لجارتنا صوتٌ لا يمرّ خفيفًا.
صوتٌ حاد، قاطع، كأن الكلمات تخرج منه قبل أن تمرّ على القلب.
أسمعه غالبًا مع الغروب؛
حين يعود زوجها من عمله،
وحين يضيق البيت بما فيه من تعب اليوم.
هي امرأة متفانية، لا يشك أحد في حبّها لأولادها.
تطبخ، تنظف، تسهر، تقلق، تخاف عليهم أكثر مما تخاف على نفسها.
لكنها… حين تتكلم، تجرح.
كلماتها ليست سبًّا فاحشًا،
بل أوصاف صغيرة، متكررة، قاسية: “أنت لا تفهم”
“رأسك يابس”
“منك لا يُرجى شيء”
تقال على عجل،
لكنها لا ترحل على عجل.
زوجها رجل هادئ، موظف بسيط، مثابر،
من أولئك الذين يعتقدون أن الصمت فضيلة،
وأن البيت لا يحتمل مزيدًا من الضجيج.
يلتقيني أحيانًا عند قهوة آخر الشارع،
يجلس قبالتي كمن ألقى حمله مؤقتًا.
يقول لي: “أنا لا أعارضها على حبها لأولادها…
أنا أعترض فقط على لسانها.”
يحاول أن ينبهها، لا بأسلوب الواعظ،
بل بلغة الشريك: “الكلمة تؤثر…
الأولاد يكبرون على ما نكرره لهم.”
لكنها لا تتقبل.
أي ملاحظة تتحول إلى اتهام،
وأي اعتراض يصبح هجومًا عليها كامرأة وأم.
فتشهر سهامها نحوه: “أنت مقصر.”
“أنت لا تفهم التربية.”
“أنت تترك الحبل على الغارب.”
فيصمت.
ثم ينسحب.
ثم يهرب… إلى القهوة.
وأبقى أنا أفكر: كيف يمكن لإنسانة تحب بهذا القدر،
أن تؤذي بالكلمات بهذا العمق؟
المشكلة ليست في الحب… بل في الوعي
المشكلة ليست أن الجارة سيئة،
ولا أن الزوج ضعيف،
ولا أن الأولاد مدللون.
المشكلة أن بعض الناس لم يتعلموا أن الكلمة تربية،
وأن الصوت المرتفع لا يعني سلطة،
وأن الخوف لا يصنع إنسانًا سويًا.
هي تظن أن القسوة تحمي،
وهو يظن أن الصمت يجنّب الأسوأ،
والأولاد… يدفعون الثمن بصمت.
فما الحل؟
التعليقات