كان في قريتي رجل يُضرب به المثل في العقل والرزانة، معروف بوقاره وحديثه الهادئ، كأن الحكمة تمشي على قدمين. لم يكن الناس يذكرونه إلا بابتسامة احترام، وكان حضوره يبعث على الطمأنينة.
لكن ذات مساء، وأنا عائدة إلى منزلي، رأيته... يمشي مترنحًا في الطريق المؤدي إلى بيتنا، شاحب الوجه، يتحدث مع نفسه وكأنه في حوار خفي مع كائنات لا نراها. بدا لي كظلٍ لرجلٍ كان يومًا حاضرًا في كل المجالس. حزنت عليه، وأخذت أردد في داخلي:
"ما الذي جعله هكذا؟ أهو سحر؟ أم جُنَّ فجأة؟ أم أن الحياة أخذت منه ما لا يُحتمل؟"
ومرت الأيام، وانشغلنا بأوجاعنا، ونسيت ذاك المشهد… إلى أن جاء اليوم الذي دقّ فيه الوجع أبواب بيتنا.
في تلك الليلة… سمعنا صراخًا من غرفة أخي الأكبر، عصبية لم نعهَدها، وكلامًا متداخلًا لا نفهم منه سوى الخوف. حاولنا تهدئته، لكنه كان في عالمٍ لا يشبه عالمنا.
أخذناه إلى الأطباء، وبعد فحوصات وتحاليل طويلة، جاء التشخيص: فصام.
لم أفهم الكلمة وقتها.
كنت أظن أن الفصام يعني الانقسام بين الحزن والفرح، بين الحب والكره… لم أكن أعلم أنه يعني الانفصال عن العالم، عن الواقع، عن الناس، عن النفس.
كنت أتساءل كل يوم: "هل سيتحسن؟ هل سيعود كما كان؟"
لكن الحقيقة كانت أقسى مما توقعت.
تحوّل أخي إلى شخصٍ آخر…
يشك في الجميع.
يمشي كثيرًا بلا هدف.
يتحدث مع نفسه أحيانًا، وأحيانًا أخرى يحدّق في الفراغ ساعات طويلة دون أن يرمش.
رحلت عنه زوجته…
تركه أطفاله…
فقد عمله… وفقد نفسه.
وفقدناه نحن.
إنه ما يزال حيًا…
لكن دون روح، دون دفء، دون ضوء.
يجلس أحيانًا أمام أمي ولا يراها، تحدثه فلا يجيب.
نلمسه، نقترب منه، نبكي قربه… ولا يرد.
حتى الطبيب قال:
"لن ينفع الدواء إن لم يُرد هو النجاة بنفسه."
لكنه لا يريد شيئًا.
لا يتكلم.
لا يطلب.
فقط يأكل وينام ويحدق…
كأننا لم نعد موجودين.
كأن الحياة أصبحت شاشة بيضاء، خالية من كل الوجوه.
وأنا؟
أنا ما زلت أتذكر ذلك الرجل الذي رأيته في طريقي منذ سنوات.
الآن فقط فهمت كيف يصبح الإنسان صفحةً بيضاء بعد أن كانت مليئة بالحياة.
الآن فقط فهمت أن بعض الغياب، لا يحتاج موتًا.
يكفي أن يخطف العقل، ليغيب الإنسان عنّا، حيًّا… ساكنًا… غائبًا.
التعليقات