الفنانون والسلطة الحاكمة.

هناك أشخاص تخشاهم الدولة، مهما اختلف شكل نظام الحكم. ومن بين هؤلاء يأتي المثقفون، لكنني لا أقصد من يقرأ كتابًا أو اثنين ثم يطلق على نفسه لقب "مثقف"، بل أقصد الفنان الحقيقي: الأديب، والرسام، والموسيقي، والممثل، وكل من يحمل داخله حسًا فنيًا أصيلًا. فالفن، في كثير من الأحيان، يمنح صاحبه قدرة أكبر على التأمل، ووعيًا أعمق بالإنسان والمجتمع.

وربما يوجد خلف جدران المؤسسات من هم أكثر وعيًا أيضًا، لكنني ألاحظ أن الدولة كثيرًا ما تنظر إلى أصحاب الفن المستقل بعين الحذر؛ لأنهم يميلون إلى الدفاع عن حرية التعبير وطرح الأسئلة، وهي قيم قد تتعارض أحيانًا مع رغبة السلطة في السيطرة على الرواية العامة.

وفي المقابل، لا أظن أن الفنان بطبيعته يصلح دائمًا لإدارة الدولة. فالحكم يحتاج إلى حسابات معقدة وموازنة بين اعتبارات كثيرة، بينما ينطلق الفنان غالبًا من منظوره الإنساني والأخلاقي، ومن حساسية عالية تجاه الحرية والعدالة. لذلك نادرًا ما نجد فنانًا صادقًا يتبنى نزعة استبدادية، وإن كانت هناك استثناءات في التاريخ، فلا يصح بناء القاعدة عليها.

ومن هنا نفهم لماذا تحرص الدول، في أحيان كثيرة، على إبعاد الفنانين المستقلين عن مواقع التأثير السياسي، بينما تفتح المجال لمن ينسجم مع خطابها. بل قد يصبح بعضهم في صدارة المشهد إذا سخّر فنه لتمجيد السلطة أو تلميع الشخصيات السياسية.

والفن، في النهاية، هو أكثر وسائل التأثير في وجدان البشر. فهو لا يكتفي بنقل الأفكار، بل يعيد تشكيل المشاعر والذاكرة الجمعية. وكم من فيلم أو مسلسل غيّر نظرة الملايين إلى شخصية تاريخية، فقدمها في صورة البطل الذي لا يخطئ، أو الشرير الذي لا يملك أي جانب إنساني. وهكذا يصبح العمل الفني، أحيانًا، أقوى من كتب التاريخ في تشكيل الوعي.

المشكلة ليست في أن يقدم الفن رؤية أو وجهة نظر، فهذا من طبيعته، وإنما في غياب التوازن. فعندما يتحول إلى أداة للدعاية، سواء بتمجيد شخص أو بتشويهه، يفقد جوهره الحقيقي، وهو البحث عن الإنسان كما هو، بكل تناقضاته، لا كما تريد السلطة أو الأيديولوجيا أن تراه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

قد يكون هذا الوصف أقرب إلى صورة الفنان في الماضي أكثر منه إلى واقع اليوم. فالكثير من الفنانين المعاصرين ليسوا في مواجهة السلطة أصلًا، بل على العكس، نجد عدد كبير منهم يحرص على إظهار الولاء للحكام أو تجنب أي موقف قد يفهم على أنه معارضة، سواء عن قناعة أو بدافع الحفاظ على مسيرته المهنية.

لذلك لا أظن أن الدولة تنظر إلى الفنان بوصفه مصدر تهديد لمجرد كونه فنانًا، وإنما تنظر إلى مدى استقلاله واستعداده لطرح أفكار لا تنسجم مع خطابها. أما الفنان الذي يكرر الرواية الرسمية أو يساهم في تلميعها، فغالبًا لا يكون محل خشية، بل قد يحظى بالدعم والظهور.

ولهذا أرى أن التأثير الذي تتحدث عنه أصبح اليوم أضعف مما كان عليه في فترات سابقة

الجمهور نفسه تغير بسبب كثرة المنصات وتعدد المحتوى لم يعد هناك مصدر واحد قوي يؤثر على الناس كما كان لأن كل شخص أصبح يختار ما يشاهده ويتعرض لآراء مختلفة طوال الوقت الجمهور لم يعد مرتبط بالفن ولا بالفنانين مثل فترة السيتينات نسبة كبيرة تنتقدهم ولا تأخذهم كقدوة أو مثال

لم تحصر العلاقة بين الدولة والمثقفين أو الفنانين انها قائمة فقط على الخوف أو الصراع، بل كثيرًا ما تكون علاقة تنظيم وتوازن. فالدولة بطبيعتها تسعى إلى ضبط المجال العام، و يميل الفنان إلى التعبير الحر، وهذا الاختلاف لا يعني بالضرورة وجود تهديد أو استهداف.

من ناحية الإبداع لا يجعل الفنان قادر علي اصدار حكمًا سياسيًا أو إداريًا دقيقًا، تمامًا مثل أن إدارة الدولة لا تقوم على الحس الفني لكن هناك اعتبارات اقتصادية وأمنية واجتماعية.