(بقلم: إسلام جهادالدين، باحث دكتوراه فى إدارة الأعمال، مُهتم بالشؤون الاقتصادية والإصلاح المؤسسي والتنمية الدولية) 

مقدمة

انسحاب الإمارات من أوبك ليس مجرد حدث نفطي عابر. إنه تقاطع ثلاثة مسارات: مسار اقتصادي تريد فيه الإمارات تحرير نفطها من قيود الحصص والاستفادة الكاملة من استثماراتها في أدنوك. ومسار سياسي تعبر فيه عن استقلالية متزايدة عن النفوذ السياسي السعودي واشارة واضحه للخلاف الاماراتى-السعودي في الملفات الإقليمية. ومسار استراتيجي تؤكد فيه تحالفها الوثيق مع واشنطن وتقديمها لمصالحها الوطنية على حساب الانتماءات الجماعية.

ويبقي التساؤل، هل سينجو مجلس التعاون الخليجي من تداعيات هذا التفكك؟ هل سنشهد مزيد من الخلاف السياسي والاقتصادي العميق في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب مع إيران؟

أولاً: الانسحاب الأكبر في تاريخ أوبك: لماذا أغلقت الإمارات الباب خلفها؟

زلزال في عالم النفط

في الثامن والعشرين من أبريل 2026، أطلقت الإمارات العربية المتحدة إعلاناً وصفه المحللون بأنه "أكبر صدمة طالت منظمة أوبك منذ عقود": الانسحاب الكامل والفوري من منظمة الدول المصدِرة للنفط (أوبك) ومن الإطار الموسع المعروف "أوبك بلس"، وذلك بعد ثمانية وخمسين عاماً من العضوية المتواصلة.

لم يكن هذا القرار وليد اللحظة، ولا مجرد رد فعل انفعالي على حدث طارئ. بل هو نتاج تراكم طويل من التوترات الاقتصادية والحسابات الاستراتيجية والخلافات السياسية، تقاطعت جميعها في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، لتخرج الإمارات "ثالث أكبر مُنتج للنفط في المنظمة"  من عباءة التكتل الذي طالما شكل قواعد اللعبة النفطية العالمية.

لفهم ما جرى حقاً، نحتاج أن نتوقف عند ثلاثة مستويات: ما هي أوبك وأوبك بلس؟ ومن تركها قبل الإمارات ولماذا؟ وما الذي دفع الامارات تحديداً إلى هذه الخطوة الجريئة في هذا التوقيت بالذات؟

ما هي أوبك؟ "التكتل الذي غير وجه العالم"

تخيل أن لديك منتج يريده الجميع، لكن سعره يتحكم فيه المشترون لا البائعون. هذا بالضبط كان وضع الدول المنتجة للنفط في خمسينيات القرن الماضي، حين كانت شركات النفط الغربية الكبرى "المعروفة بالشقيقات السبع" هي من تملي الأسعار على الدول المنتجة.

تأسست منظمة الدول المصدرة للنفط في مؤتمر بغداد في سبتمبر 1960 على يد خمس دول مؤسِسة: (إيران والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية وفنزويلا). كان الهدف واحدًا: استعادة السيادة على الثروة النفطية وتوحيد المواقف التفاوضية في مواجهة الشركات الغربية.

وكما تنص المنظمة على هدفها، فإنها تسعى إلى "تنسيق وتوحيد السياسات النفطية بين الدول الأعضاء، بما يضمن أسعاراً عادلة ومستقرة للمنتجين، وإمدادات منتظمة للمستهلكين، وعائداً مناسباً للمستثمرين في هذه الصناعة."

الآلية بسيطة لكنها بالغة التأثير: يجتمع الأعضاء ويتفقون على حصص إنتاجية لكل دولة.

1.    أنتِج أقل، يشح النفط في السوق فترتفع الأسعار.

2.    أنتِج أكثر، تتخم السوق بالإمدادات فتنهار الأسعار.

إنه ببساطة أقوى رافعة اقتصادية يمتلكها تكتل من الدول في التاريخ الحديث.

