في تلك الليالي الحالكة التي تلفُّ المعسكر ككفٍّ رخامي، حيث لا صوت سوى زفرات الريح العابرة بين أجنحة الصحراء، وقعت عيناي – وأنا حارسٌ وحيدٌ على أسوار الصمت – على جُرحٍ يخفق تحت ضوء القمر الخافت. نسرٌ عظيم، "سيد السماء" كما خطر لي، مُنْبَطحٌ على التراب، وجناحه الأيمن ممزقٌ بطلقة غادرة، كأنما سُطِعتْ نجمة من كوكبه الأعلى.
اندفعتُ نحوه، وليس في جعبتي سوى غريزة الإنقاذ. وضعتُ كعب بندقيتي – ذلك المخلوق الحديدي البارد – برفقٍ فوق صدره العريض، وكأني أُثبِّت ملكيةً على روحٍ متعالية. رميتُ جاكيتي العسكري الثقيل فوق رأسه المُهيب، دريئةً منقاره المنحوت من الظلام ومخالبه التي تشبه سيوفًا مصغرة. اقتربتُ بقلبٍ يخفق كطبل الحرب. شعرتُ بقوته تتردد تحت يديّ، عنفوانٌ لم يهزمه الألم ولا الذل. ربطتُ قدمه القوية – بكل ما فيَّ من حرصٍ يخالطه الذنب – في عامود صدئ بارز من الأرض، كأني أُوثقُ قطعةً من الليل نفسه.
وهنا بدأت المفارقة العجيبة. لم يكن أسيرًا ذليلاً، بل ملكًا أُسِرَ جسده فحسب. كلما دنوتُ، كان يرفع رأسه المُكلَّل بالكبرياء، وينشر جناحيه الجريحين في حركةٍ مهيبة، كعلمٍ ممزقٍ يرفض السقوط. كانت عيناه الذهبيتان تحدقان بي، لا بطلبٍ ولا خوف، بل بتحدٍّ صامت يذيب الحديد في النفس. "سبحان مَنْ ألهم هذا المخلوق شموخ الجبال!" كنت أتمتم.
أحضرتُ له قطع اللحم الطازج، فلم يمد منقاره، كأنما يرفض الصدقة. تذكرت أسرار طبيعته المتوحشة. خرجتُ عند الفجر القابض، وعدتُ بفأرٍ حيٍّ يرقص بين يدي. رميته أمامه. في لمحةٍ، انقضَّ الصقر الجريح ببرقٍ صامت، والتهم الفريسة بشراسةٍ تذكرك بأصول العالم الأولى. وهكذا، أيقنتُ لغة روحه: الحرية أو الفناء.
أيامٌ مضت كأنها طيفٌ. كنتُ أُمضي حراستي الليلية بجواره، مستأنسًا بذلك الحضور المتحدي للقهر. شهدتُ عودة الحياة تدبُّ في جناحه المكسور، وقوته تعود كالنبع بعد الجفاف. كان شفاؤه انتصارًا شخصيًّا لي، نصرًا للعنفوان على الدمار.
لكن قدر المعسكر القاسي لا يرحم. جاء الضابط ذات صباح، نظراته الباردة تتجه نحو طائري. "سنأخذه، هذا طير جارح، قد يفيد في التدريب أو التحنيط." رفضتُ بلهجةٍ عسكريةٍ حادة لم أعهدها في نفسي. أصرَّ كالجبال. عرفتُ أن صولجان السلطة لا يُردُّ بالكلمات.
في ظلام تلك الليلة، اتخذت قراري. لن يكون قيدًا في متحف، ولا لعبةً في يد قاهر. سيعود إلى سمائه. اقتربتُ منه في السَّحَر، حينما يكون العالم بين الليل والنهار. حللتُ القيد الحديدي عن قدمه القوية. لم يهرب فورًا. وقف، ونظر إليَّ نظرةً طويلة، عميقة، كأنما يختزن صورتي في ذاكرته الذهبية. ثم نشر جناحيه – وقد شُفيا – في حركةٍ مهيبةٍ أخيرة، كأنه يودع أو يشكر.
وهنا جاء المشهد الذي حفر نفسه في قلبي إلى الأبد. لم يكن قد غادر الأرض بعد، حين انبعث من بعيدٍ صراخٌ حادٌّ، مألوفٌ ومُلحٌّ. نسرٌ آخر، أنثى بجناحين كالظلِّ الكبير، هبطتْ كالسهم نحو زوجها. اقتربتْ منه، ولمسته بمنقارها بلطفٍ لا يصدق، ثم حاولت رفعه بأجنحتها مرارًا، وكأنها تحثُّه على الطيران، صارخةً بقلقٍ وحبٍّ يذيب الصخر. أدركتُ، والدهشة تقبض على حلقي: لقد كانت هناك، في الفضاء المجهول، تنتظره طوال أيام أسره، تسمع أنينه الخافت، تحرس أمل عودته، لم تيأس ولم تبرح. وفاءٌ فوق أعالي الرمال، وفاءٌ يكتبه منقار وريش في سفر الكون الأزلي.
حلّقا معًا عند الفجر الحقيقي، صاعدين في عناقٍ سماويٍّ. وقفتُ وحيدًا، والجاكيت العسكري الملقى على الأرض كذكرى، أنظر إلى نقطتين تذوبان في زرقة الصباح. تذكرت عنفوانه الأسير، وصبرها المنتظر. في ذلك الموعد السري بين قلبين طائرين، في تلك اللغة التي لا تحتاج كلمات، فهمتُ سرًّا من أسرار الوجود العميقة: إن الوفاء ليس صفةً بشريةً فحسب، بل هو نغمةٌ كونيةٌ تُرجم في عينين ذهبيتين، وفي صراخٍ يقطع الفجر من أجل حبيبٍ ضائع. سبحان الخالق! من ألهم هذه الأرواح المجنحة لغة الحب والانتظار التي تعجز عنها أحيانًا قلوبٌ تحمل اسم الإنسان؟!