يَستهلك الأردن حوالي 96% من الطاقة عن طريق الوقود الأحفوري المُستورد من الدول المجاورة , سواء كان هذا الوقود عبارة عن الفحم الحجري أو النفط أو الغاز الطبيعي (1) , وتذهب النسبة الكبرى منه لتوليد الطاقة الكهربائية بالطرق التقليدية التي فرضتها الثورة الصناعية , حيث تقوم سبع شركات في قطاع التوليد ( منها 6 شركات خاصة وواحدة حكومية فقط ) بتوليد الطاقة الكهربائية وجميعها تستخدم الوقود الأحفوري , مما يُعزز أزمة الطاقة ويذهب بمفهوم أمنها إلى أفق مسدودة , حيث أن شركة الكهرباء الوطنية ( حكومية ) مسؤولة عن نقل الطاقة وإيصالها إلى شركات التوزيع الثلاث شمال المملكة وجنوبها ووسطها وهي الخاسر الأكبر في مُعضلةِ الطاقة والتي يدفع الشعب الأردني ضريبة الإرتفاع في سعر الكهرباء حتى عام 2017 لكي تصل الشركة إلى نقطة التعادل دون الربح او الخسارة اذا ما إلتزمتْ ببرنامج صندوق النقد الدولي حسبَ تعبيرها .
نحنُ نُدرك أن جميع دول العالم تستخدم المصادر التقليدية في توفير الكهرباء , حيث أنه من الصعب جداً الإستغناء عنها كُلياً في الوقت الراهن , إلا أن النسبة في دولة كالأردن مرتفعة جداً مقارنة مع باقي الدول .
يَتمتعُ الأردن بمكانٍ حيوي ومتميز جداً من ناحية الإشعاع الشمسي يَفرضُ عليه إستغلال معظم مصادر الطاقة المتجددة ومنها الطاقة الشمسية , حيث أن نسبة الإشعاع ممتازة جدا مقارنة مع العديد من الدول , حيث تشع الشمس لمدة تزيد عن 163 يوماً في السنة داخل البلاد (2), ويوجد مساحات كبيرة ومُتاحة يمكن إستغلالها للإستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية .
بدأ الإهتمام بالطاقة المتجددة في الاردن مع بداية العام 2007 حيث وُضعت الإستراتيجية الوطنية للطاقة المتجددة والتي تنُص على أن تَصِل الدولة إلى ما نسبته 7% من الطاقة المتجددة بحلول العام 2015 وإلى 10% بحلول العام 2020 (3) , فقامت الأردن بنشرِ خريطة الطاقة الشمسية في هذا العام , ثم نشرت خريطة تتعلق بسرعة الرياح والتي من خلالها وَضعت مناطق محتملة لتنفيذ عدة مشاريع فيها ومنها الطفيلة والشوبك ومعان في الجنوب , وحُوفا والإبراهيمية في الشمال والرويشد في الشرق , وفي يومنا هذا يوجد مشروع لطاقة الرياح بقدرة 117 ميجا واط في منطقة الغرندل في الطفيلة يُوفّر ما نسبته 50 مليون دينار أردني سنوياً قامت بتنفيذه إحدى أهم الشركات العالمية وهي شركة فيستاس الإيطالية (4).
ثُمّ بعد سلسلة طويلة من الإجراءات وتحديداً بعد 5 سنوات وفي العام 2012 صَدر قانون الطاقة المتجددة وترشيد الطاقة , والذي من أهم بنوده أنه يحق لأي مواطن الإستفادة من الطاقة المتجددة , حيث سمح الإطار القانوني للقطاع الخاص بإنتاج الطاقة وبيع فائض الكهرباء المنتج من الطاقة الشمسية ب 120 فلس لكل كيلو واط ساعة ( 17 سنت أمريكي في وقته ) و 95 فلس لكل كيلو واط ساعة إذا كان الإنتاج من مصادر هجينة ( 13.4 سنت أمريكي )(5) .
إزداد أهمية قطاع الطاقة المتجددة بعد صدور قانون الطاقة الأردنيّ , حيثُ ساهم في إحداث نقلة نوعية في هذا المجال فبلغ عدد الشركات العاملة في قطاع الطاقة والبيئة أكثر من 700 شركة مسجلة لدى وزارة الصناعة والتجارة (6) وأصبح غالبيةُ خريجي الكليات الهندسية والموارد الطبيعية يلتحقون بالعمل أو التدريب في هذه الشركات , فعلى سبيل المثال ساهم قطاع الطاقة المتجددة في ألمانيا بتوفير 249300 وظيفة ضمن مجال الطاقة في العام 2007 على الرغم من أنها وصلت إلى 10% فقط , وهذا يقترب من الفرص التي وفرها قطاع الطاقة التقليدية حتى العام 2003 حيث وفر تقريباً 260000 وظيفة (7) , أي أن 10% من الطاقة المتجددة فقط إقتربت بشكل كبير من توفير فرص العمل لجميع مصادر الطاقة التقليدية مجتمعة .