لحظة اكتوبر 1973: حين أضاء النفط العتمة في الغرب

بلغت المنظمة أوج قوتها ونفوذها حين قررت الدول العربية الأعضاء في أكتوبر عام 1973 فرض حظر نفطي على الدول الداعمة لإسرائيل في حرب أكتوبر. كانت تلك المرة الأولى التي تمارس فيها الدول العربية هذا النوع من الفعل الجماعي، وكان لها أثر هائل على المسرح السياسي الدولي، إذ كانت المجموعة تتحكم آنذاك في نصف سوق النفط العالمي.

ارتفعت أسعار النفط بنسبة 300% خلال أشهر، وتحولت معظم الاقتصادات الغربية إلى حالة من الركود، وأُعيدت رسم خرائط السياسة الدولية من جديد. ولم يعد النفط من وقتها مجرد سلعة، بل أصبح سلاحاً استراتيجيًا.

من الذروة إلى التآكل: هبوط النفوذ التدريجي

اليوم، وبعد أن أصبحت دول كالولايات المتحدة والنرويج منتجة رئيسية للنفط، تراجعت حصة أوبك في السوق العالمية إلى نحو 33%. هذا التراجع دفع المنظمة إلى تطوير نفسها بإنشاء إطار أوسع.

ثانياً: أوبك بلس - التحالف الموسع

حين انضمت روسيا إلى التحالف

في عام 2016، وعقب انهيار أسعار النفط إلى مستويات كارثية وصلت إلى 26 دولاراً للبرميل، أدرك الجميع أن أوبك وحدها لم تعد قادرة على ضبط السوق. فنشأت "أوبك بلس": تحالف يجمع الدول الأعضاء في أوبك مع اثني عشر منتجاً آخر من خارجها، وعلى رأسهم روسيا.

يضم الإطار الأوسع لأوبك بلس إلى جانب أعضاء أوبك دول: روسيا وأذربيجان وكازاخستان والبحرين وبروناي وماليزيا والمكسيك وعُمان وجنوب السودان والسودان، ليرفع حصة التحالف الموسع من الإمدادات إلى نحو 41% من الإنتاج العالمي.

والفرق الجوهري بين أوبك وأوبك بلس ليس في الآلية بل في القوة: مع دخول روسيا، أصبح التحالف يمثل منتجين ينتجون أربعة من كل عشرة براميل تُنتج في العالم. إنها قوة نادرًا ما يمتلكها أي تحالف بين دول.

ثالثاً: من غادر أوبك قبل الإمارات؟

الإمارات ليست البلد الأول الذي يغادر أوبك. فقد شهدت المنظمة عدة انسحابات تُكشف عن نمط متكرر: الخلافات حول الحصص، والتحولات الاقتصادية، وأحياناً السياسة بوصفها ذريعة أو سبباً حقيقياً.

إندونيسيا:

انضمت إندونيسيا إلى أوبك عام 1962، لكنها علقت عضويتها في يناير 2009 حين أصبحت مستوردة صافية للنفط وعجزت عن الوفاء بحصتها الإنتاجية. عادت عام 2016، لكنها علقت عضويتها مجدداً في أواخر العام ذاته حين طالبتها أوبك بخفض إنتاجها بنسبة 5%. قصة إندونيسيا هي قصة دولة تغير وضعها الاقتصادي تماماً: حين لم يعد لديها نفط يكفي لتصديره، لم يعد لعضوية أوبك معنى بالنسبة لها. الانتماء لنادي المصدرين لا يفيد من أصبح مستورداً.

الإكوادور:

انضمت الإكوادور عام 1973، وعلقت عضويتها عام 1992، وعادت عام 2007، ثم انسحبت نهائياً في الأول من يناير 2020، بسبب العبء المالي لالتزامات العضوية.

الإكوادور بلد صغير الإنتاج محاصر بأزمات اقتصادية متكررة. حين كانت تحتاج الإيرادات بشدة، وكانت أوبك تُلزمها بخفض إنتاجها وبالتالي خفض دخلها، كان الانسحاب يبدو الخيار الأعقل اقتصادياً.

