(تعليق: هذا الموضوع هو الجزء الثاني من سلسلة من خمس مقالات هدفها الأساسي هو استدرار تفاعل الأعضاء وتقريبهم من ويكيبيديا، لذا -لو كانت لديك أي أسئلة أو تعقيبات- أتمنى أن لا تتردد بإضافتها في تعليق.)

يبدو الأمر بسيطاً جداً عن القول بأن ويكيبيديا هي "عمل تطوعي" قائم على أهداف خيرية غير ربحية، ولكن الأمر يبدو مختلفاً بعض الشيء عند القول بأن ويكيبيديا لديها خمسون مليون مقال بأكثر من ثلاثمائة لغة وملياري مساهمة أضاف كلّ واحدة منها متطوع دون دافعٍ سوى الإحسان. ولكن هؤلاء الأشخاص كلهم لم يأتوا من فراغ، بل كانوا ثمرة رحلة طويلة صعبة. في وقتٍ ما قبل ثمانية عشر عاماً، كانت تحتوي ويكيبيديا أقل من مائة مقالة بلغة واحدة يساهم فيها مجموعة صغيرة من المتطوعين،[1] فكيف حققت هذا التطور المذهل دون أي نموذج ربحي يذكر؟

صانع ويكيبيديا

يعود الفضل في وجود ويكيبيديا، والفضل -كذلك- في وصولك إلى مئات المقالات والمعلومات التي استفدتَ منها عبر حياتك وربما في حلّ الكثير من واجباتك المدرسية والجامعية إلى رجل أعمال أمريكي من ألاباما اسمه جيمي ويلز. درس جيمي علم الاقتصاد والمال في جامعة ألاباما، وطرد لاحقاً من برنامج الدكتوراة فيها بسبب امتناعه عن كتابة رسالته متعللاً بأنها "مملة جداً". إذ إن جيمي لم يجد أي شغف لديه في الاقتصاد، بل -مثل الكثير من أبناء جيله- اتجه شغفه نحو الإنترنت. فقد كان طموحه تأسيس موسوعة رقمية.

https://suar.me/dqQXa

تعرف جيمي ويلز من خلال منتدى إلكتروني للفلسفة إلى لاري سانجر، الذي ساعده بتأسيس موسوعة اسمها نوبيديا (Nupedia)، والتي كانت موسوعة مُحكَّمة تعتمد على مساهمات تطوعية من أساتذة الجامعيات والأكاديميين المتخصصين في مجالاتهم، ومن ثم تنال ربحاً لمؤسسها من خلال عرض الإعلانات في مقالاتها. ومن الملفت للانتباه أن طريقة عمل تلك الموسوعة كانت قريبة جداً لما يطالب به الكثير ممّن ينتقدون ويكيبيديا، إلا أن مصيرها كان الفشل الذريع. فقد وصل عدد مقالاتها -بعد ثلاث سنواتٍ من إطلاقها- إلى 25 مقال.

التقى جيمي ويلز لاحقاً بمبرمج شغوف بنموذج المصدر المفتوح، واقترح عليه ذلك المبرمج أن يجرّب تحويل موسوعة نوبيديا إلى نمط الويكي، وهي فكرة ولدت من رحاب الإنترنت (في سنة 1994) تقوم على السماح لزوار مواقع الإنترنت بالمشاركة في بناءها وتعديلها والإضافة إلى محتواها، على اعتبار أنها واحدة من أفضل وأسرع الطرق للنموّ بالمحتوى. ولدى سماع هذا الاقتراح، أطلق جيمي ويلز موسوعة "ويكيبيديا" الجديدة في 15 يناير عام 2001، والتي كان يتوقع منها أن تكون مشروعه الريادي الربحي الجديد. وعلى الأرجح أنه لم يتخيل قطّ التغيير الذي كانت على وشك أن تأتي به إلى حياته.

لماذا ويكيبيديا مجانية؟

تجاوز عدد صفحات ويكيبيديا الألف مقالة خلال ثلاثة شهور من إنشائها، وخلال أربعة شهور ظهرت منها نسخ باللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية والسويدية والكتالانية، وبعد عامين تجاوز عدد مقالات ويكيبيديا الإنكليزية المائة ألف. وقد وقع حدث مهم آخر في نهاية العام الثاني، وهو تسجيل مؤسسة ويكيميديا بصفتها المالك القانوني لموسوعة ويكيبيديا ومواقعها الشقيقة. وقد تظن أننا الآن عثرنا أخيراً على المالك الخفيّ لويكيبيديا، إلا أنك قد تجد الحقيقة مدهشة قليلاً: وهي أن مؤسسة ويكيميديا ليست كياناً مستقلاً، فقد كان الهدف الأول والأسمى من إقامتها هو إبقاء ملكية ويكيبيديا في يد المجتمع، وكذلك في جعلها هبة مجانية للبشرية، بعد تنازل مؤسّسها عن كامل حقوقه فيها. فلماذا؟

https://suar.me/lrwX4

بعد عام على إطلاق ويكيبيديا، أعلن جيمي ويلز أن موسوعته لن تعرض الإعلانات قط ولن تسعى لأي هدف ربحي. وربما كان دافع جيمي للإقدام على هذه الخطوة الجريئة هو أنه لم يتوقع الحجم الهائل الذي ستبلغه ويكيبيديا أو لأنه شعر بأن محتواها هو حقّ لمئات الناس الذين شاركوا في صناعتها، إلا أنّ السبب الأساسي -غالباً- كان نفاذ مدخرات شركته (التي أسسها مع أصدقائه) التي كانت تموّل ويكيبيديا، وذلك بسبب الارتفاع المرعب في تكاليف الموقع مع ازدياد زياراته وحجمه ومصاريف استضافته، والتي فشل جيمي بالعثور على مموّلين جدد لتغطيتها.

