاط وحيوية بالنسبة للاكبر سنا، فنحن بطبيعة الحال نتعب في شبابنا كي نستريح في كبرنا ونأمن حياة مستقرة، اما النشاط والحيوية فهي ممكنة بطرق اخرى كممارسة الرياضة مثلا وليس الارتباط بوظيفة تمنعك من الاستمتاع بحياتك لا في شبابك ولا في كبرك..

اعرف حالتان رجلان كلاهما في السبعين من عمرهما بارك الله في اعمارهما، الاول بعد ان بلغ المعاش جلس في المنزل هو الان قعيد اصيب بالسمنة والسكر و العديد من الامراض، والثاني مازال يستيقظ يوميا الفحر يذهب ليشرف على عمله بنفسه مع انه يستطيع ان يجلس ويأتي له الايراد، وماشاء الله يقود سيارته يوميا ذهابا وايابا يراعي مصالح وطلبات منزله بنفسه وشكله اصغر ب عشرون عاما من الاول ، لو اخترت ان اكون احدهم ساكون الثاني بالتاكيد، هذا قصدي.

عليه أن يكون واعيًا لهذه الخطوة، الحياة ليست كما نتخيلها، إن كان فعلًا لا يستطيع أن يتحمل هذا العمل عليه أن يتركه لكن ليس قبل أن يضمن له عمل آخر .

المشكلة كلها في كلمة (يضمن) اههه، فهو بالفعل لديه فرص ورؤى لما سيتجه اليه بعد الاستقالة، لكن الضمان ييقى بيد الله. وهو مدرك لإمكانية فشله وقد صارحته بهذا في نقاشنا، وقال أن المغامرة بذلك أحب اليه من الالتزام بوظيفة يكرهها تحجبه عن الحياة التي يريدها حتى وهو كبير بالعمر..