الغابون:

انضمت الغابون عام 1975، وغادرت في يناير 1995، ثم عادت في يوليو 2016. انسحابها الأول جاء حين قررت أن حصتها الإنتاجية الضئيلة لا تستحق التزامات العضوية، وعودتها جاءت حين رأت في التحالف ضرورة للتعاون في ظل انهيار الأسعار.

قطر:

الدولة العربية الوحيدة التي غادرت أوبك قبل الإمارات هي قطر، التي انهت عضويتها في يناير 2019 بعد أن كانت عضواً منذ عام 1961. أعلنت الدوحة حينها أنها تغادر لتركز جهودها على إنتاج الغاز الطبيعي.

يمكن تلخيص الموقف القطري الرسمي في أن القرار تقني لا سياسي: قطر منتج صغير للنفط مقارنة بالغاز، إذ تنتج نحو 635 ألف برميل يومياً فقط، وتمثّل أقل من 2 بالمئة من إنتاج أوبك.

غير أن التوقيت كان لافتاً. جاء انسحاب قطر في الوقت الذي كانت فيه كل من السعودية والبحرين والإمارات ومصر قد قاطعتها وفرضت عليها حصاراً برياً وبحرياً. وقد نفت قطر أن يكون للسياسة أي دور في قرارها، لكن المراقبين رأوا في الانسحاب رسالة ضمنية: إذا كانت المنظمة خاضعة للهيمنة السعودية، فلا جدوى من البقاء فيها حين تكون علاقتك مع الرياض مقطوعة.

رابعاً: ما وراء مغادرة الإمارات

لمحة عن الثقل الإماراتي في أوبك

قبل الحديث عن الانسحاب، لا بد من استيعاب الثقل الهائل الذي تمثله الإمارات داخل المنظمة. كانت الإمارات ثالث أكبر منتج للنفط الخام في أوبك بعد السعودية والعراق، وواحدة من عدد قليل من الأعضاء الذين يمتلكون طاقة إنتاجية احتياطية حقيقية يمكن تفعيلها سريعاً لمواجهة أزمات الإمداد.

هذه الطاقة الاحتياطية هي أثمن ما تمتلكه أوبك في الأزمات. حيث أن رحيل الإمارات يزيل أحد الركائز الجوهرية لقدرة أوبك على إدارة السوق.

السبب الاقتصادي المباشر:

تخيل أنك تملك مزرعة إنتاجها الكامل عشرة أطنان من القمح، لكن اتحاد المزارعين الذي تنتمي إليه يلزمك بألا تبيع أكثر من ستة أطنان، فيما تحقق المزرعة المجاورة أرباحًا بأربعة أطنان إضافية. هذا تقريباً ما كانت تعيشه الإمارات داخل أوبك.

قبيل اندلاع الحرب مع إيران، كانت طاقة الإمارات الإنتاجية قد نمت إلى 4.8 مليون برميل يومياً، غير أن اتفاقية أوبك كانت تُجيز لها إنتاج 3.2 مليون برميل فقط.

هذا يعني أن الإمارات كانت ملزمة بتعطيل ما يزيد على 1.5 مليون برميل يومياً من طاقتها الإنتاجية ، وهي كميات يساوي ثمنها مليارات الدولارات سنوياً، ليس لأسباب فنية أو جيولوجية، بل تنفيذاً لقرارات جماعية كثيراً ما جاءت منسجمة مع المصلحة السعودية أكثر من الإماراتية.

استثمرت الإمارات عبر شركتها الوطنية أدنوك في برامج توسعة متواصلة لرفع طاقتها الإنتاجية من 3 إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027، وأحياناً تُشير التقارير إلى إمكانية الوصول إلى 6 ملايين برميل إذا ما استدعت ذلك ظروف السوق.

التوتر التاريخي مع الحصص:

التذمر الإماراتي من آليات تحديد الحصص لم يكن وليد اليوم. طالما اعترضت الإمارات على الطريقة التي تحسب بها الخطوط الأساسية للإنتاج، وهي المعادلة التي تحدد بموجبها كل دولة مقدار ما تنتج. ورأت أبوظبي أن هذه المعادلة تقيدها بأرقام تاريخية لا تعكس حجم استثماراتها الضخمة في رفع طاقتها الإنتاجية.