وقد أدى إعلان جيمي ويلز -أياً ما كان سببه- لتحول تاريخي مهم جداً، وهو نقل ويكيبيديا من نطاق .com التجاري إلى نطاق .org غير الربحي. ومن هنا فقد انتقل الموقع للبحث عن تمويل خيري مستدام، وأصبح بحاجة لمنظمة تستقبل هذه الأموال وتصرف منها على الخوادم والدعم التقني وباقي الخدمات التي يحتاجها موقع يزوره الملايين شهرياً. ولهذا الغرض سُجّلت مؤسسة ويكيميديا في ولاية فلوريدا الأمريكية بشهر يونيو سنة 2003، والتي حصلت على علامة ويكيبيديا التجارية بعد ذلك بعامٍ واحد. واسم المؤسسة هو جمع بين كلمتي "wiki" و"media"، مما يرمز لمختلف مواقع ومشاريع الويكي التي تشرف عليها المؤسسة.

هل ويكيبيديا مستقلّة؟

بما أن لويكيبيديا علامة تجارية مسجلة ومالكاً قانونياً، فلا بد أن لصاحب هذه العلامة أن يحتكرها ويتحكم بها كيف يشاء. أليس كذلك؟ لا شك بأن الأمر قد يبدو هكذا في أول الأمر، ولكن لا بد لنا، للحصول على الفكرة الحقيقية، من إلقاء نظرة أقرب على الهرم الإداري لويكيميديا.

تخضع جميع نشاطات مؤسسة ويكيميديا القانونية والمالية والتنفيذية لإدارة مجلس مكوّن من عشرة أشخاص يسمى "مجلس الأمناء"، ويؤول الحقّ الكامل باختيار خمسة من هؤلاء، أي نصف الهرم الإداري والقانوني الأعلى لويكيبيديا، إلى "مجتمع ويكيبيديا" مباشرة. حيث يكون ذلك بتصويت علني يقام كل سنتين ويشارك في الترشح إليه أو التصويت فيه كل مستخدم مسجل على ويكيبيديا منذ ثلاثة شهور أو أكثر، أي جميع المساهمين والمحررين والمتطوعين المنتظمين في الموسوعة (سبق وأن رشحتُ نفسي للانضمام، وحققت المركز قبل الأخير بين عشرة مرشحين لأني لم أنل سوى 1,200 صوت).

https://suar.me/awJm3

وقد تظن أن الحق في تعيين النصف الآخر من "مجلس الأمناء" يؤول لمؤسّس ويكيبيديا أو للمؤسسة التي تملكها قانوناً. والواقع أن جيمي ويلز -المؤسس- كان رئيس مجلس الأمناء في السنوات الأولى من إطلاقه، وذلك احتراماً لجهوده الضخمة في إقامة مجتمع الموسوعة وإشهارها في الإعلام وجلب التبرعات لها، ولكنه أقيل من منصبه منذ ثلاثة عشر عاماً وأعطي -بدلاً منه- مقعداً فخرياً في المجلس له مسؤوليات محدودة وقدرة أقلّ من غيره على التصويت، وبذلك فإن المجتمع له الأغلبية في المجلس. ولكن ليس تماماً.

تبقى أربعة مقاعد في مجلس الأمناء، ويكون الحقّ باختيار هذه المقاعد الأربعة لأعضاء المجلس نفسه، أي للمجتمع أيضاً. وغالباً ما يقع الاختيار في هذه المقاعد على شخصيات من خارج ويكيبيديا معروفة بدورها الفاعل في دعم الثقافة والمعرفة الحرة، مثل إسراء الشافعي (ناشطة بحرينية) التي نالت مقعداً منذ عام.

إن إدارة ويكيبيديا القانونية -إذاً- خاضعة لإرادة مجتمعها، الذي نرجو ونأمل أن يكون فيه تمثيل متوازن لأبناء البشرية، وماذا عن ويكيبيديا؟ إذ إن موسوعة ويكيبيديا فيها 60 مليون مقالة بثلاثمائة لغة،[1] وليس متوقعاً من مجلس الأمناء المكونة من عشرة أشخاص ولا مؤسسة ويكيميديا المتقشّفة (وهي مكتفية بثلاثمائة موظف ومتعاقد[2] تخفيضاً للتكاليف) أن تستطيع الإشراف عليها ولا التدخل في شؤونها، ومن هنا ولد من رحاب مجتمع الموسوعة هرم وظيفي معقّد لإدارة شؤونها والإشراف عليها، كما سوف نرى في المقال القادم.

المصادر

[1] "Wikipedia Statistics - Tables - Article count (official)". stats.wikimedia.org. اطلع عليه بتاريخ 28 يناير 2019. الرابط: https://stats.wikimedia.org/EN/TablesArticlesTotal.htm

[2] "List of Wikipedias - Meta".meta.wikimedia.org. اطلع عليه بتاريخ 28 يناير 2019. الرابط: https://meta.wikimedia.org/wiki/List_of_Wikipedias

[3] "Staff and Contractors – Wikimedia Foundation" (باللغة الإنجليزية). اطلع عليه بتاريخ 28 يناير 2019. رابط: https://wikimediafoundation.org/role/staff-contractors/