وفي أمريكا مثلاً ساهمت طاقة الرياح بتأمين اكثر من 80000 وظيفة ما قبل العام 2011 , وهو نفس عدد العاملين في صناعة تعدين الفحم الحجري , إلا أن المفارقة التاريخية أن قطاع طاقة الرياح في ذلك الوقت بلغ 1.9% من مجمل الطاقة بينما وصل قطاع الفحم الحجري الى 44.5% , أي أن طاقة الرياح وفرت فرصاً للعمل في مدة زمنية قصيرة وهي لم تتجاوز ادنى النسب بعد.
وأما في الأردن وخلال الثلاث سنوات الأولى من الإنتعاش في مجال الطاقة فقد تم تركيب أكثر من 720 عداد كهرباء يعمل بإستخدام أنظمة الطاقة المتجددة وبإستطاعة توليدية تزيد عن 45.5 ميجا واط (8) , هذا عدا عن محطات الطاقة المستقلة فقد تم إنشاء العديد منها في مناطق مختلفة بقدرة 12 ميجا واط وبقدرة 5 ميجا واط واهمها مشروع شمس معان وسعته 200 ميجا واط , مع العلم أننا في الأردن حتى اللحظة لم نتجاوز 5% من الطاقة المتجددة وأن الاستطاعة التوليدية في الاردن 4 غيغا واط أي سُدس الإستطاعة التوليدية في مصر تقريباً , هذا كله في ثلاث سنوات فقط , ماذا لو أردنا الوصول إلى 20% فعلا ً ...!
وأما في عالم الطاقة النووية فقد تم إنشاء هيئة الطاقة الذرية في العام 2008 كخلف لهيئة الطاقة النووية الأردنية , والتي تهدف إلى تعزيز الإستخدامات السلمية للطاقة النووية , وبدأ الحديث عن مشروع الطاقة النووية في الأردن وإنشاء المفاعل النووي , ومن المفارقات العجيبة أن مجلس النواب الأردني صوت ضد تنفيذ مشروع الطاقة النووية إلا أن الحكومة الأردنية ماضية في تنفيذه دون الإستماع لحناجر نواب الشعب .
تُشير الدراسات الاولية لتكلفة إنشاء مفاعل نووي من نوع (بي سي اس) إلى الإستثمار بمبلغ ( 17 مليار دولار امريكي ) وهذا السيناريو مبني على تقنية وحدات البخار المنخفضة نسبياً ,ومع ذلك فإن هذا السيناريو ذو تكلفة مرتفعة بسبب إرتفاع كلفة الوقود الثقيل (9) , وهناك سيناريو آخر وهو (ان جي اس) حيث تبلغ التكلفة الاولية له (24 مليار دولار امريكي ) وبكلفة تشغيلية تزيد عن 30 سنة (10) , لكن المفارقة العجيبة هنا أن الدين العام لدولة مثل الأردن يقترب بشكل كبير من هذه الأرقام , أي أنه ومع تنفيذ هذا المشروع فإن مديونية الاردن ستزداد إلى الضعف مما هو عليه الآن , هذا بعيداً عن السلبيات في مشروع الطاقة النووية من حيث النفايات المترتبة عليه والطاقة الفائضة والحماية العسكرية وأثر الزلازل وغيرها عدا عن طبيعة المنطقة الملتهبة سياسياً .
كما أن بناء مُفاعل نووي واحد يوفر 2400 فرصة عمل في مرحلة البناء فقط , ولكن ما إن إحتاج المفاعل للتشغيل فإنه يحتاج إلى 800 عامل فقط , على عكس مشاريع الطاقة المتجددة والتي توفر فرصاً كثيرة على الرغم من أنها لم تصل إلى ما نسبته 10% فقط (11).
إن النظرة الأولية لمسيرة الأردن في مجال الطاقة المتجددة مبشرة رغم التعثر في بدايتها , حيث إحتل الأردن المركز الرابع عالمياً من حيث الإستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة قياساً على الناتج المحلي الإجمالي (12) , والمركز الثاني على مستوى الوطن العربي بعد الشقيقة تونس من حيث كفاءة الطاقة (13) , أما الآن وفي نهاية العام 2015 فإننا نعيش مرحلة مهمة جدا يجب بلورتها بطريقة مثالية ليستفيد الجميع , نجد الآن العديد من المنشآت التي كانت تدفع سنويا أكثر من 200الف دينار اردني ولكنها بعد الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية مثلاً فانها لات تدفع أكثر من ألف دينار على مدار العام .
يبقى أن نُنوه إلى أن العالم يتغير يوماً بعد يوم , والنفط سينتهي لا محالة , نحن إلى الآن لم نصل إلى ما نسبته 10% من الطاقة المتجددة وفعلنا ما فعلناه , ماذا لو أردنا الوصول إلى 30% ..؟؟ , إنظر إلى حجم الإستثمارات والفائدة والتوفير في هذا المجال , إن النفط والوقود الأحفوري سيغيبان يوماً عن هذا العالم بينما مصادر الطاقة البديلة لن تغيب , ينقصها التطوير فقط , وهذا ليس بعيداً عن التكنولوجيا والعلم
سامي حامد سليمان بني عطيه
مُهتم وناشط وباحث في مجال الطاقة المتجددة والقود الاحفوري معان - الاردن