إسقاطات الأسطورة

على الفرد أن يكون منضبطًا منذ الطفولة. يجب أن يدرس جيدًا وأن يكون مؤدبًا، أن يُحصّل نقاطًا جيدة كي يكون ضمن فئة المجتهدين وعليه أن يسير على هذا المنوال حتى يتمّ جميع مراحل التعليم، بعد ذلك يجب عليه أن يَحصل على وظيفة جيدة كي يكون شخصًا صالحًا في نظر المجتمع، فحصوله على مستوى دراسي ممتاز وثقافة فكرية عالية غير كافين إذا لم يضمن وظيفة تدِر عليه دخلًا جيدًا. بعد ذلك، عليه أن يفكر بالاستقرار الذي لا يتأتى إلا بالزواج، ثم بعد الزواج عليه أن ينجب أطفالًا وإلا ستتحول حياته هو وزوجته، بالأخص، إلى جحيم لا يطاق من كثرة الأسئلة التي ستتوجه إليهما في كل مناسبة.

هكذا يجب أن تكون حياة الفرد الناجح حسب الأسطورة، وكل خلل في هذه السلسلة سيسبب لك التعاسة لا محالة، وستجد نفسك في كل مرة مضطرًا للشرح والتفسير.

لماذا لم تكمل دراستك؟ لماذا لم تحصل على وظيفة وقد أتممت الدراسة؟ لماذا لم تتزوج بعد وأنت تملك من المال ما يضمن لك الحياة السعيدة؟ لماذا لم تنجب بعد وأنت متزوج منذ مدة؟ لا يشعر العالم من حولك بالراحة إلا بعد أن يتأكدوا من أنك تعيش حياة تشبه حياتهم. آنذاك تدخل في دوامة النسيان ولا يسألونك عن أحوالك ولو على سبيل المزاح؛ لأنهم يعلمون جيدًا أنك تُعاني مثلهم فحياتك صارت تشبه حياتهم، يبقى دائمًا اختلافك واختيارك لطريق لا يشبه طريقهم مصدر قلق وإزعاج لهم، فهم يخافون أن تنجح باختلافك وتصنع حياة لا تشبه حياتهم النمطية، خوفهم يدفعهم إلى الاستمرار في التشويش على أفكارك وتحطيم أحلامك وإحباط مجهوداتك.

تفشي هذه الأسطورة في المجتمع يخلق لدى الفرد تخوفًا يرافقه منذ الطفولة؛ تخوف من ألا يجد لنفسه مكانًا داخل ذلك القالب الجاهز، تخوف من أن ينحرف عن ذلك المسار الذي قيل له منذ الصبا أنه المسار الصحيح الوحيد.

كل انحراف ولو كان بسيطًا يقود الفرد إلى الاعتقاد بأنه فاشل وغبي ولا يصلح لأي شيء، وذلك لأن طريق النجاح الوحيد الذي رسمته له الأخيرة لم يستطع السير عليه. أنت عاجز لأنك لا تستطيع السباحة ولكنك خبير في الطيران، غير أنك لا تستطيع رؤية ذلك لأنه تمت برمجتك على كون السباحة هي سبيلك الوحيد إلى النجاح، حيث تضع الأسطورة ضمادة سوداء على أعين الأفراد حتى تقودهم في طريق واحد؛ سواء أكان ذلك الطريق يناسبهم أم لا.

والخطير فيها أنها جعلت الأفراد يفكرون بطريقة واحدة، معتقدين أن ذلك الطريق سيستوعبهم جميعًا، غير واعين، البتة، بأن لكل فرد منا طريقه الخاص، بل أحيانًا يتوجب علينا أن نصنع الطريق الذي يناسبنا، فجعلتنا نسعى جاهدين للالتحاق بركب لا ننتمي إليه، نستغرق وقتًا طويلًا ونستثمر طاقات جبارة في أشياء لا تناسبنا، وعند فشلنا نعتقد أننا أغبياء ولا نصلح لشيء أبدًا. في حين أنه لا وجود لشخص غبي أو بدون فائدة، بل نحن حلقات مهمة وغياب أي فرد كيفما كان سيشوه الصورة النهائية، كل ما في الأمر أن الأسطورة اللعينة تحجب عنا الرؤية الصحيحة للأمور.

نعيش في مجتمع لا يساعد الأفراد على التعرف على قدراتهم ومهاراتهم، بل يجعلهم يؤمنون أنهم لا يصلحون لشيء سوى للشقاء والكد من أجل لقمة عيش بسيطة، وسقف يأويهم وملابس رثة تستر عوراتهم.

مجتمع لا يساعد أفراده على التحليق عاليًا وكأنهم حُكِموا بالسجن مدى الحياة، والعجيب أنهم يقصون أجنحة كل من حاول التحليق. كل شيء في مجتمعي يشدك نحو الأسفل ويجذبك في اتجاه السفح. تعيش جل حياتك وأنت تعتقد أنك لا تستحق أكثر مما أنت تتمتع به؛ لدرجة أنه قد تأتيك الفرصة لتعيش حياة أفضل بكثير من حياتك الذليلة، لكنك ترفضها لأنك تفتقد للجرأة الكافية معتقدًا أنك لا تستحقها.

استُصغرنا لدرجة أصبحنا عاجزين عن المطالبة بأبسط حقوقنا، بل أصبحت تلك الحقوق تبدو لنا أحلامًا يجب العمل على تحقيقها. نجح مجتمعنا في جعلنا نرى حقوقنا أحلامًا، فأصبحت بذلك الأحلام معجزات لا يمكن أن تتحقق إلا في الأحلام.