كما أن الإمارات تذمرت من ظاهرة تجاوز العراق وروسيا لحصصهما المتفق عليها دون حساب فعلي، بينما كانت تلزم هي بالالتزام التام. إنه كالمشاركة في سباق مع منافسين لا يلتزمون بقواعده.

البُعد السياسي:

لفهم انسحاب الإمارات، لا يكفي النظر إلى أرقام الإنتاج وحدها. ثمة قصة سياسية أعمق تتعلق بالعلاقة المتوترة بين أبوظبي والرياض. في أواخر عام 2025، كان الإماراتيون والسعوديون في خلاف مفتوح حول اليمن. دعمت الإمارات مجلس الانتقال الجنوبي اليمني الانفصالي في خطوة أضرت بشركاء السعودية في الصراع اليمني، بل وصل الأمر إلى أن الرياض نفذت ضربات جوية على حلفاء الإمارات وأجهزة عسكرية في ميناء المكلا.

في الوقت ذاته، أسهمت الخطوة الإسرائيلية بالاعتراف بأرض الصومال في تعميق الفجوة بين الرياض وأبوظبي؛ إذ رأت السعودية في ذلك تهديداً للاستقرار الإقليمي، وشعرت بتواطؤ إماراتي ضمني مع هذه الخطوة. هذا التوتر تصاعد حتى اندلعت حرب الكلمات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع حملات متبادلة في واشنطن لإقناع المسؤولين الأمريكيين بأن الطرف الآخر هو المسؤول عن تدهور العلاقة.

الحرب على إيران:

ثم جاءت الحرب. في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية ضد إيران عرفت بـ"العملية الفورية الملحمية". ردت إيران بضربات على منشآت في دول الخليج، شملت الإمارات والسعودية معاً.

في البداية، أعرب محمد بن سلمان ومحمد بن زايد عن التضامن المتبادل في مواجهة الهجمات الإيرانية. لكن سرعان ما تباينت المواقف: انضم السعوديون إلى الباكستانيين والمصريين والأتراك في المطالبة بحل دبلوماسي، فيما رأى الإماراتيون، الذين تعرضوا لأشد الضربات الإيرانية، أن أي اتفاق يجب أن يضمن انعدام التهديد الإيراني لأمنهم بصورة جذرية. واعتقدوا أن السعودية وغيرها مستعدة للقبول بأقل مما يكفي.

إغلاق مضيق هرمز أضاف بعداً اقتصادياً حاداً: أسفر إغلاق مضيق هرمز عن تعطيل ما يقارب مليوني برميل يومياً من الإنتاج الإماراتي البحري، إذ هوى الإنتاج من نحو 3.4 مليون برميل يومياً في فبراير إلى نحو 1.9 مليون برميل في مارس 2026، بانخفاض يبلغ نحو 44 % خلال شهر واحد.

دولة تعرضت لهجمات إيرانية، وشهدت إنتاجها ينهار بسبب إغلاق المضيق، وهي ملزمة بحصص أوبك التي تقيدها دون أن تحمل لها أي مزايا راهنة ، كل هذا مع شريك في التحالف (السعودية) يخالفها في الموقف من الحرب،  وجدت أمامها فرصة استثنائية لتقول: "كفى".

الإماراتيون الذين كانوا يدرسون الخروج من أوبك أصلاً، خلصوا إلى أن تدهور علاقتهم بالسعودية قدم لهم الذريعة السياسية المثالية لإنهاء مشاركتهم في التحالف.

البُعد الأمريكي: ترامب يُصفّق

لم يخف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ابتهاجه بالقرار الإماراتي وهذا ليس مفاجئاً؛ فترامب معروف بعدائه لأوبك، وقد اتهمها سابقاً بـ"نهب بقية العالم" عبر تضخيم أسعار النفط. يرى الخبراء أن الولايات المتحدة ستستفيد من هذا القرار، لأنه يقوض قدرة أوبك على رفع الأسعار.

