عاد من عمله إلى المنزل وهو يشعر بسعادة غير معتادة، وتفكّر: لم أنا سعيد هكذا فجأة؟ وتفكّر، فإذا هو لا يدري من أي موقف التقط تلك السعادة، ولا كيف علقت به. دخل منزله فإذا زوجته قاعدة على الكنبة، فنادته وقد لمحت في وجهه تلك السعادة: تعال جنبي هنا حبيبي! فقعد إلى جانبها، وآثار تلك السعادة لم تزل في قلبه ووجهه، فبادرته - هكذا من غير تخطيط - حبيبي، ماذا تلاحظ فيّ من تغيير؟ وأشارت بيدها إلى وجهها وسائر بدنها. صدمه السؤال! إنه لم يلاحظ شيئا، ما الشيء المتغير فيها؟! ضحك ببلاهة ليصرف عنه السؤال أو ليأخذ وقتا للتفكير: ما الذي تغير فيها؟ وجهها، ماذا تغير في وجهها؟ حواجبها، هل زججت حواجبها؟ أم شعرها؟ هل صبغته أم قصرته؟ يا الله، كيف كانت لما خرجتُ إلى العمل؟ ما الذي تغير؟ لباسها، هل لبسته من قبل أم هو جديد؟ واستغاث بذاكرته وعقله وقلبه، ولا من مغيث! واصل ضحكاته البلهاء، وواصلت تستنجزه الإجابة، وقد أعجبتها اللعبة. وأقبلت بخبثٍ تُوهمه وقد علمت أنه قد أدركه الغرق، تشير مرة إلى ووجهها، ومرة إلى شعرها، ومرة إلى لباسها، وضاع المسكين، وانقطعت الضحكات البلهاء، ثم قال مجيبا:
- شعرك
- ما به شعري؟
- صبغتيه، لونه صار أغمق قليلا!
- لا، ليس شعري
اللعنة، قال في نفسه وأكمل: لست متأكدا هل فعلا شعرها هذا لونه المعتاد أم لا؟ وأدرك أنها عرفت أنه في ورطة، إنه شعرها لكنها تريد أن تخدعني.
- بلى، إنه شعرك
- لماذا ألا تعرف شعري؟!
- بلى، ووولكن ..
- ولكن ماذا؟
- ولكنه متغير، ما شاء الله، أشعر أنه أكثر نضارة و، و، و..
- لا والله، ليس شعري
تبًا لها، قالها في نفسه وهو يبحث عن الإجابة الصحيحة في اختبار لم يستعد له، هل هي البلوزة؟ هل لبستها من قبل أم هي جديدة؟ عصر ذاكرته فلم تنقط شيئا، لقد كانت جافة جدا.
- البلوووزة! وأكمل متصنعا الثقة: ما أجمل ذوقك، ما شاء الله، أنتِ تجملين كل شيء!
- ألا تذكرها؟! لقد اشتريناها العام الماضي ولبستها ثلاث مرات!
أيقن أنه أخفق في الامتحان، ولم يدر ما يفعل، فأرجع البصر مرة ومرة يائسا من الإجابة الصحيحة، وقد كست وجهه علامات الحرج، قالت:
- لو كنت تحبني للاحظت!
- أنا والله أحبك يا حبيبتي، لكن آ، آ، آ، قولي لي بالله ماذا تغير فيك؟
- الحقيقة، والله ما في شيء متغير، ولا حاجة! قالتها ببرود.
اللعنة، لماذا لم أنتبه؟! هل أنا فاشل لأني لم أكن متأكدا من لون شعرها، ولباسها؟! كيف أكون منتبها دائما، وشديد الملاحظة؟! قال ذلك بغضب محدثا نفسه التي بدأت تغرق وتغرق وتغرق.
التعليقات