أحاول أن أصل إلى نقطة أساسية مفادها أن طريق النجاح ليس واحدًا أبدًا، وأنه كي تكون ناجحًا لا يعني أن تؤمن بالأسطورة وتقيس عليها نجاحاتك وفشلك.

لكل منا قدراته الخاصة وميوله الشخصية التي تميزه عن غيره وطرق النجاح التي تلائمه، وكل منا يستطيع أن يحقق النجاح بطريقته المناسبة وفي المجال الذي يميل إليه، ولا يمكن أن نكون جميعًا أطباء أو أساتذة أو رجال أمن أو سياسيين، بل هناك منا من سيكون نجارًا محترفًا أو رسامًا ماهرًا، ومنا من سيصنع من موهبته مسارًا متألقًا، وهناك من سيحقق نجاحًا مبهرًا بعيدًا عن مجال العلم والكتب، بهذا الاختلاف وحده نصنع صورة كاملة وجميلة.

لا مقياس للنجاح ولا معيار للذكاء، فكل منا متميز بطريقة ما، وكل ما علينا فعله هو التخلص من تأثير الأسطورة والتركيز على دواخلنا واتباع ميولنا. ويظل الاجتهاد والعمل بجد مع المثابرة والإصرار من مفاتيح النجاح والتألق.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أحيانًا يخاف المجتمع منا، وأحيانًا أخرى يخاف علينا، يقولون "سترسلك رأسك للهلاك"، إن بعضهم يحبنا، لكن الواقع الكثيرين بالفعل يخيفهم أن نحقق شيئًا ما، إنهم يراقبون في قلق، يسئلون من فترة لأخرى كي يطمئنوا أننا لم نصل لشيء بعد، ولذلك أعتقد أن علينا التقليل من التواصل مع المجتم، وأن نقصر هذا التواصل على فئة قليلة.

على الفرد أن يكون منضبطًا منذ الطفولة. يجب أن يدرس جيدًا وأن يكون مؤدبًا، أن يُحصّل نقاطًا جيدة كي يكون ضمن فئة

ببساطة هذا المسار الذي قمت بسرده هو الاحتياجات الأساسية لنا كأفراد، وكأنك قمتِ بسرد هرم ماسلو كل طبقة على حدى

ومع اختلاف الترتيب بالمسار واستباق خطوة لأخرى وكل شخص يرتبها حسب أولوياته ورغبته وليس كونها مسار واحد ثابت يجب علينا جميعا أن نسيره بخطى ثابتة دون تحريف.

كل شخص يصنع نجاحه بنفسه وبطريقته، وإلا لما وجدنا هذا التفاوت بالاهتمامات والتنوع بالتخصصات فليس الجميع أطباء ومهندسين وليس الجميع نجارين وحدادين، الفكرة كلها تكمن كيف تترك أثرا يذكرك به غيرك وكيف تصبح مميزا بمجالك أي أن كان هذا المجال.

هذا النموذج قديم و تعرض لكثير من النقد و لا يتضمن كل شيء مثل الدافع للإستكشاف و اللعب و لماذا نساعد الآخرين أو نحب الملابس المريحة و المنازل الواسعة النظيفة ذات ديكور جميل، أو السباحة أو مشاهدة التلفاز و سماع الموسيقى أو إشتراء الملابس الملونة ذات التصميم الجميل، لماذا الكوميدي مثلا يرغب بإضحاك الآخرين، أو الرغبة في التعبير الفني، أو دافع أم لحماية إبنها. ماذا عن التعبير بشكل عام مثلا عندما يلعن شخص ما حاسوبه عند تعطله بدون أن يكون هناك أحد ليسمعه؟

ثم الراحة من مجهود بدني أو عقلي؟ الحاجة لتنويع النشاطات؟ لماذا ينزعج البدين من ثقله؟ ماذا عن الخصوصية هل هي حاجة؟

لماذا يريد البعض إقتناء سيارة بدلا من المشي أو إستخدام المواصلات العامة؟

لماذا يشتري شخص ما لوحة فنية أو يقرأ رواية؟

أو الأهم من كل ذلك: أين إحتياجنا للمعنى.

هذا ما يسمى بالقيود الاجتماعية، تمارس علينا دون نية سيئة في أغلب الوقت، من يريد منك النجاح في الدراسة والحصول على عمل جيد وتأسيس عائلة جميلة هم عائلتك أكثر من يحبك، لكن ما يغيب عن أذهانهم هو أنّ ذلك الضغط الذي يمارسونه بهدف دفعك نحو ما ما يعتقدون أنه الأفضل لك قد يكون ما يعيقك من الوصول لما تريد.

نعم دكتوره ايمان تعليقك كأنه ينبع مني ليس منك هذا مايحدث بالفعل لا ادري لماذا يسيطرون علينا بهذا الفكر هذا ليس شيئا جميلا ان يكون هدفي هو نفس تفكيرهم

كل ما ذكرتِ ليست أساطير، بل هي ضغوطات، وتسحق! تغير الشخص، رغبة منه في التمرد، إلى شئ لم يكن يظن أنه سيصبح عليه. ضغوطات " الكمال الإجباري" تستدعي ردة فعل مدمرة، تعشق الخطأ ولذة العصيان ورجفة التمرد والتفرد والتغيير واللاعادية.