كما أن الإمارات عمقت في السنوات الأخيرة علاقتها مع واشنطن وتل أبيب، وتُعد اتفاقيات أبراهام التي أبرمتها في 2020 رافعة استراتيجية لتعزيز نفوذها الإقليمي وقناة فريدة للتواصل مع واشنطن.

خامساً: ماذا يعني هذا الانسحاب فعلياً؟ وما هي التداعيات على أسواق النفط والمنطقة

على المدى القريب:

أن انسحاب الإمارات من المنظمة لن يحدث أثراً فورياً ملموساً في السوق، نظراً لأن صادراتها كغيرها من دول الخليج  مقيدة حالياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز. وتستطيع الإمارات بيع بعض نفطها عبر محطة الفجيرة المطلة على خليج عُمان، مما يتيح لها تجاوز المضيق، لكنها صدرت العام الماضي 1.7 مليون برميل يومياً فقط عبر هذا الطريق، وهو ما لا يكفي لتحقيق طموحاتها الإنتاجية. وتقلب أسعار النفط بين اتجاهين متعاكسين: أولهما هبوط أولي مرتبط بمخاوف الفائض المستقبلي، وثانيهما ارتفاع متجدد مدفوع بعلاوة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالصراع الإيراني، مع تداول سعر برنت حول 112 دولاراً للبرميل.

على المدى البعيد:

ان الإمارات تستعد بوضوح لمرحلة ما بعد الحرب، فمع بلوغ الطلب على النفط ذروته ودخولنا حقبة جديدة، فإن الامارات قررت التحرر من قيود أوبك. وهو ما يتناقض مع استراتيجية السعودية القائمة على الحفاظ على سقف إنتاج أعضاء أوبك لإبقاء أسعار النفط مرتفعة على المدى البعيد.

إذن أمامنا رؤيتان متعارضتان لمستقبل النفط: الإمارات تُؤمن بعالم يتراجع فيه الطلب على النفط تدريجياً مع صعود الطاقة النظيفة، وتُريد أن تبيع نفطها بأكبر قدر ممكن قبل أن يصبح احتياطيها أقل قيمة. السعودية في المقابل تُراهن على إمكانية الحفاظ على أسعار مرتفعة عبر الإبقاء على قيود الإنتاج.

خسارة الإمارات أضعفت موقف الرياض داخل أوبك من ناحيتين: أولاً، قلصت قدرة السعودية على إدارة المنظمة وفرض انضباطها على الأعضاء. ثانياً، ستجد الرياض في الإمارات حين تتحرر من قيود الحصص منافساً مباشراً على الحصص السوقية، لا شريكاً في ضبط الإمدادات.

الخلاصة!

ان انسحاب الإمارات من أوبك ليس مجرد حدث نفطي عابر. إنه تقاطع ثلاثة مسارات: مسار اقتصادي تريد فيه الإمارات تحرير نفطها من قيود الحصص والاستفادة الكاملة من استثماراتها في أدنوك. ومسار سياسي تعبر فيه عن استقلالية متزايدة عن النفوذ السياسي السعودي واشارة واضحه للخلاف الاماراتى-السعودي في الملفات الإقليمية. ومسار استراتيجي تؤكد فيه تحالفها الوثيق مع واشنطن وتقديمها لمصالحها الوطنية على حساب الانتماءات الجماعية.

القصة الكبرى التي يرويها هذا الانسحاب ليست عن الإمارات وحدها، بل عن تحول عميق في بنية النظام السياسي الخليجي ونظام النفطي العالمي: عالم باتت فيه الدول الكبرى تفكر في نهاية عصر النفط وتتسابق على بيع احتياطياتها قبل أن يتراجع الطلب، بدلاً من التمسك بالتنسيق الجماعي الذي أقامته أوبك لحماية الأسعار.

في النهاية، ثمة سؤال يطرحه هذا الحدث بقوة: إذا نجحت الإمارات في إثبات أن الخروج من أوبك ليس ضارًا بل مجديًا، فهل ستبقى أوبك منظمة لها معنى في عالم ما بعد الذروة النفطية؟ الإجابة لن تتكشف قبل سنوات، لكن الإمارات وضعت اللبنة الأولى في هذا الاختبار التاريخي.